أيام الشارقة المسرحية 35.. انحياز للحياة بين ضجيج العالم

تأتى الدورة 35 من أيام الشارقة المسرحية، برعاية الشيخ الدكتور سلطان القاسمى عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، ورئاسة أحمد بورحيمة، كانحياز واضح للحياة وسط كل هذا الصخب والضجيج والحروب التى تهدد طمأنينة العالم.. وتأكيد أن الفن ليس ترفا، بل ضرورة وثقة فى قوة الثقافة كحائط صد ناعم أمام أى توترات، فالمشروع الثقافى فى الشارقة هو مشروع راسخ وقائم على الاستدامة التى لاتحتمل التأجيل، وهو ما أكده إصرار المهرجان على إقامة كل فعالياته على تنوعها وزخم موضوعاتها بكثير من الدقة والاحترافية والانضباط.

وهو ما يؤكد أننا أمام منظومة شديدة الاحترافية يقف على رأسها الفنان أحمد بورحيمة رئيس أيام الشارقة المسرحية الذى يتعامل ويدير ويوجه بهدوء شديد ووعى بالغ يشعرك بوجوده دوما دون أى صخب أو انفعال، فله كل التحية والتقدير.
شهدت هذه الدورة تنوعا كبيرا فى الموضوعات التى تناولتها العروض المسرحية والتى عكست بانوراما حقيقية للحركة المسرحية الإماراتية ومهرجاناتها الشبابية، منها عروض من مهرجان كلباء للمسرحيات القصيرة، جمعية ابو ظبى للفنون، جمعية ياس، مسرح الشارقة الوطنى، جمعية دبا للثقافة مسرح خورفكان للفنون، مسرح ام القيوين الوطنى، مسرح الفجيرة ومسرح دبى الاهلى، وهو تنوع انعكس أيضا على طبيعة الفئات العمرية والتخصصية المشاركة، فقد بدأ المهرجان فى جنى ثمار أكاديمية الشارقة للفنون الأدائية بمشاركة العديد من طلابها وخريجى الدفعات الأولى فى العروض سواء فى التمثيل أو تصميم الإضاءة أو الصوت أو تصميم الأزياء، بالإضافة إلى وقوف هؤلاء الشباب بجانب ممثلين لهم تاريخهم مثل أحمد الجسمى، وإبراهيم سالم وعبدالله مسعود الذين منحوهم الطمأنينة والأمان فى مواجهة الجمهور بخبرة واحترافية.

وأمام عروض مثل «سنعيدها سيرتها الاولى» او «تخيل» أو «قاموس الاختفاءات» أو «نصف ليلى» أو قرموشة» نجد تنوعا بصريا لافتا على مستوى الإخراج ولكن يجمع بينها فكرة محاولة تفكيك الواقع وإعادة تركيبه، فعرض «سنعيدها سيرتها الأولى» يطلق العنان لخياله فى مناقشة تأثير الكرسى على جالسه، ويفكك «قاموس الاختفاءات» التاريخ فى مسألة اسباب سقوط الأندلس، ويغوص «نصف ليلى» فى الذات الإنسانية ويخاطب وعيها الداخلى، أما «هير قرموشة» فنحن أمام مفارقات من الواقع الشعبى تستلهم روح النص العالمى زيارة السيدة العجوز.

المشترك أيضا بين هذه العروض هو حالة البحث الدائم التى يعيشها الأبطال سواء البحث عن معنى أو هوية أو يقين مفقود، فهى أسئلة مفتوحة يتحرك فيها البطل دوما، بالإضافة إلى اشتباك الواقع بالمتخيل فى أغلب العروض، وكذلك كسر الشكل التقليدى للسرد وتفتيت بناء المشاهد والاعتماد على الصورة فى كثير من العروض والانفتاح على التأويل أكثر من الحسم وتقديم الحلول، ونرى فى تلك العروض أيضا حضورا واضحا للذاكرة الفردية والجمعية كعنصر محورى فنرى الشخصية التاريخية والذاتية والشعبية والمتخيلة وحتى الجماد الذى تمت أنسنته. موضوعات كثيرة تستحق النقاش والتحليل وإعادة القراءة سنتناولها تباعا.




