أخبار مسرحية

أشباح الماضي تدمر حاضرنا في مسرحية “يظل ظل”

مأساة مصرية فردية وجماعية في قالب كوميدي

ملخص

“يظل ظل” عرض مسرحي يقدم في أكاديمية الفنون المصرية، على مسرح نهاد صليحة، تأليف محمد زيدان، إخراج أدهم فيتو، وهو يتناول موضوعاً اجتماعياً مأساويا، وفي قالب تغلب عليه الكوميديا.

في مسرحية “يظل ظل” الذي قدمه طلاب المعهد العالي للفنون المسرحية (أكاديمية الفنون المصرية) على مسرح نهاد صليحة، إخراج أدهم فيتو، لا جديد على مستوى النص (تأليف محمد زيدان) موضوع متداول، وتمت معالجته في الكثير من الأعمال الفنية، وإن كان متماسكاً على مستوى الدراما، مبتعداً، إلى حد كبير، عن المليودراما، بخاصة أنه يتناول موضوعاً اجتماعياً يمكن أن يصبح بيئة خصبة للمليودراما، لو لم ينتبه كاتبه.

 يتناول العرض قصة مختار (أدهم فيتو) الذي يأتي إلى الحياة بولادة مبتسرة، تؤدي به إلى مشكلات جسدية وذهنية، ويعاني قسوة أبيه، المتضرر من حالته ونفقات علاجه، وعندما يكبر يتعافى نسبياً، ويتزوج وينجب فتاة، إلا أن ظلال الماضي تظل حاضرة في داخله، ليتحول هوسه بالنظام والعمل إلى وسيلة لتعويض ما يظن أنه ينقصه، وفي المقابل تسوء علاقته بزوجته وابنته، ويحدث انفصال بينه وبين الزوجة ويدخلان في صراع على حضانة الابنة، وعندما تؤول الحضانة إليه، وعلى رغم حبه لابنته، تظل العلاقة بينهما مضطربة، وذلك كله نتيجة نشأته القاسية، وعلاقته المضطربة بأبيه.

حكاية تبدو تقليدية ومأساوية، ولا تخلو، دائماً، من المليودراما، ليظل الفيصل في كيفية تقديمها على خشبة المسرح، من أي زاوية يتعامل معها المخرج، وقد أغلقت الزوايا تقريباً، كيف يستخدم أدواته وخياله، في إعادة إشعالها بعد أن صارت رماداً، وأهلكتها المعالجات، في الوسائط كافة، في السينما والمسرح والتلفزيون.

اختبار صعب

هكذا كان الاختبار، والاختيار الصعب، الذي بدا فيه المخرج كمن يسير على الحافة، أو على الحبل في سيرك للألعاب، إن هو غفا، ولو لجزء من الثانية، لسقط سقوطاً مروعاً، أما لو عبر سالماً، فقد كتب شهادة نجاحه كمخرج، وطالب يدرس التمثيل والإخراج، تراقبه عيون معلميه لتضعه، في النهاية، في الخانة التي يستحقها.

اللعب، ولا شيء غيره، هكذا قرر المخرج، لكنه، هنا، لعب محسوب، ومخطط له، ويعرف صاحبه طريقه إلى بلوغ غايته، مدركاً أن المسرح عليه أن يكون ممتعاً ومسلياً، أياً كانت القضية التي يتناولها، فالمتعة والتسلية، ربما أفضل الوسائل لتوصيل الرسالة، وإحداث الأثر المطلوب، وحتى لو تحولا إلى مطلب وحيد، في بعض الأحيان، فلا بأس. المبدع حر، وكل ذلك جميل.

مزج المخرج، في عرضه، ما بين الواقعي والتعبيري، ما بين الحقيقة والخيال، ما بين الجد والهزل، في خلطة خففت كثيراً من قتامة الحكاية ووطأتها، بل استغل هذه الحكاية المأساوية في السخرية من ظواهر اجتماعية، مثل ادعاء التدين، كما في مشهد الموظفين الذين يهملون العمل بحجة أداء الصلاة، ومنهم من يتحرش ببائعة بسيطة تعرض عليه بضاعتها بعدما أدى صلاته، والموظفة المهملة التي تحمل سبحة طولها 10 أمتار وتستعين بثلاثة أشخاص لمساعدتها في حملها، في مبالغة كوميدية شديدة، ومشهد القاضي الهزلي في المحكمة، والمحامية التي تفتقر إلى أهم أدواتها، وهو جهازها الصوتي، وهكذا في عديد من المشاهد، مستخدما “الغروتيسك” في دمج المتناقضات، وتقديم رؤية غير مألوفة للواقع، تصدم الجمهور بصرياً وذهنياً، وتدفعه إلى التفكير والسؤال.

عناصر جيدة

ربما كان من الصعب أن يبلغ المخرج غايته ما لم تتوافر له عناصر جيدة، وأهمها التمثيل، هذا العنصر تحديداً، كان واحدة من أهم الأدوات التي أعانته في مغامرته تلك، ودخل الممثلون، وجميعهم طلاب في قسم التمثيل والإخراج بالمعهد، في مباريات تمثيلية، لعبوا خلالها أدواراً متنوعة، حيث أدى غالبهم أكثر من دور، ما بين الجد والهزل، ليؤكدوا أن الموهبة التي تم صقلها بالدراسة والتدريب، هي الأكثر قدرة على أداء الأدوار كافة، والأكثر وعياً بطبيعة الشخصية وكيفية تجسيدها، والانتقال منها إلى شخصية تناقضها تماماً، من دون أن تطبع أي منهما على الأخرى.

أدت إسراء الجمل أربع شخصيات، الأم المكلومة في ابنها المريض، والمحامية التي لا تجيد نطق الكلمات، والراقصة التي تغوي الزبائن في الملهي الليلي، والموظفة صاحبة السبحة الطويلة، وذلك كله في تنويعات مدهشة تشير إلى طاقة تمثيلية هائلة، وظفتها صاحبتها من دون مبالغة أو افتعال، وعلى المنوال نفسه جاء أداء حسين عبده، الذي أدى دور القاضي، والموظف المتحرش مدعي التدين، وصبي الراقصة، بحس كوميدي بدا طبيعياً وبعيداً من الاستعارة، التي يلجأ إليها، غالباً، الممثلون الجدد، تشعر أنه نفسه، لا أحد آخر. أما محمد زيدان، مؤلف النص، فأدى دور المحامي صديق الكاتب، بالقدر نفسه من الكوميديا الواعية التي يدرك صاحبها أنها لا تعني الاستظراف، بقدر ما تعني القدرة الطبيعية، لا المكتسبة، على التعامل مع المواقف، حتى الصعب والجاد منها، بحس ساخر، يخفف من وقعها، من دون الاستهانة بجديتها أو صعوبتها، ومن دون تسطيحها، حتى لا يغيب المعنى في مقابل حضور الضحك وحده.

ثلاث مواهب كوميدية قدمها العرض، الذي استمر نحو 80 دقيقة من دون أن يشعر المشاهد بأي قدر من الملل، إضافة إلى المخرج نفسه في دور مختار، وهو دور صعب ومركب، يعاني صاحبه ضغطاً نفسياً واجتماعياً وصحياً، رافقه منذ الصغر وانعكس على علاقاته بمجتمعه وأسرته، لعبه بشكل واعٍ ينم عن قراءة عميقة للشخصية ودراستها جيدا، ولم يخلُ الأمر من لمحات كوميدية بين الحين والآخر، أما دور الابنة فقد أدته سجود الحصري، وحسناً أن اختارها المخرج لهذا الدور، حيث تتمتع، فضلاً عن الموهبة، بوجه طفولي جعلها الأنسب لهذا الدور، وكذلك روان سيد، التي أدت دور الزوجة وبائعة الأغذية.

خامات فقيرة

بدت خامات الديكور فقيرة وبسيطة، نظراً إلى أنه إنتاج طلابي، يتحمل كلفته الطلاب أنفسهم، لكن المصمم (باسم وديع) اجتهد في توظيف هذه الخامات، بشكل يمزج بين التعبيري والواقعي، واستخدم أكثر من قطعة على أكثر من نحو، ترك مساحة واسعة للتمثيل والتعبير الحركي في المقدمة وعلى جانبي المسرح، وفي العمق فوتيه، وبعض المقاعد المتناثرة هنا وهناك، وفي الخلفية مستوى مرتفع يمثل حجرة مكتب مختار، ولا شيء أكثر من ذلك، وأدت الإضاءة (عبد الله محمد) دوراً مهماً في إخبارنا بطبيعة المكان الذي يدور فيه الحدث، وكذلك في التمييز بين الواقعي والمتخيل، من خلال اللون ومصدر الإسقاط.

يمكن القول إن المخرج قام بتفكيك النص، وإدارة الأحداث، ليس وفق الترتيب الزمني الطبيعي، لكنه راوح بين الآني والماضي، وكلها في مشاهد سريعة، من هنا إلى هناك، مستخدماً مجموعة الراقصين كأشباح لا يراها سوى البطل، تطارده دائماً، كأنها ظلال الماضي، التي ينعكس تأثيرها على أفعاله، أي إن هناك ظلاً من الماضي يظل يطاردنا، ولا نستطيع الفكاك منه.

يسري حسان – إندبندنت عربية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي !!