أخبار مسرحية

‘دونالد’ لعصام العياري: حين يُصبح العبث السياسي مادة للمقاومة

المسرحيّ المتفرّد يُوظّف سلاح الكوميديا السوداء لتشريح النرجسية السياسية والعبث العالمي محولّا 'مأساة ترامب' إلى صرخة مقاومة فنية بنكهة محلّية جريئة

في مغامرة فنية غير متوقعة، نقل المسرحي عصام العياري ظاهرة “دونالد ترامب” من شاشات الميديا الأميركية ومسارح “برودواي” إلى الركح التونسي، في عرض “وان مان شو” استثنائي أثار دهشة الجمهور وجذبه بكثافة، حتى رُفعت لافتة “كامل العدد” لليالٍ متتالية في فضاء “التياترو” بالعاصمة.

ماذا لو كان دونالد ترامب تونسيا؟ عصام جسّد الأمر مبررا ذلك بحيلة فنية فانتازية: لقد ذهب ترامب لصديقه ”إيلون ماسك” الذي غرس في رأسه شريحة إلكترونية جعلته يتكلم اللهجة التونسية بلكنة انكليزية، وبطلاقة! وصار مطّلعا على مغاور الشخصية التونسية وعاداتها السيئة قبل الحميدة، أيضا.

ويأتي عرض “دونالد” كاستمرار للمنهج الفلسفي الذي اتبعه العياري في أعماله السابقة، ولا سيما “الإنسان المتأله” (Homo Deus). فبعد أن ناقش صدمات العلم ومفاجآته على الحياة البشرية، ينتقل العياري اليوم لتشريح “النرجسية” كاضطراب معقد في نظام الحكم العالمي. ومن قلب العجز الإنساني أمام القوى الكبرى، يختار العياري “الضحك” سلاحاً وحيداً للمواجهة، متبنياً فلسفة قوامها: “حين لا يمكنك أن تغير، يبقى سلاحك الضحك”.

مزيج لغوي بين ‘برودواي’ و’الملاسين’

على خشبة المسرح، وبخلفية ستار رسم مشوش لتمثال الحرية، يتحرك العياري ببراعة، متنقلاً بسلاسة بين اللغة الإنكليزية التي يتقنها وكانت مجال دراسته العليا، وبين عامّية تونسية صرفة مستمدة من قاع المجتمع وفضاءاته الشعبية (قهوة البلبولي في حي ‘الملاسين’ وحي ‘الجبل الأحمر’ الشعبيين).

هذا المزيج اللغوي لم يكن عبثا، هو جسر بناه العياري بإتقان لتقريب المسافة بين المشاهد التونسي وبين شخصية عالمية غريبة عنه، ليُظهر أن “الترامبية” ليست مجرد حالة أمريكية، بل هي “عنصرية مغلّفة” ومنطق أناني موجود في كل الثقافات. كما أنه تناقض صنع مذاقا كوميديا طريفا غير مستهلك، عبر 

الضحك المر في مواجهة الرعب الهستيري

يتجاوز العرض حدود الإضحاك التقليدي ليتحوّل إلى “كاريكاتير” فني صيغ بدقة فائقة، يزخر بتفاصيل مدهشة وصور تتوالى لتأخذ المشاهد على حين غرة، حيث يتناول العياري القضايا الأكثر حساسية برؤية سينمائية تجسد المصير البشري كأنه مجرد لعبة مسلية في يد “ترامب”، الذي يقترح بفظاظة تحويل قطاع غزة إلى “ريفير” سياحي بعد إخلائه من سكانه.

وفي سياق سريالي ممعن في التهكم، يُدخل العياري شخصيته في “حمام عربي” مع بوتين لمناقشة التفوّق الجنسي والفضائح السياسية، رابطاً بين ملفات “إيبستين” وتفكك المنظومة الأخلاقية العالمية، ليختتم هذا المشهد بحالة من الرعب الهستيري حين يحمل الممثل لافتات يدور بها في مقدمة الركح تعبيراً عن “المسخرة” التي يشهدها مسرح السياسة الدولية، محوّلاً الكوميديا إلى “ضحك مر” يعكس القلق الوجودي من دفع البشرية نحو الهاوية بفعل قوة السلاح والدمار.

وعن ذلك يقول العياري: ”لقد استنطقتُ مناطق الضحك من قلب مأساة ‘ترامب’؛ فأنا لا أراها مجرد كوميديا، بل مأساة حقيقية. وصوله إلى السلطة عبر المسيحية المتشددة أعادني بالذاكرة فوراً إلى ما عشناه في تونس إبان تمدد السلفية الجهادية، وهي مفارقة تستحق التأمل.. في هذا العرض، لم أبحث عن ‘الأميركي’ فيه، بل أردتُ تقريب الشخصية من وجدان الجمهور التونسي؛ لذا جعلته يتحدث بلهجتنا الدارجة”.

وعن ما إذا كان عرضه قوامه تقليد شخصية الرئيس الأمريكي وسماته، يوضح العياري: ”لستُ مقلداً ولست بصدد تقمص شخصيته بشكل حرفي؛ فمن يريد ‘تجسيد’ ترامب يكتفي بتقليده، وأنا لا أملك هذه الصنعة ولا أهواها. لقد هربتُ من التطابق الشكلي، ولم أترك بيني وبينه على المسرح سوى قبعته الشهيرة ورقصته المعهودة، لأبقى أنا ‘عصام’ الذي يقرأ الواقع من خلف قناع  دونالد”.

منصة للمقاومة الفنية

يرى عصام العياري أن مونودرام “دونالد” صرخة في وجه العجز الإنساني المعاصر، وتحديداً تجاه “الألترا أمريكانزم” (Ultra-Americanisme) التي تبيح التصفية العرقية في غزة دون حسيب أو رقيب.. المسرح هنا يغدو منصة للمقاومة الفكرية لا مجرد منصة للفرجة، حيث تصبح النكتة وسيلة لتفكيك آليات القوة الغاشمة.

بفضل هذا البحث العميق في فن الفكاهة، وبراعة الأداء التي تليق بنجم عالمي، أثبت عصام العياري أن مسيرته تتجه بثبات نحو آفاق أكبر، وأن تركيبة ”الفيلسوف” و”الكوميديا” النادرة عنه واعدة بفنان من نوع خاص.

“دونالد” التي تتواصل عروضها في مختلف الجهات التونسية، وتذهب عائداتها لجمعيات خيرية، ليست مجرد مسرحية، بل يمكن القول إنها تجربة إنسانية تستحق المشاهدة مرارا وتكرارا، لأنها تضعنا أمام مرآة واقعنا بجرأة وسخرية لا تعرف المهادنة.

أمل الهذيلي – MEO

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي !!