ثقافة

«أخبروهم أنها هنا» لبدور القاسمي.. تجربة معرفية تُبنى على الإصغاء

الحقيقة حين تكون راسخة لا تحتاج إلى رفع الصوت

في أمسية استثنائية تحت نجوم الفاية في الشارقة، للمشاركة في الاحتفال بإدراج الموقع ضمن قائمة التراث العالمي، تملكني شعور مهيمن بأن في صمت الفاية وسمائها المفتوحة امتداداً حياً لما تحدثنا به الرواية/الرحلة «أخبروهم أنها هنا – البحث عن ملكة مليحة» للشيخة بدور بنت سلطان القاسمي. هناك، بين الأرض التي تحمل آثار أقدام الإنسان الأول، والسماء التي لم تتغير كثيراً منذ آلاف السنين، أدركتُ أن ما تكتبه الشيخة بدور ليس استعادة للماضي، بل إعادة إدخالنا في زمن طويل ننسى أننا ننتمي إليه.

وجدت أيضاً أن زيارتي لحديقة البحيص الجيولوجية، ومتحف مليحة الأثري في ذلك اليوم، وبسبب قراءتي لتلك الرواية، لم تكن مجرد تجربة ثقافية، بل تمرين على توسيع وعينا بالزمن. ففي الفاية، نرى الإنسان قبل اللغة، قبل الكتابة، قبل الممالك. وفي مليحة، نرى الإنسان وقد بدأ يُسمّي، ويُنقش، ويؤسّس سلطة، وربما ممالك تقودها نساء. وبين الموقعين، يمتد خيط غير مرئي، خيط الذاكرة الإنسانية التي لا تنقطع، وإن تغيّرت أشكالها- هذا الخيط تنسجه لنا بحبكة سحرية الشيخة بدور في رحلتها الفريدة.

ليس كتاب «أخبروهم أنها هنا – البحث عن ملكة مليحة» نصاً يُقرأ بوصفه عملاً أدبياً فحسب، ولا بحثاً أثرياً محضاً، بل هو، في جوهره، تجربة معرفية، تُبنى على الإصغاء أكثر مما تُبنى على التقرير، وعلى الكشف أكثر مما تُبنى على البرهنة. إنه نصّ يضع قارئه أمام سؤال مركزي:

كيف نعيد وصل الإنسان بأرضه، لا بوصفها جغرافيا صامتة، بل بوصفها ذاكرة حيّة سبقتنا جميعاً؟

1

منذ الصفحات الأولى، يتضح أن الكاتبة لا تتعامل مع مليحة بوصفها موقعاً أثرياً معزولاً، بل باعتبارها كائناً حياً، له أنفاسه، وصمته، وطبقاته المتراكمة من المعاني. البحث عن «ملكة مليحة» لا يتقدّم بوصفه محاولة لإثبات تاريخي صارم، بل بوصفه رحلة روحية-معرفية، حيث يصبح الغياب ذاته علامة، ويغدو الصمت سؤالاً مفتوحاً. الملكة هنا ليست فقط شخصية محتملة حكمت في زمن سحيق، بل رمزاً لما غاب عن السرد، ولا سيما الجوهر الأنثوي في تشكّل الحضارة العربية المبكرة.

ما يميّز هذا النص على نحو لافت هو حضوره الصوفي غير المعلن. فالتصوف هنا ليس خطاباً دينياً مباشراً، ولا استعارة شكلية، بل منهج في النظر والكتابة. الإصغاء، البطء، الخلوة، الجلوس أمام النار، مراقبة النجوم، تكرار الزيارة للمكان في ساعات الفجر، كلها ممارسات تذكّرنا بأن المعرفة، في تقاليد الحكمة القديمة، لا تُنتزع بالقوة، بل تُمنح لمن يحسن الانتظار.

في هذا السياق، تتحوّل الصحراء إلى ما يشبه «الخلوة الكبرى»، ويتحوّل المكان إلى شيخ صامت، لا يتكلم إلا لمن يتخفف من الضجيج الداخلي. الكاتبة لا تسأل الأرض لتجيبها، بل تجلس معها، وتترك للأسئلة أن تنضج. هذا الموقف الصوفي يتجلّى بوضوح في الفكرة المتكررة في النص:

«أن الحقيقة، حين تُدفن في جسد الأرض، لا تموت».

أفق الذاكرة الأوسع

وهنا تتجاوز قراءة الكتاب حدود مليحة بوصفها موقعاً يعود إلى بضعة آلاف من السنين، لتفتح أفقاً أوسع، أفق الذاكرة العميقة للإنسان، كما تتجلّى في موقع الفاية بالشارقة. فالكتابة عن مليحة، حين تُقرأ اليوم، لا يمكن فصلها عن الإدراك المتنامي بأن هذه الأرض شهدت تاريخاً بشرياً يمتد إلى نحو 250 ألف سنة، كما تكشفه الاكتشافات في الفاية، أحد أقدم شواهد الاستيطان البشري المستمر في البيئات الصحراوية.

إدراج موقع الفاية على قائمة التراث العالمي لليونيسكو عام 2025 لم يكن حدثاً إدارياً أو سياحياً، بل اعتراف عالمي بأن هذه الصحراء، التي طالما وُصفت بالقسوة والفراغ، كانت مختبراً إنسانياً مبكراً للتكيّف، والبقاء، والابتكار. لقد شكّلت الفاية نموذجاً متكاملاً لما يُعرف بفضاء المناطق الصحراوية، حيث استطاع الإنسان أن يعيد تشكيل علاقته بالطبيعة، وأن يحوّل الندرة إلى نمط حياة، والظرف القاسي إلى فرصة للاستيطان.

تكمن فرادة «أخبروهم أنها هنا» في قدرتها على بناء جسر نادر بين البحث العلمي الصارم واللغة التأملية. فهي تستند إلى اللقى الأثرية، والعملات، والنقوش، والدراسات الأنثروبولوجية، لكنها في الوقت ذاته لا تفصل العلم عن الإنسان. المعرفة هنا ليست تراكم معلومات، بل مسؤولية أخلاقية تجاه الأرض، وتجاه من مرّوا عليها.

الحديث عن الملكات العربيات، من مليحة إلى سبأ، ومن زنوبيا إلى ماوية، لا يأتي بوصفه استعراضاً تاريخياً، بل بوصفه محاولة لإعادة التوازن إلى سردية طالما اختزلت أدوار النساء في الهامش. غير أن هذا الاستدعاء يتم بهدوء، دون شعارات، وكأن الكاتبة تقول إن الحقيقة، حين تكون راسخة، لا تحتاج إلى رفع الصوت. في سياق المكتبة العربية المعاصرة، يحتل هذا العمل موقعاً فريداً. فهو ينتمي إلى تلك النصوص القليلة التي تكتب ضد النسيان وضد الاستعجال، وتُعيد الاعتبار للكتابة بوصفها فعل إصغاء. إنه نص يذكّرنا بأن الهوية ليست شعاراً، بل مساراً طويلاً من التفاعل بين الإنسان وأرضه، وأن الماضي، حين يُعاد قراءته بوعي، لا يقيّد الحاضر، بل يحرّره.

حكمة الرمال

قراءة هذا الكتاب اليوم، في ضوء إدراج الفاية على قائمة التراث العالمي، تمنحه بعداً إضافياً. فهو لم يعد فقط بحثاً عن ملكة غائبة، بل شهادة معاصرة على وعي جديد بالزمن الإنساني العميق، وبدور هذه الأرض في تشكيل تاريخ البشرية جمعاء. في النهاية، يمكن القول إن «أخبروهم أنها هنا – البحث عن ملكة مليحة» ليس كتاباً عن الماضي، بل عن استعادة العلاقة بين الإنسان والأرض، وعن الحكمة التي لا تزال كامنة في الرمال، تنتظر من يصغي إليها. وهو، بهذا المعنى، إضافة ثمينة إلى المكتبة العربية، وإلى النقاش العالمي حول الذاكرة، والهوية، ومستقبل علاقتنا بالكوكب الذي نحيا عليه.

زكي أنور نسيبة – الخليج

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي !!