أمين ناسور: تحقيق الأحلام في المسرح ليس أمراً سهلاً

ضمن فعاليات الدورة الخامسة والثلاثين من أيام الشارقة المسرحية، وفي إطار ملتقى الشارقة الرابع عشر لأوائل المسرح العربي، قدّم المخرج المغربي أمين ناسور صباح الأحد ورشة بعنوان «كيف يبني المخرج مشهداً استهلالياً جذاباً»، واضعاً المشاركين أمام سؤال جوهري يتصل بجوهر العملية المسرحية وكيفية افتتاح العرض من اللحظة الأولى بطريقة تلتقط انتباه الجمهور، وتؤسس لعلاقة فنية وإنسانية معه منذ الوهلة الأولى.
وقال ناسور في مستهل الورشة، إن الفنان الحقيقي هو الذي «يصنع نفسه بنفسه»، ويشق طريقه عبر المثابرة والعمل المتواصل، مشيراً إلى أن تحقيق الأحلام في المسرح ليس أمراً سهلاً أو سريعاً، بل هو ثمرة معاناة وتجارب واختبارات طويلة. وربط هذه الفكرة بتجارب كبار الفنانين عبر التاريخ، لافتاً إلى أن معظم عظماء الفن لم يصلوا إلى ما وصلوا إليه إلا بعد معاناة كبيرة، وصبر طويل، وقدرة على تجاوز الإحباطات والعقبات.
وفي هذا السياق، توقف عند تجربته الشخصية، وقدم للطلبة مجموعة من النصائح التي تتعلق ببناء مسيرة فنية ناجحة، مشدداً على أن الاشتغال في الفن لا يمكن أن يقوم على الرغبة وحدها، بل يجب أن يستند إلى أساس فني صلب، وإلى وعي حقيقي بطبيعة هذا الطريق وما يحتاجه من التزام وصبر وجهد.
نموذج
أكد ناسور أن الفنان لا ينجح فقط لأنه يمتلك الموهبة، بل لأنه ينجح في تحويل تجربته إلى نموذج ملهم للآخرين، بحيث ينظر إليه المجتمع بعين التقدير، باعتباره صاحب مشروع فني وفكري وإنساني. ومن هنا، أوضح ناسور للمشاركين أن المخرج يبدأ أولاً من تكوينه الشخصي، ومن نظرته إلى الفن والحياة والعمل.
وتوقف ناسور عند أهمية الصفات الشخصية للمشتغل في الفن، معتبراً أن النجاح في المسرح يعتمد على جملة من الخصائص الشخصية التي تصنع الفنان وتمنحه القدرة على الاستمرار. وفي المسرح، كما أوضح، يجب أن يحدث انسجام حقيقي بين المقومات الشخصية والمقومات الفنية، لأن العمل الذي يفتقد هذه العلاقة المتوازنة غالباً ما يكون ناقصاً أو بلا أثر. أما حين تتكامل شخصية الفنان مع أدواته الفنية، فإن النتيجة تكون عملاً يحمل بصمة خاصة، ويستطيع أن يترك أثراً واضحاً لدى المتلقي.
وشدد ناسور على أن ما يهم في المسرح هو ما يقدم، لا من يكون المخرج أو من يشارك في العمل، فالقيمة الحقيقية لأي عرض، بحسب رؤيته، تقاس بمستوى الاشتغال الفني، وبمدى الإيمان بالفكرة، وبالجهد المبذول في تحويلها إلى تجربة مسرحية مكتملة، داعياً الشباب المسرحيين إلى التركيز على العمل نفسه، لا على الهالة التي قد تحيط به.
ومن هذا المدخل، انتقل ناسور إلى الحديث عن البعد الإنساني في الإخراج، وهو محور أساسي في رؤيته لنجاح المخرج وبناء العرض المسرحي. وأكد أن المخرج لا يمكن أن ينجح إذا لم يمتلك قدرة حقيقية على فهم الممثلين، واستيعاب قدراتهم وطموحاتهم وحدودهم، لأن العمل المسرحي في جوهره عمل جماعي يقوم على الثقة والتواصل والقدرة على إدارة الطاقات المختلفة داخل فريق العمل. وأوضح أن الاشتغال النفسي مع الممثلين أمر شديد الأهمية، وأن التقرب منهم وبناء علاقة حميمية قائمة على الثقة العالية شرط أساسي من شروط نجاح العرض.
علاقة
أشار ناسور إلى أن ضعف العلاقة بين المخرج والممثلين قد يفتح الباب أمام الفشل، لأن المخرج في هذه الحالة لن يستطيع الوصول إلى أفضل ما لدى ممثليه، ولن ينجح في توجيه أدائهم داخل مناخ آمن ومثمر. لذلك، فإن المخرج، في نظره هو قائد إنساني يعرف كيف يصغي، وكيف يقرأ الشخصيات التي يعمل معها، وكيف يحول هذه المعرفة إلى طاقة خلاقة فوق الخشبة.
ولم ينفصل هذا الحديث عن رؤيته للمسرح بوصفه حالة إنسانية، فقد وصف العمل المسرحي بأنه فعل مقدس، لأنه يعبر عن حياة الناس، وعن أفراحهم، ومشاعر القهر والخوف التي يعيشونها، وقال إن المجتمعات العربية مجتمعات طقوسية في الفرح والحزن والأعياد، ولذلك فإن المسرح الحقيقي يجب أن يتمثل هذه الحياة، وأن يخرج من بيئة الجمهور، معبراً عنه، ومنشغلاً بقضاياه وأسئلته وتفاصيله اليومية، ومن هذا المنطلق، رأى أن العرض المسرحي الناجح هو الذي يمتلك في الوقت نفسه متعة بصرية وفكرية، بحيث يخاطب عين الجمهور وعقله ومشاعره معاً.
الخليج



