أخبار مسرحية

جوهر «أبو الفنون»

تنطوي الفكرة الإبداعية بتحويل الصحراء في الشارقة إلى مسرح مفتوح على رؤية ثقافية عميقة، تستلهم مشروع صاحب السموّ الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى، حاكم الشارقة، الرامي إلى ترسيخ مكانة المسرح باعتباره فعلاً معرفياً وإنسانياً يعكس هوية الإمارة ووعيها الجمالي، هي رؤية تنحاز إلى جوهر «أبو الفنون» في صفائه الأول، حيث تتجسد الحكاية عبر الجسد والمكان، في بساطتها وصدقها وأصالتها.

ومن هذا الأفق الفكري تنطلق الدورة التاسعة من مهرجان الشارقة للمسرح الصحراوي، لتؤكد أن الصحراء تجاوزت طبيعتها القاسية والصامتة، لتتحول إلى مساحة تنبض بالفن والإبداع، لتحتضن الدراما الإنسانية بكل تناقضاتها وأسئلتها، مجسدة بذلك فلسفة الشارقة في جعل الفنون جزءاً من نسيج الحياة وامتداداً لروحها الثقافية.

يرسخ المهرجان المسرحي هذا العام هويته الفنية بثقة تتجلى في تنوع عروضه وخياراته الجمالية المتماسكة. فالعروض المشاركة تقدم قراءات مسرحية تستند إلى «محكيات» عربية تراثية، تستحضر الذاكرة الشعبية أحياناً، وتغوص أحياناً أخرى في عمق التاريخ العربي لتعيد صياغة أحداثه بلغة مسرحية معاصرة تحترم الأصل دون أن تقيد نفسها به، تلك المرويات، القديمة والجديدة معاً، تتحول إلى وسيلة لاستكشاف الإنسان العربي في علاقته بالمكان والآخر وفي اعتزازه بالقيم العربية الأصيلة.

تكشف العروض المشاركة في المهرجان عن ميزة لافتة، وهي الإصرار على أن تتجاوز الصحراء دورها كخلفية طبيعية للعمل، لتغدو عنصراً فاعلاً في البناء الدرامي ذاته، فتتحول الكثبان الرملية إلى فضاء للحدث، والليل إلى سينوغرافيا الإيقاع والظل، أما الرياح فتدخل المشهد كمؤثر صوتي عفوي لا يمكن السيطرة عليه، لكنها تمنح التجربة صدقها القاسي وحرارتها الأولى. في مثل هذا الفضاء تختبر الفنون المسرحية قدرتها على الصمود في أحد أكثر الشروط صعوبة، حيث تنسحب التقنيات، ويتقدم الجوهر الإبداعي بلا وسائط أو تجميل.

رغم تنوع هذه المقاربات الإخراجية، إلا أنها التقت عند نقطة جوهرية، وهي استدعاء التراث العربي في صورته المتجددة، القابلة للقراءة والتأويل من منظور الحاضر. بعض العروض استعاد الحكايات الشعبية ذات الدلالات الرمزية، فيما اختار بعضها الآخر الغوص في سيرٍ وشخصياتٍ تاريخية من الذاكرة العربية، مقدّماً إياهــــا بلغــــة جسديــــة مكثّفة، تعتمد الإيقاع والصورة والأداء أكثر من الحوار والكلمة. هذا التوجّه بدا متناغماً مع طبيعة المكــان، ومع جمهورٍ جاء مدركاً أنه أمام تجربة مسرحية تتجاوز المألوف.

وهنا يشكل توظيف الفضاء الصحراوي تحدياً أساسياً، سواء من خلال توزيع الممثلين على امتداد الأفق، أو استثمار الظــــلام كلحظــــة دراميــــة، أو تحويـــــل الكثبان الرملية والظــل إلى عناصر من السينوغرافيا ذاتها، وهنا تظهر قدرات المخرج صانع الرؤية، كما يختبر الممثل في أقسى شروط الأداء، حيث لا حواجز تفصل بينه وبين المتلقي، ولا وسائل تحميه من انكشاف الجسد والصوت تحت السماء المفتوحة.

أيضاً، لا يمكن إغفال الدور المهم الذي يؤديه الجمهور في نجاح هذه التجربة المسرحية. فحضورُه الواعي بطبيعة المكان يسهم في خلق تفاعل حقيقي مع العرض، ويجعل العلاقة بين الممثلين والمتفرجين أكثر قرباً وصدقاً. هنا يصبح الجمهور شريكاً فعلياً في تشكيل اللحظة المسرحية، بما يحمله من تفاعل ومشاركة وانفتاح على التجربة.

النقاشات المصاحبة للعروض والحوارات النقدية، أسهمت بدورها في توسيع زاوية النظر إلى التجربة المسرحية، وتعميق فهمها من زوايا فكرية وجمالية متعددة. كما وفرت هذه الحوارات مساحة لتبادل الرؤى وتقييم العروض بموضوعية، لترسخ بذلك تقليداً حيوياً في الحوار المسرحي يوازي أهمية العرض نفسه.

وبذلك يبرهن «الشارقة الصحراوي» على أن الفن حين يتصل بالمكان والإنسان يغدو فعلاً للمعرفة واكتشاف الذات، يقرأ الماضي بعين الحاضر، ويقترح للمستقبل لغة مسرحية جديدة تنبع من عمق التجربة العربية.

رضا السميحيين

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي !!