المسرحي السوري «سعد الله ونوس».. المثقل بهموم الإنسان والمحكوم بالأمل

هو أحد الملوك الذين نراهم يجلسون عاليًا بعرش المسرح العربي، و أحد أبرز الأصوات العربية في المسرح في القرن العشرين ويستكمل رحلته معنا دومًا رغم الرحيل حيث مازالت تقدم نصوصه المسرحية كثيرًا بمختلف خشبات المسرح ببلادنا مصر والعالم العربي، والذي تزامن ذكرى ميلاده مع يوم المسرح العالمي 27 مارس إنه الكاتب العربي والمؤلف المسرحي السوري سعد الله ونوس.
وظل سعد الله ونوس طوال رحلته بالحياة يكتب كصوت بارز وقوي للمقاومة والنضال بمختلف مؤلفاته وكل ما خطه قلمه الذي كان دومًا معبرًا ومثقلًا بقضايانا وهمومنا العربية والإنسانية.
أول كتاب سعد الله ونوس
ولد المؤلف سعد الله ونوس في قرية «حصين البحر»، قرب مدينة طرطوس على الساحل السوري، في عام 1941م، وكان أول كتاب اقتناه سعد الله ونوس هو «دمعة وابتسامة» للأديب العربي المبدع جبران خليل جبران، وكان عمر«ونوس» حينذاك 12 سنة، ثم نمت مجموعة كتبه التي طالعها وتنوعت ما بين الأدباء العرب الكبار من بينهم طه حسين، عباس العقاد، ميخائيل نعيمة، نجيب محفوظ، يوسف السباعي، إحسان عبد القدوس وغيرهم .
وحصل «نوس» على الشهادة الثانوية في عام 1959 في قريته، ليسافر بعد ذلك إلى مصر في العام نفسه في منحة دراسية، ليدرس الصحافة في كلية الآداب، جامعة القاهرة ،وفي عام 1961م أثناء دراسته شهد عبد الله ونوس حدث الانفصال الوحدة بين سوريا ومصر مما سبب له ألما وكان له كحدث عظيم سبب له صدمة شخصية كبيرة فدفعه إلى أن يكتب أولى مسرحياته بعنوان «الحياة أبدًا»، ومن ثم عاد بعدها إلى دمشق وكان يعمل في مجلة المعرفة، وفي عام 1992 م كتب«نوس» كتب مقالاًفي مجلة «الآداب» حول الوحدة والانفصال، ومقالات في جريدة «النصر» الدمشقية، وفي عام 1963م حصل «ونوس» على الليسانس، وقدم دراسة نقدية طويلة عن رواية «السأم» وألقى في المعهد العالي للفنون المسرحية بدمشق سلسلة محاضرات تحت عنوان «في البحث عن مسرح عربي».
وغادرسعد الله ونوس في عام 1966م إلى باريس ليدرس الأدب المسرحي في معهد الدراسات المسرحية التابع لجامعة «السوربون»، وعاد ثانيةً إلى دمشق ومنها إلى باريس ليسهم في الدفاع، والتعريف بالقضية الفلسطينية، ليرجع إلى دمشق ويعمل مديرًا للتحرير في مجلة أسامة للأطفال.
سعد الله ونوس يؤسس المسرح التجريبي
عمل «ونوس» محررًا في صحيفة السفير اللبنانية في عام 1975م، وبعد اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية عاد إلى دمشق وأدار مسرح القباني وعمل مع المخرج المسرحي فواز الساجر وأسسا معًا المسرح التجريبي، وتولى سعد الله ونوس في عام 1977م إدارة تحرير مجلة الحياة، المختصة بأمور المسرح حتى عام 1988م.
قدم سعد الله ونوس العديد من مؤلفات في القصة والروايات بينما اشتهر وعرف للعالم العربي والعالم كله بمؤلفاته للمسرح فقدم الكثير من النصوص المسرحية التي قدمها الكثير من المسرحيون بمختلف الدول وفي مقدمة هذه الدول مصر ومن مسرحياته «فصد الدم» 1964م.
أول مجموعة من المسرحيات القصيرة «حكايا جوقة التماثيل»
وصدر أول مجموعة له من المسرحيات القصيرة عن وزارة الثقافة تحت عنوان «حكايا جوقة التماثيل» 1965، وقدم «عندما يلعب الرجال» 1968م، حفلة سمر من أجل خمسة حزيران 1968م «الفيل يا ملك الزمان» 1969م «مغامرة رأس المملوك جابر» 1971،وقدم ترجمة كتاب «حول التقاليد المسرحية» 1976 م، «الملك هو الملك» 1977 م «رحلة حنظلة من الغفلة إلى اليقظة» 1978م.
مسرحيات لقضية فلسطين وآلام الأرض المقدسة
وتوقف سعد الله ونوس عن الكتابة بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان في عام 1982م، وعاد ليكتب العديد من المسرحيات من جديد للمسرح فقدم مسرحية «الاغتصاب» 1990م والتي تصور الصراع العربي مع الاحتلال، إلى جانب «منمنمات تاريخية» 1994م و«طقوس الإشارات والتحولات» 1994م و«أحلام شقية»1995م، «يوم من زماننا» 1995م وأخيرًا «ملحمة السراب» 1996م، و«بلاد أضيق من الحب» 1996م، «رحلة في مجاهل موت عابر» 1996م الأيام المخمورة 1997م.
مسرحيات سعد الله ونوس تعمق الإحساس الجماعي بالمصير التاريخي
منح سعد الله ونوس الجائزة على مجموع مؤلفاته المسرحية، مع التنويه بمسرحياته الأربع التالية: «حفلة سمر من أجل 5 حزيران»، «سهرة مع أبي خليل القباني»، «مغامرة رأس المملوك جابر»، «الملك هو الملك»، وذلك لما تحققه هذه الأعمال من تأصيل لصيغة مسرح عربي يفيد أولًا من تراث الأمة العربية تاريخًا، أو أسطورة، أو حكاية، ويفيد ثانيًا من التراث المسرحي الإنساني، قديمه وحديثه موظفًا بشكل خاص أساليب المسرح الملحمي، والمسرح داخل المسرح، في قالب بذل جهد كبيرا فيه حتى يتحدى الإيقاع الدرامي ضمن هدف خلق مسرح عربي جديد، ويتعامل مع الواقع العربي برؤية واضحة ومختلفة مغايرة من الناحيتين النظرية والعملية، واعية لدور المسرح في تعميق الإحساس الجماعي بالمصير التاريخي.
تكريمات وجوائز
وتم تكريم «ونوس» في العديد من المهرجانات منها مهرجان القاهرة التجريبي 1989م، مهرجان قرطاج المسرحي، ونال العديد من الجوائز منها جائزة السلطان العويس الثقافية.
سعد الله ونوس : «إننا محكومون بالأمل، وما يحدث اليوم لا يمكن أن يكون نهاية التاريخ»
وقبل رحيل المسرحي سعد الله ونوس بعام انتخب «ونوس» لكتابة كلمة يوم المسرح العالمي، وهذه الكلمة يكتبها كل عام أشهر مسرحي العالم وختم «ونوس» كلمته بجملته الشهيرة التي بقيت على كل لسان وما زال يرددها المسرحيون في مختلف الدول العربية بمختلف الأجيال : «إننا محكومون بالأمل، وما يحدث اليوم لا يمكن أن يكون نهاية التاريخ».
وكان سعد الله ونوس في عام 1992م تبعاً لتشخيص الأطباء ورمًا أصيب بسرطان البلعوم وقد توقعوا الأطباء مفارقته للحياة خلال ستة أشهر، لكنه ناضل وكافح المرض واستمر بالكتابة لخمس سنوات لاحقة، ووصف القوي المبدع «ونوس أثر الواقع العربي والحروب وبالتحديد حرب الخليج على إصابته بالسرطان قائلًا: «أشك معها في أنها كانت السبب المباشر لإصابتي بمرض السرطان، وليس مصادفة أن يبدأ الشعور بالإصابة بالورم أثناء الحرب والقصف الوحشي الأمريكي على العراق».
سعد الله ونوس يترشح لـ نوبل للآداب ويرحل قبل حصوله على الجائزة
وفي عام 1997م طلبت اللجنة المنظمة لجائزة نوبل للآداب من إدارة اليونسكو للتربية والثقافة والعلوم إبلاغ المسرحي السوري المبدع سعد الله ونوس بنيله جائزة نوبل للآداب وذلك عن ترشيح المجمع العلمي بحلب في سورية ثم أجمعت على صحة الترشيح الأكاديميتان الفرنسية والسورية، لكن الموت غيّب ونوس قبل أيام قليلة من هذا الخبر فلم ينل الجائزة.
ورحل عن عالمنا رسول الأمل والمحكوم به سعد الله ونوس في 15 مايو1997م، لكنه بقى بكل ما خطه بقلمه ومخلفًا إرثًا كبيرًا من المسرحيات التي تقدم كثيرا ليومنا هذا على خشبات مسارحنا بمختلف الدول العربية، وقدم الروايات والقصص القصيرة التي ترجم الكثير منها إلى عدة لغات حول العالم.
همت مصطفى – دار الهلال



