دراما وفنون

أي دور تؤدي الدراما التلفزيونية في تشكيل الهوية المصرية؟

ليلى أبو لغد تقرأ صور الذات القومية من خلال مسلسلات أحدثت سجالا

ملخص

نجحت شركات الإنتاج الدرامي خلال العقود الأخيرة في تحويل الشاشات والمنصات الرقمية إلى ساحة للتنافس التجاري والنفوذ السياسي والاجتماعي، لا سيما طوال شهر رمضان الذي صار الموسم الأهم لبث المسلسلات الدرامية وجلب الإعلانات نتيجة ارتفاع نسب المشاهدة والإقبال الجماهيري.

يبحث كتاب “الدراما القومية: سياسات التلفزيون في مصر” في العلاقة بين إنتاج المسلسلات الدرامية وعملية تشكيل الهوية، استناداً إلى دراسة أنثروبولوجية معمقة أجرتها المؤلفة ليلى أبو لغد حول تأثير عدد من المسلسلات المصرية التي بثها التلفزيون الرسمي في مصر خلال عقدين كاملين بين عامي 1980 و 1990.

ليلى أبو لغد باحثة وأكاديمية بارزة من أصول فلسطينية–مصرية، وهي أستاذة الأنثروبولوجيا في جامعة كولومبيا – الولايات المتحدة، وتعد من أبرز الأصوات النقدية في مجال دراسات الشرق الأوسط والنسوية. ومن أبرز مؤلفاتها كتاب “المرأة المسلمة في الخطاب الغربي وأثر السياسات العامة على حيوات النساء”، وكتاب “أولاد علي، مشاعر محجبة: دراسة حول الدور الحيوي للشعر وتحليل دور المرأة في مجتمع قبائل علي البدوية في مصر”.

يتناول الكتاب الأعمال التي رأت أبو لغد أنها “مسلسلات وطنية”، بقصد الإشارة إلى المسلسلات التي عنيت بالأحوال السياسية والاجتماعية ،وقدمت تصوراً عن الهوية المصرية. وتعتبر أن تسعينيات القرن الماضي تمثل لحظة سياسية معقدة بصورة خاصة في التاريخ القومي لمصر، إذ تداعت معها هيمنة الرؤية الواحدة التي كانت وسائل الإعلام الحكومية أداة لها. وتزامن ذلك مع تمدد حركات التطرف الديني وهبوب رياح العولمة وظهور منافسين جادين لأدوار الدولة في التنمية.

 وإضافة إلى عملها في تحليل تلك المسلسلات، أجرت أبو لغد مقابلات عدة مع عينة من المشاهدات لبحث أثرها في الحياة اليومية، وأجرت أيضاً مقابلات مع صناع تلك الأعمال من مؤلفين ومخرجين وفنانين ومنتجين من بينهم المنتج ممدوح الليثي أبرز رئيس لقطاع الإنتاج في مصر والمخرج محمد فاضل، ومع مؤلفين بارزين مثل أسامة أنور عكاشة وفتحية العسال ونجوم آخرين من أبرزهم نور الشريف.

الكتاب ترجمته الروائية سحر توفيق، وصدر في 350 صفحة عن المركز القومي للترجمة في مصر، وضم ملحقاً في نحو 80 صفحة للهوامش والمصادر والمراجع.

النقد الثقافي

وعلى رغم كون الأعمال التي تصدى الكتاب لتحليلها، صارت قديمة نسبياً، فإنها لا تزال حاضرة في الذاكرة إذ يعاد عرضها باستمرار. وإذا كانت بعض الأمور والسياسات قد تغيرت بالفعل، فإن الكتاب على رغم ذلك، يقدم أفكاراً نظرية مهمة تسهم في تحليل المواد التلفزيونية التي تقع الآن في إطار دراسات النقد الثقافي.

تؤمن أبو لغد بأن التلفزيون مؤسسة يمكن، عند استكشافها بدقة، كتابة دراسة إثنوغرافية للأمة المصرية من خلالها.

على أبسط مستوى يبرز التلفزيون في النقاشات العامة بسبب المكانة الخاصة التي يبدو أنه يحتلها في تعريف مصر كمركز ثقافي فريد ومؤثر في العالم العربي. فالقاهرة لا تزال المنتج الأول للدراما العربية، ولا تزال تقدم في صورة “هوليوود الشرق”. لذلك تشدد المؤلفة على أن الرسائل القومية للمسلسلات تبث في فضاء اجتماعي معقد، ولا يتوقف تأثيرها في النطاق المحلي وحسب، وإنما يعبر الحدود القومية، وهي جزء من مجال السلطة الأوسع، وهو قومي إلى حد كبير.

تخصص المؤلفة فصلاً من الكتاب لدراسة ظاهرة تعلق المشاهدين بالنجوم، وهي ظاهرة تجعل التفاعل مع النجوم، بتعبيرها، “قصة حب قومية”. لكنها تشير كذلك إلى أن النجوم والنجمات تحولوا إلى ساحة للاستقطاب مع تنامي مسألة اعتزال النجوم ضمن التحديات التي فرضها تصاعد خطابات التحريم ونشاط جماعات العنف الديني.

ثقافة قومية

ترى أبو لغد أن التلفزيون يشكل مؤسسة أساسية لإنتاج الثقافة القومية في مصر، وتستند في ذلك إلى أفكار بندكت أندرسون في كتابه البارز “الجماعات المتخيلة”، والتي تشير إلى أن وسائل الإعلام الجماهيرية، ومعها الروايات والصحف ومواد البث التلفزيوني، قد تلعب أدواراً في إنتاج الأمم والمشاعر القومية وفي تشكيل ما يسمى بـ “الخيال الوطني”

يتوقف الكتاب أمام أعمال درامية كثيرة، إلا أن أعمال المؤلف أسامة أنور عكاشة، وهو الأكثر شهرة بين مؤلفي الدراما في مصر، تحظى باهتمام خاص، وبالذات مسلسل “ليالي الحلمية” الذي امتد لخمسة أجزاء بدأت عام 1988، وجسد – من وجهة نظر المؤلفة – أفضل الأدلة على أهمية الدراما التلفزيونية في تشكيل وتغيير السياسات الوطنية.

وتؤكد أن صناعة التلفزيون في مصر حتى بداية التسعينيات عكست الأيديولوجية الوطنية السائدة التي كانت تؤكد العلمانية والمصلحة الاجتماعية الأوسع وتشجع فقط الاستهلاك المعقول كجزء من المواطنة الصالحة، لكنها تغيرت كلياً بعدما ضعفت الخدمة العامة للتلفزيون بصورة حادة، وتقدمت سياسات الخصخصة بطريقة أدت إلى تغييرات كبيرة في تنظيم صناعة الترفيه، مقابل نمو صناعة الإعلان التي جذبت عدداً من النجوم والنجمات، حيث جرى استغلال شهرتهم للترويج لمنتجات استهلاكية .

تستعمل أبو لغد تعبير “الواقعية التنموية” للإشارة إلى الجماليات التي تحكم غالبية المسلسلات التلفزيونية الجادة في مصر، والتي تضفي طابعاً مثالياً على التعليم والتقدم والحداثة، وتربط هذا التصور الجمالي بأيديولوجية الرعاية الاجتماعية والنهضة لمصلحة الأمة التي تحتاج إلى التنمية.

وفقاً للكتاب، ارتبط التلفزيون في مصر بعمليات التعليم والتثقيف، وجرى الترويج له أيضاً بوصفه جزءاً من تنمية الأمة المستقلة الجديدة منذ تأسيسه في أوائل ستينيات القرن الماضي. وكما هي الحال في كثير من الدول التي بدأت تجارب التحرر الوطني من الاستعمار، لم يكن الغرض من وجود وسائل الإعلام الوطنية مبرراً من الناحية التجارية، بل ارتبط بمشاريع سياسية واجتماعية.

لأعوام طويلة ظل المستهدف من الإنتاج التلفزيوني والإعلامي بوجه عام هو المواطن وليس المستهلك، فالهدف هو حشد المواطنين وتعبئتهم وتحديثهم ورفع مستواهم الثقافي في إطار سياسات الدولة. ومن ثم ينظر الكتاب إلى الدراما التلفزيونية كجزء من عملية التنمية والتثقيف والتحديث في مجتمع كان لا يزال يشكو من ارتفاع نسب الأمية.

 المواطن الصالح

يبحث الكتاب كذلك في الطرق التي تشكل بها الدراما صوراً للأمة والمواطن الصالح، ومن ثم يتطرق إلى النوايا التربوية فيها بصورة خاصة، مستكشفاً العلاقة الأوسع بين المسلسلات التلفزيونية والعوالم اليومية التي يعيش الناس حياتهم فيها.

ويرصد مختلف صور التنميط التي تورطت الدراما في تأكيدها، سواء كانت مقصودة أو غير مقصودة، عبر تقديم صور مشوهة للريفيين وغير المتعلمين، ورسائل غير واقعية حول قيم التعليم والتنمية القومية وأدوار النساء، مما جعل التلفزيون مسؤولاً عن الفجوة القائمة بين خطاب الدولة والخبرة اليومية التي لمستها المؤلفة خلال بحثها الميداني.

ترى المؤلفة أن دور التلفزيون في صناعة الثقافة يتجاوز مجرد اتهام وسائل الإعلام التي تسيطر عليها الدولة بتنفيذ أوامر النظام، فوسائل الإعلام أدوات قوية للتنظيم الاجتماعي، ومنتجو الأعمال الدرامية وسطاء ناقدون ومبدعون لا يعملون وفق قواعدهم المهنية وأعرافهم العامة وحسب، بل أيضاً وفق مصالحهم المهنية ورؤاهم الخاصة، وأحياناً يكونون معارضين بسبب التدريب في ظروف مختلفة أو لأنهم يمثلون جيلاً جديداً بظروف وتأثيرات متغيرة.

على هذا الأساس اكتشفت أبو لغد أن بعض صناع الدراما التلفزيونية في مصر كانوا يضعون أنفسهم في موقع المنتقدين للنظام السياسي آنذاك وكافة سياساته، وسعى بعضهم إلى أن يكون صوت الشعب. وعلى مدار الكتاب تحلل المؤلفة التوترات والتحالفات بين أولئك الذين يصنعون المواد التلفزيونية وأولئك الذين يدافعون عن الدولة القومية والنظام.

يحلل الكتاب من خلال تفكيك أعمال درامية ناجحة ومعروفة (العائلة” ، “لن أعيش في جلباب أبي” ، “حلم الجنوبي” ، “أرابيسك “) كيفية استعمال الميلودراما التلفزيونية لتشكيل الذات الجديدة التي تقاطعت فيها الخطابات الجديدة والمشاريع المتنافسة.

وترى أبو لغد أن المسلسلات التلفزيونية في مصر تعمل مع مشاريع التحديث على مستويين: الأول بصورة مقصودة من خلال نشر رسائل أخلاقية مستوحاة من الأيديولوجيات السياسية المحلية وبالتالي تحديد شروط النقاش الاجتماعي والسياسي، والثاني: من خلال ترويج تكوين مميز من السرد والإثارة العاطفية عبر نوع أدبي له تقاليد معينة. وبهذه الطريقة يمكن فهم الميلودراما التلفزيونية بوصفها تقنية لإنتاج أنواع جديدة من الذات.

يستكشف الكتاب ردود الأفعال المتناقضة للفقراء إزاء تصرفات منتجي المواد التلفزيونية الذين حاولوا استحضار الثقافة الوطنية عبر تعبئة خطابات الأصالة على نحو أخلاقي لمواجهة تهديدات العولمة وتصاعد قوى الإسلام السياسي التي كانت ملمحاً رئيساً لأعوام التسعينيات. ويرصد استجابة وسائل الإعلام الحكومية والمثقفين لهذا التحدي المتمثل في التطرف الديني والصراع الطائفي الذي بدا وكأنه يهدد الأمة المصرية.

سيد محمود – إندبندنت عربية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي !!