أخبار مسرحية

«سابع سما».. دائرة الطموح الزائف

فى تلك البقعة الصغيرة القريبة من ميدان رمسيس بالقاهرة، والمسماة بمسرح أوبرا ملك، نلمح ضوءا أول يخترق زحام البنايات وضجيج الميدان، قد يبدو خافتا فى بدايته، ولكنه لايخطئ طريقه إلى الموهبة الحقيقية، ضوءا يعرف كيف يلاحق أولئك الذين يقفون فى المسافة بين الحلم والتجربة، هذا ما فعلته فرقة الشباب بقيادة المخرج المتميز تامر كرم حين أطلق مشروع «أول ضوء» لاستدعاء مخرجين جدد يقدمون تجاربهم على مسرح الدولة لأول مرة، فكانت البداية بعرض «سابع سما» للمخرج الواعد محمد الحضرى ومعه أكثر من 20 شابا بين ممثل ومصمم إضاءة وماكياج وأزياء فى اختبار أول لصدق الموهبة وقدرتها على مواجهة عيون الجمهور التى تتطلع إلى تجربتهم بأمل.

جاء اختيار التجربة كبداية أولى من بين 100 تجربة تقدمت للمشروع وخضعت لتقييم متخصص، وفى هذا العرض يواصل محمد الحضرى ما بدأه فى المسرح الجامعى ثم المستقل، حين قدم تجربة «الرجل الذى أكله الورق»، فهو مهموم دائما بالإنسان وما يلفه من ضغوط وأحلام وطموح قد يقضى على إنسانيته، ويأتى عرض «سابع سما» لنجد أنفسنا أمام تجربة شبابية بامتياز، والشبابية هنا ليست عمرا فحسب، بل هى فكر وأداء وطاقة وحيوية، فيتناول العمل قصة آدم الشاب الذى يعيش أزمة وجود حقيقية فى تحقيق ذاته بالعمل وبالتالى ينعكس ذلك سلبيا فى علاقته بزوجته، فهو يشعر بأنه ليس مقدرا فى السيرك الذى يعمل به رغم أنه المسئول عن كتابة الضحك لفقرات السيرك، وبدونه قد يتوقف العمل او يهجر الجمهور السيرك، وحين يعرف رئيس مجلس إدارة السيرك قراره بالاستقالة يقدم له كل الدعم ليحافظ عليه، ولكن آدم يتوحش ويرتقى طبقات السلم الوظيفى على أجساد زملائه وبلا رحمة، حتى يهوى مرة أخرى إلى أسفل سافلين بغواية إحدى العاملات بالسيرك، وحين لايجد زوجته بانتظاره، بل تعلقت بأهداب من يحبها، ليكتشف أنه دار فى دائرة وهمية من الطموح الزائف.

اختار المؤلف المتميز عمر رضا عالم السيرك مكانا للأحداث كدلالة إلى أننا نعيش فى سيرك كبير، وصاغ المخرج رؤيته بناءً على التدرج الوظيفى داخل السيرك وتحكم رئيس القسم فى المهرجين، وبالتالى نرى أزمات لاعبيه ومآسيهم وتمسك بعضهم بما هو متاح لهم، مثل المايسترو البائس والبلياتشو الحزين وأبودراع، وهى كلها شخصيات نمطية تدور فى فلك صاحب السيرك، وبالتالى اختار المخرج والمؤلف إطارا غير تقليدى للتناول، فالنص يجمع بين السرد والحكى والتجسيد وألعاب السيرك فى إطار فانتازى يكشف اللعبة المسرحية من البداية، ويُسقط أقنعة المجتمع، ويعرى أطماع السلطة الفوقية، لذلك جاء التجسيد أيضا بلا منهج ثابت، بل يجمع بين التعبيرى والواقعى والكوميديا ديلارتى التهكمية، والميلودرامية أحيانا، وهنا برع الجميع فى أدوارهم، ونخص منهم محمد سـعيد فى دور آدم البطل المحطم الباحث عن ذاته، والمتوحش فى طموحه، محمد الحضرى فى دور رئيس القسم الذى قدم تلوينات صوتية لافتة للتعبير عن الخبث والدهاء والسلطة والعطف الزائف، ياسمين قابيل فى دور فريدة الزوجة، محمد حمدى رئيس مجلس الإدارة، حسام ابراهيم البلياتشو الحزين، يوسف طنطاوى أبودراع، أوليفيا إيميل السكرتيرة اللعوب، وزياد كمال المساعد الأول.

ويكمن سر براعة الممثلين فى قدرتهم على الجمع بين التمثيل وتحريك الديكورات والموتيفات التى صاغ بها المخرج رؤيته، وصممها رومانى جرجس فى مجموعة من السلالم المعدنية التى تشير إلى الارتقاء الوظيفي، وعدد من السلالم الخشبية المستخدمة فى التعبير الحركى بحيوية مبهرة، وهى مهمة قاسية اجتازها الممثلون بنجاح، ولأننا فى عالم السيرك فقد برع محمد شاكر فى تصميم الأزياء والماكياج، وبسنت مصطفى فى تصميم الأقنعة، وأحمد طارق فى تصميم الإضاءة بوعى يعبر عن اللحظات الإنسانية للمهرجين، وراحيل عماد فى الدراما الحركية المحسوبة بدقة ونفذها الممثلون بتدفق أثرى الصورة.

ورغم أن زمن العرض لم يتعد الساعة، إلا أننا شعرنا بتسرب بعض الملل بسبب الإطالة وتكرار بعض المشاهد لإيصال نفس الرسالة، وهو ما يحتاج إلى مراجعة من المخرج لتكثيف ما يلزم.

باسم صادق – الأهرام

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي !!