«الهاربات».. محطة للنجاة من ضوضاء العالم

5 بطلات ورجل واحد يجمعهم العمل التونسي الذي افتتح أيام الشارقة المسرحية.
في فضاء محطة مواصلات بنت الكاتبة والمخرجة التونسية وفاء الطبوبي، عملها المسرحي «الهاربات» الذي حصد العديد من الجوائز المسرحية، كان آخرها، جائزة الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، لأفضل عمل مسرحي عربي في الدورة الـ16 لمهرجان المسرح العربي.
وتتطرق المبدعة التونسية من خلال العمل إلى الواقع الضاغط الذي تعيشه شخصيات «الهاربات»، وانتظارهم الذي يتجاوز حدود الانتقال المكاني، إلى البحث عن مخرج من ضيق الحياة، للهروب من الواقع المرير.
وضعت الكاتبة في العمل الذي قدمه المسرح الوطني التونسي في افتتاح الدورة الـ35 من أيام الشارقة المسرحية التي انطلقت في 24 مارس الجاري وتتواصل حتى نهاية الشهر، ست شخصيات، خمس نساء، وهن: أستاذة تبحث عن اعتراف مهني، وخريجة حقوق تنتظر فرصتها، وامرأة هاربة من زواج خانق، وأخرى تجمع القوارير البلاستيكية لتأمين قوتها، والخامسة مسنة مهمشة، فيما يأتي الرجل بشخصية المثقل بالخيبات. تجتمع الشخصيات في فضاء مكاني على المسرح غير محدد، يأخذنا إلى ما يشبه المحطة التي تجمع هذه الأرواح، وتتحوّل لمرآة تعكس هشاشة المجتمع، وتنطق بأصوات المهمشين.
مشروع دائم
وعن حصد «الهاربات» لجائزة أفضل عرض مسرحي عربي، قالت وفاء الطبوبي: «سعيدة بحصول المسرحية على الجائزة، ولكنني لا أعمل من أجل الجوائز، بل أعمل على جدية المبحث، فالمشروع هو دائم، ولا يرتبط بهذا العمل فحسب، وستتبعه مسرحيات أخرى، ويسعدني أن هذا المشروع قد توّج بالعديد من الجوائز، وهذا يشجعنا ويدعم مسارنا أنا والفريق، ويدعم اجتهادنا، ويجعلنا أكثر ثباتاً في الطريق الذي اخترناه».
وأضافت حول معنى الهروب في المسرحية: «جمع العمل العديد من الرموز انطلاقاً من عنوانه، وصولاً إلى الاختيارات الجمالية، ونوعية الطرح، والنص اللفظي والحركي، من أجل جذب جمهور اليوم، الذي لم يعد يهتم بالمسرح، وبات أكثر انبهاراً بوسائل التواصل الاجتماعي، فهو محاولة للهروب من ضوضاء العالم، ومن الأحاسيس المختلفة التي نعيشها دون أن نفهم واقعنا، لاسيما هذا النسق العنيف الذي يعيشه الإنسان في العالم، سواء في عمله أو حياته اليومية، فهناك تجاذبات وتوتر غير مفهوم، وجميعها تترجم من خلال الفن».
واعتبرت المبدعة التونسية أن المسرح يقوم بتشريح الإنسان وهمومه، فهناك محاولة لفهم الذات، وأفكارها وهواجسها، لافتة إلى أنها تعمل على التساؤل بصوت عالٍ، ولا تقدم الحلول، فالأسئلة يمكن أن تغير شيئاً في المشاهد بينه وبين ذاته، وتجعله يطرح العديد من الأسئلة، حول الهدف من حياته وعمله والروتين اليومي المنهك والمتعب.
وإلى جانب النص اللفظي، أوجدت وفاء الطبوبي النص الحركي في العمل، مشددة على أنها تسعى دائماً من خلال أعمالها إلى ترسيخ مفهوم النص الحركي في العروض المسرحية، مؤكدة أن النص المسرحي ليس لفظياً فحسب، فهناك نص حركي يقدم الكثير من الأحاسيس والمشاعر في لغة الجسد والوجه، ولابد من الإصغاء إلى الجسد المتعب، وخلق الأدوات التي تمكنه من التعبير عن ذاته، ليكون مكملاً للنص اللفظي.
ورفضت المقارنة بين النص الحركي و«الكوريغرافي»، فليس كل جسد يتحرك هو رقص، فهناك أجساد تعبر عن الفعل الدرامي، وهذا ما يجعل الحركة نصاً قائماً بذاته يساعد المتلقي على فهم المسرحية دون كلمات. وذكرت أن الشعوب العربية تحب النص اللفظي وتفضل الكلام، على الرغم من أن الإنسان العربي اليوم بات أكثر صمتاً، ويخبئ في جسده الكثير.
علامات
وحول السينوغرافيا، التي كانت تحمل الفضاء العام، ولا تقدم المحطة بشكل واضح أمام المتلقي، بل تعتمد على الترميز والتشريح، أوضحت وفاء الطبوبي أن هناك الكثير من الأدوات التي وضعت على الخشبة وكانت تشير إلى المحطة والعبور، ولكن تلك العلامات تعكس نفسية الشخصيات في الوقت عينه، ومنها إشارات الطرقات، مثل: هناك أشغال، وممنوع المرور، وكلها دلت على رحلة الشخصيات وباتت ترشدها في الحركة.
وفي ما يتعلق بعنوان «الهاربات» الذي اختارته، وهو جمع مؤنث سالم، على الرغم من وجود رجل في العمل، فرأت أن القاعدة اللغوية التي تقتضي باستخدام جمع المذكر السالم عند دخول رجل واحد على مجموعة من النساء، غير عادلة، علماً بأن الأرقام دائماً عادلة، ولكن اللغة التي يتحكم فيها الإنسان ليست كذلك. ونوهت بأنها حين بحثت عن الشخصيات والأعمال الهشة، وجدت أن النسبة الأكبر من الأعمال الهشة تقوم بها النساء، سواء العاملات في المنازل أو النظافة أو معامل الخياطة، وغيرها، بينما الرجل يمثل النسبة الضئيلة في الأعمال المهمشة.
كوميديا سوداء
وظفت وفاء الطبوبي الكوميديا السوداء في العمل، مبيّنة أنه في قمة التراجيديا، تظهر الكوميديا والضحكات التي تأتي من أوجاع الشخصيات، لتبرز كيف أن تلك الشخصيات أقوى من الواقع، وتضحك على وجعها، وتحاول أن تغيّر هذا الوجع إلى حياة أفضل، فهي شخصيات طريفة، تجعل الجمهور يضحك عليها وكذلك على نفسه.
ولفتت إلى أن الكوميديا السوداء هنا كانت خياراً درامياً واستراتيجياً في كتابة النص وربط الشخصيات وعلاقتها ببعضها بعضاً، وهو المنهج الأصعب، لأنه يتطلب اليقظة والقدرة على الإحزان والإضحاك في الوقت نفسه.
أزمة «الجملة المتكررة»
أكدت المخرجة والكاتبة التونسية وفاء الطبوبي، أنها منذ بدايتها في عالم المسرح، وهي تسمع جملة وجود أزمة في المسرح وفي النصوص، مشيرة إلى أنها مازالت إلى اليوم تسمع الجملة نفسها، والتي ترفضها.
وأشارت إلى أنه دائماً توجد هفوات وأخطاء، وكذلك في الوقت عينه تجريب واجتهاد، ومن حق المسرحيين التجريب وكذلك الوقوع في الخطأ وملامسة المسرح والتساؤل. ورأت أن المسرح الذي لا يحمل فكراً، هو مسرح بسيط وغير عميق وليس صادقاً.
وفاء الطبوبي:
. الكوميديا السوداء كانت خياراً درامياً واستراتيجياً في كتابة النص وربط الشخصيات وعلاقتها ببعضها بعضاً.
. حين بحثت عن الشخصيات والأعمال الهشة، وجدت أن النسبة الأكبر منها تقوم بها النساء.. ولذا كانت «الهاربات».
ديانا أيوب – الإمارات اليوم



