بطلا مسرحية “وقت مستقطع” يفضحان جرائمهما الجنسية
الكاتب والمخرج اعتمدا نص إدوارد ألبي في صيغة سورية قاسية

ملخص
من غير أن نفكر كثيراً أين شاهدنا هذا العرض من قبل يقفز إلى الأذهان نص “قصة حديقة الحيوان” لإدوارد أُلّبي (1928-2016). الكاتب جوان جان أفاد من مسرحية الكاتب الأميركي في صياغة نصه “وقت مستقطع” الذي أخرجه الفنان سهيل عقلة في تعاون جديد بينهما.
يروي العرض السوري (مديرية المسارح والموسيقى) حكاية رجلين يجدان نفسيهما حبيسي أسوار حديقة عامة بسبب إجراءات أمنية مشددة، أثناء مرور وفد رسمي بالقرب من المكان. يدور حديث بين الرجلين نعرف من خلاله ماضي كل منهما، فالأول (سهيل العقلة) رضي أن يكن منحرفاً ويسهّل عمل بناته في الدعارة لقاء حصوله على المال، فيما الثاني (تاج الدين ضيف الله) حرم شقيقاته من حصتهن في ميراث أبيهم. يمضي “وقت مستقطع” من ثم في استحضار أحداث مرت مع الرجلين اللذين لا نعرف لهما اسماً، لنكتشف أنهما قد تشاركا في جريمة اغتصاب فتاة حدثت قبل 30 سنة.
يقودنا كل من الكاتب والمخرج إلى عالم الجنس والجريمة وشبكات تهريب الآثار، عالم مزدحم بأرباب السوابق والكبت والفساد والعنف الأُسري، لكن ما مناسبة قول كل هذا؟ وما الذي يدفع رجلين التقيا عن طريق المصادفة في حديقة عامة أن يبوحا لبعضهما البعض بجرائمهما الماضية من دون أي خجل أو شعور بالذنب؟ يمهد جوان جان لذلك بتعاطي الرجلين لسيجارة حشيش يناولها الرجل الأول للثاني كي يهدئ من روعه وينسيه تأخره عن موعد عمل مزمع. أثناء ذلك تقوم السلطات بإغلاق بابي الحديقة التي تقع في قلب العاصمة السورية.
فرضية لا يبدو أنها مقنعة، لكن الكاتب يتخذها ذريعة لمصادفة أخرى سوف يكشف عنها الرجلان في نهاية العرض. إذاً نحن أمام أكثر من مصادفة في آن معاً، ما يسوق أسئلة عديدة عن طبيعة هذا اللقاء العابر وكيف تم تدبره كتابةً وإخراجاً.
ويبدو المسرح (مسرح القباني) الذي عمل سهيل العقلة على إنجازه بسيطاً، إذ أفرد المساحة لمقعد حديقة سوف يتحول بعد قليل إلى أرجوحة ولعبة توازن كالتي نشاهدها في مدينة ملاهي أطفال. وزع المخرج حركة الشخصيتين على هذا المقعد، مستفيداً من سردية كل من الرجلين. الأول لم يكمل حتى تعليمه الأساسي، وتنقل بين مهن عديدة بعد إقناع والده له بأن التعليم ليس للفقراء، ليغرق بعدها في سهرات القمار ومرابع السهر. يسطو الشاب اليافع بعدها على مجوهرات والدته المقعدة (مادنا حنا).
في الوقت ذاته سنتابع كيف استحال الرجل إلى ديوث لبناته الثلاث وتعبيره المباشر عن رغبته في قبض المال مقابل خروجهن مع شبان غرباء، فهذا كما يقول أكثر من مرة “يجب أن يكون تحت إشرافه”، إذ يفرّق الرجل بين الشرف الخاص الذي يمكن استثماره، وبين الشرف العام الذي يعتبره “خطاً أحمر” لا يقبل الاستثمار، لكن في الملمات كل شيء مباح.
إحتيال ومحسوبيات
“نتفق في الجوهر ونختلف في الأسلوب”، عبارة يسوقها الرجل الثاني بدوره شارحاً أساليبه في الاحتيال وممارسة المحسوبيات ضمن دوائر الدولة، وصولاً إلى العمل في تهريب الآثار عبر طريق دمشق- عمّان. أعمال حرة- تلك هي العبارة السحرية التي يتخذها الرجل الثاني للتعبير عن نشاطه في الاستيراد والتصدير بعد أن سطا على حصة شقيقتيه من ميراث أبيهم.
مشاريع سوف تتلوها مشاريع وتبرير للرشوة كمنهج حياة. حتى الرشوة الجنسية هنا متاحة لفتيات لا يملكن المال لكنهن يملكن أجساداً جميلة وفاتنة. في هذا المناخ من استعراض التوحش وفنون الفساد وقبول شتى أنواع الرشى يبدو كل من الشخصيتين وكأنهما في استعراض حر لشرور لا نهاية لها. شر يملك حصانة دبلوماسية بصفة أن أحد الرجلين رشّح نفسه لانتخابات البرلمان. تلك الحصانة التي تهب حاملها حرية التنقل بين موبقات من كل صنف ولون. نعرف ذلك بعد أن يخبرنا الرجل الثاني عن تقديم زوجته الجميلة كهدية لأحد المسؤولين بعد أن عبّر هذا الأخير عن إعجابه بها. الأمر الذي نال عليه مكافأة مجزية من الرجل المتنفذ لقاء خدماته العاطفية!
في هذا المناخ من التفاخر والزهو بالأعمال الشريرة والأكثر شراً وصفاقة يستمر الرجلان في استعراض مواهبهما المخزية. فهذا يقدم ابنته لشاب مقابل المال، وذاك قدم زوجته مقابل الحصول على منصب، هذا برع في تهريب الآثار وتعقيب المعاملات لذوي الشأن، وذاك برع في اللهو والقصف وسرقة مصاغ والدته. ربما يكون الإطار العام للشخصيتين هنا قريب من مصادفة كل من شخصيتي جيري وبيتر في مسرحية “قصة حديقة الحيوان” لكن دون ذلك الحوار الساحر بين هاتين الشخصيتين اللتين برع إدوارد أُلّبي في صياغة مصادفتهما.
العبث الذي ساق بيتر العامل في دار النشر لقتل جيري بعد أن اختلفا على من له الأحقية في الجلوس على مقعد في حديقة. استعراض حياة جيري ومحاولة تسميم كلب صاحبة النزل الذي يقطن فيه. الفروق الطبقية بين رجل يعيش حياته رفقة زوجته وابنتيه وببغاوين وقطة، والشاب المتبطل الذي كان في طريقه لزيارة حديقة الحيوان. وما تضمن ذلك من مكاشفة جريئة بين عالمين على طرفي نقيض.
في النسخة السورية (55 دقيقة) لا نجد هذا التمايز بين رجلين يلتقيان في حديقة عامة. هما تقريباً في “وقت مستقطع” نسخة عن بعضهما البعض في انعدام الأخلاق ومزاولة الشر كمهنة نهائية. كل واحد منهما يتباهى بفداحة جرائمه وخسته وضِعة نفسه وسوء طويته، فيما تقع الجريمة في نص أُلبي كخاتمة مباغتة وحوارية يقودها جيري نحو حتفه عندما يدعو بيتر للقتال دفاعاً عن مقعده المفضل الذي صرم عليه أجمل الأوقات في التأمل وقراءة كتب يراجعها لمصلحة دار النشر الذي يعمل فيه.
في “وقت مستقطع” تبدو حوارية الرجلين وكأنها اعترافات مجرمين ساذجين لم يتركا طريقة في ارتكاب أبشع أنواع الجرائم، لتكون المصادفة أنهما هما ذاتهما الشابان اللذان اشتركا في جريمة اغتصاب. حدث ذلك عندما قام أحدهما باستدراج فتاة شابة إلى بيت الآخر للنيل من عفافها، ونكتشف أن الثاني لم يقبل إلا أن يكون شريكاً في قضاء الوطر مقابل تقديم بيته بعد سفر أهله إلى بلد مجاور.
جريمة مضى عليها 31 عاماً تعود من ذاكرة الرجلين اللذين التقيا مصادفة في حديقة عامة ليحكيا لنا كل هذه الآثام، ومن ثم لنكتشف أنهما شريكان أيضاً في جريمة اغتصاب فتاة عذراء. لا وجود هنا لهذا الاغتراب الموحش الذي صوّره لنا إدوارد ألبي في “قصة حديقة الحيوان”، بل هو استعراض لسجل عدلي أسود لكل من الرجلين. سجل عدلي عرف كيف يبقى بعيداً من أعين العدالة بفضل الفساد وضياع الحقوق والجرائم التي تسجل ضد مجهول، أو تطوى خشية من العار الذي يلحق بالنساء المغتصبات وذويهن في مجتمع يعتبر الضحية مذنبة وموضوعاً للفضيحة. لم يترك مخرج العرض أية عبارة وردت في النص من دون حركة أو تلوين في الأداء الذي جاء مباشراً وفاقعاً في مقاربته لشخصيات لطالما تناولتها مسلسلات التلفزيون أو برامج الإذاعة السورية، ولا سيما برنامجها الشهير “حكم العدالة” المشتق من ملفات القضاء السوري.
يمكن الإشادة هنا بالموسيقى التي ولّفها وأعدّها الفنان سامر الفقير في مقاربة أجواء متخيلة ومضطربة حاول مخرج “وقت مستقطع” استعادتها كلوحات تخللت العرض، فمن لوحة الزوجة ورفضها بيع بناتها مقابل المال إلى لوحة الفتاة اللعوب، مروراً بلوحة الأم المُقعدة، وصولاً إلى مشهد الاغتصاب الذي افتتح واختتم المخرج سهيل العقلة العرض به. كل اللوحات الماضية قامت بأدائها الفنانة مادونا حنا متنقلة بين دور وآخر بشكل لافت، فيما عملت الإضاءة (إياد العساودة) على عزل الأحداث في الماضي عن فضاء الحديقة العامة. مقاربة جمالية وظّفت لونية ساطعة وحارة في العديد من مواضع “وقت مستقطع” الذي حاول القائمون عليه تقديم عرض في ظروف إنتاجية صعبة للغاية، وما بات يعرف بانقطاع في موسم عروض ريبرتوار المسرح القومي في دمشق.
سامر محمد إسماعيل – إندبندنت عربية



