
ضمن أولى فعاليات الدورة 35 من «أيام الشارقة المسرحية»، شهد قصر الثقافة مساء الثلاثاء العرض التونسي «الهاربات»، للمخرجة والمؤلفة وفاء الطبوبي، وهو العرض الذي يحل ضيفاً على المهرجان، باعتباره العمل الفائز بجائزة الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، لأفضل عمل مسرحي عربي لعام 2025، وذلك في الدورة السادسة عشرة من مهرجان المسرح العربي التي عقدت في القاهرة خلال يناير الماضي.
العمل اعتبر من العلامات الفارقة في المسرح العربي المعاصر، وذلك لأنه نجح في الجمع بين إجماع النقاد والمختصين، والقبول الجماهيري الواسع، وربما جاء ذلك نتيجة ابتعاده عن المباشرة السياسية والواقعية الفجة، ليغوص ببراعة في أعماق النفس البشرية، حيث جمع العمل بين صرامة النص وشاعرية الرؤية الإخراجية والعديد من الحلول والمقاربات المبتكرة على ضوء الفعل التجريبي المبدع.
حكاية العمل تجري أحداثها داخل محطة للنقل العام، حيث يلتقي 6 أشخاص هم 5 نساء ورجل واحد، تختلف وجهاتهم لكن تجمعهم رغبة عارمة في الهرب من الواقع القاسي والبحث عن أمل، ومن خلال هذا المشهد البسيط المتكرر في كل مدن العالم تنهض سردية عن الإنسان في عالمنا المعاصر، تتناسل فيها الحكايات كأنها فيوض من الأفكار المتدفقة بقوة تحمل صرخة احتجاجية شديدة اللهجة ضد التوحش في ثوبه الحديث وفي أبعاده المختلفة، بحيث لا يعمل العرض على انتقاد العصر كفكرة معزولة فقط، بل وكذلك الذات المحرضة على الشرور، التي تقمع المرء من فعل التحرر والانطلاق، فالإنسان سجين داخل تصوراته المظلمة.
ذوات مثقلة
العرض يحتشد بالعلامات والدلالات والتكثيف الرمزي، حيث يعكس حالة التشظي والتيه في المجتمع، والرغبة التي تلح في البحث عن بوصلة مفقودة تحمل فكرة الخلاص وسط أجواء متقلبة وسحب غائمة تسد الأفق فلا يبقى غير الظلال وأشباح الأرواح التي تتجول في فضاء من البؤس والعتمة، ويتجاوز العمل مجرد كونه يعبر عن حكاية عابرة، ليتحول إلى تشريح نفسي لواقع معقد، تحتشد بين جنباته الرؤى الفكرية التي تعمل على تأويل الواقع والبحث عن أفق جديد ومختلف، فهؤلاء الأشخاص يلتقون في تلك المحطة التي هي بمثابة بقعة نفسية ترمز للتيه والضياع حتى داخل زحام المدينة، ولعل النساء الهاربات لا يهربن من الرجل أو السلطة البطريركية الأبوية بالمعنى التقليدي الشائع في أدبنا المسرحي، بل يحاولن الانفلات من ذواتهن المهزومة، من ذاكرة مثقلة بالخيبات، ومكان ضاق على أحلامهن.
العمل يقدم صراعاً من نوع مختلف، بحيث يضع الجميع على حافة السؤال الوجودي الصعب الذي ينتصب ليحاكم فكرة الانسلاخ والانفلات نفسها، وهو: هل الهرب هو الحل أم أنه مجرد انتقال من سجن إلى آخر؟ بالتالي هو تعزيز لفكرة الاغتراب والتشظي نفسه، فالذي يبدو واضحاً أن تلك المحطة التي جمعت «الهاربات»، هي أكثر من رمز، بل هي مكان بديل، على غرار تلك العوالم الافتراضية التي أصبحت ملاذاً جماعياً في زمن الهرب الكبير من الذات ومن العالم في عصرنا المضطرب هذا، وفي تلك البقعة المختارة، تنسال الحكايات وتسقط الأقنعة.

بوصلة
إذا كانت تلك حالة هؤلاء النسوة الهاربات، فما هي قصة هذا الرجل الذي اقتحم حكاية النساء؟ من الجلي أن تواجد هذه الشخصية الذكورية في ذلك الفضاء المؤنث ليس صدفة، بل هو عنصر فلسفي، ودرامي كذلك في غاية الأهمية، فهو المعادل الموضوعي للمرأة، حكايتها، معاناتها، وهو المعبر عن تناقضات المجتمع، لكن العمل لا يختزل كل الشرور في الرجل، فهو شريك في الخيبات ورفيق هرب لكونه يعاني من ذات الإحساس القاتل بالضياع، فوفاء الطبوبي عملت ببراعة على كسر تلك الثنائية القاتلة التي هي بمثابة فخ كبير يقسم العالم إلى ظالم ومظلوم بشكل مجرد لا يمارس فعل الحفر في الجذور، فالقهر هنا يقع على الإنسان بغض النظر عن النوع، فهذا الرجل إنسان فقد بوصلته هو الآخر.
ولعل الطبوبي عملت على تعميق تلك الحالة الثنائية الصراعية المتمثلة في ثنائية رجل وامرأة، من وجهة نظرها هي، بحيث حولت القضية من بعدها النسوي الخالص، إلى إشكال وجودي، فعلى الرغم من الاصطدام الذي يتم بين النساء والرجل كرمز للسلطة الذكورية، إلا أن حدة ذلك الأمر تخف رويداً رويداً، بحيث يذوب الفارق الجندري، ويتحول الجميع إلى مجرد ذوات متعبة تبحث عن مخرج، فهذا الرجل في العمل يرمز للحيرة وحالة العجز وسقوط لصورة الذكر المخلص والمهيمن صاحب السلطة، فهو في هذه المحطة يقف مع النسوة بذات المستوى من العجز، بحيث يبحث هو نفسه عن الخلاص بلا ادعاء.

مقاربات
ربما تسلل الشعور بالوحشة إلى المتلقي بفعل هذه الحكاية المظلمة، لكن الطبوبي وضعت عدداً من المقاربات على مستوى الفعل الإخراجي، لتنقذ تلك الوضعية البائسة، بحيث صنعت فضاءً عارياً من الديكور، يشبه خواء العالم، معتمدة على حركة الممثلين والأداء الجماعي، كصورة ترمز إلى أن التنقيب عن أفق هو بيد الإنسان نفسه، ومن التدفق الحركي تتحرك الممثلات بآلية تشبه رقصة جنائزية أحياناً، أو تدافعاً هستيرياً أحياناً أخرى، فالجسد هنا يصرخ بما يعجز اللسان عن قوله، فلا سبيل لأن تتعطل اللغة أو تضيق العبارة، فالأداء الحركي يقوم بتلك المهمة، ومن هنا يأتي الفعل السينوغرافي ليعمق من تلك الحالة الدرامية، إذ تم الاعتماد في معظم الحالات على الإنارة الكاملة لترك المجال واسعاً أمام حكاية الشخصيات وتعبيرات الوجه والجسد، بحيث يتحول الضوء إلى «شخصية» ترسم الحدود الوهمية للمحطة، وتفصل بين لحظات البوح الفردي والصراخ الجماعي. وكذلك الموسيقى والرقص الذي يحيلنا إلى عوالم «بحيرة البجع»، كأن تلك الأجساد الراقصة تناضل من أجل الخروج من أجسادها حرية وانعتاقاً.
وعلى الرغم من الفضاء الموحش وعوالم البؤس، إلا أن وفاء الطبوبي عملت على الموازنة بين الكوميديا والتراجيديا، بحيث يتسلل الضحك القاتم من بين الحكايات والحوارات الحزينة، وهو أمر يعمل على كسر القتامة والأوجاع، ويجعل المتلقي شريكاً في التجربة الوجدانية بكل تقلباتها ولحظاتها المتأرجحة بين مشاعر وعوالم مختلفة في ذلك الفضاء العاري الذي صنعته الطبوبي من أجل أن يركز المشاهد على حركة الممثلين والشخصيات النسوية وكذلك الفعل الحركي للرجل الذي جاء متبايناً عن أداء وحركة النساء كأن الرجل والمرأة هنا صورة متعاكسة يكمل بعضها البعض.
فعل إبداعي
نجحت وفاء الطبوبي في تمرير عبء الحمولة الفكرية وحولتها إلى فعل إبداعي محتشد بقيم الرفض والمقاومة وانتظار ما سوف يأتي، وربما تمثل تلك المحطة حالة الكثير من شعوب العالم فالجميع ينتظرون حافلة الخلاص التي قد تأتي أو لا تأتي، والجميع يحملون حقائب ممتلئة بالندوب والأوجاع التي يتم مقاومتها بصرخة تكلل المشهد الختامي في فرجة ليست تقليدية، ولعل اللهجة المحلية التي وظفت في العرض، تعلن عن خصوصية في عالم كادت أن تذوب فيه الخصوصيات، لكن تلك «الخصوصية»، تلتقي مع الآخرين في الأفق الكوني وهي بحاجة إلى صرخة كتلك التي قامت بها الهاربات.


علاء الدين محمود – الخليج



