أخبار مسرحية

‘أريد..لا أريد’ تُشرّح سلطة الرغبة على الخشبة

العمل المسرحي لعصام العياري ويسرى عموري يدمج جماليات الكوريغرافيا والموسيقى لتجسيد صراع الأجساد، مستعرضا شرخا جيليا وفكريا حادا بين الرجل والمرأة في كواليس الفن والوجود على وقع نوتات موزارت

على خشبة “التياترو” اختار الفنان عصام العياري أن يخلع قبعة ‘دونالد’، ليرتدي قميص الفيلسوف المشاكس في عمله المسرحي الجديد “أريد.. لا أريد” (Vorrei non Vorrei). إن كان “دونالد” قد فكك آليات السلطة في الخارج، فإن عمله الجديد يغوص عميقا في “سلطة الداخل”، حيث الرغبة والجنس والصدامات الجيلية الوعرة، مُجريا جنبا إلى جنب مع المخرجة والممثلة ”يسرى عموري”، جراحة ركحية تشرّحُ جسد الرغبة البشرية بمشرط الفيلسوف الدنماركي سورين كيركغور.

كواليس الوجود

تبدأ المسرحية وتنتهي في “الكواليس”، تلك المنطقة الرمادية التي تسبقُ القناع أو تلي السقوط. هناك، وفي مواجهة درامية محتدمة بين ممثلين يتقاسمان الكواليس ويستعدان لعرض مسرحية ”دون جوان”، يتفجر حوارٌ مشحون بالكوميديا السوداء والنقد اللاذع، تتطرّق فيه الشخصيتان إلى اليوميّ الساذج، وصولا إلى قضايا مثل الزواج بوصفه عقدا جامدا، والرياء الفني، والشهرة المفرغة..

وبين الحين والآخر، تقتحمُ فواصل من موسيقى ”موزارت” فضاء الكواليس، لتكسر حدة الجدل اللفظي وتحوّل الجسد إلى أداة تعبيرية، حيث يرقص الممثلان على وقع ألحانه، في محاولة لترجمة تلك الدفقة الحيوية التي عجزت الكلمات عن احتوائها.

تنكأ المسرحية جراح صراع الأجيال؛ فيجسد العياري دور الممثل “القدير” من جيل السبعينات بنرجسيته المعهودة، في مواجهة شخصية أنثوية يافعة من جيل التسعينات. في لحظة مكاشفة قاسية، يوجّه الممثل خطاباً جارحاً لزميلته، متهما إياها بأنها نالت الدور بفضل المحسوبية أو لأنها “عندها الكتافات”. هذا الانكسار الجيلي يُقابَل ببرود نقدي من يسرى العموري التي تصفع هذا الغرور بأكثر من عبارة وطريقة.. 

الموسيقى رغبة

في عمق العمل، يسحبنا العياري إلى حوار فلسفي بين كيركغور وموليير عبر أسطورة “دون جوان”. يرى كيركغور أن موزارت وحده هو من قبض على جوهر دون جوان؛ لأن “الرغبة” موسيقى وليست نصا. هنا يبرز مفهوم “المرحلة الجمالية” من الوجود، تلك اللحظة التي يمر بها الجميع، أتقياءً كانوا أم غير ذلك.

الرغبة هنا هي “الزخم الحيوي” الذي لا يجب كبحه، وهو ما يتجلى في اللوحات الراقصة التي يؤديها الممثلان، حيث تتداخل نوتات موزارت مع حركة الأجساد لترفع “الغطاء الثقيل” عن المحظورات الاجتماعية.

حين ترقص الفلسفة

لم تكن الفلسفة في هذا العرض كلمات طائرة، بل جسدتها سينوغرافيا هالة بن صالح وكوريغرافيا أمال العويني. تحوّل الفكر إلى “أداء ركحي كوريغرافي” بامتياز، تماهى فيه الممثلان مع انسيابية ألحان موزارت، مما جعل من الفلسفة تجربة حسية ملموسة.

وساعدت أزياء ألطاف هبيري في رسم هذا الجسر بين وقار الماضي (السبعينات والأوبرا الكلاسيكية) وضجيج الحاضر (جيل التسعينات وأسئلته الراهنة).

الرغبة بين العقل والجسد

تطرح المسرحية تساؤلا جوهريا حول ماهية الرغبة، كاشفة عن شرخٍ عميق في كيفية إدراكها بين الجنسين. فبينما يندفع الرجل (العياري) نحو الرغبة بوصفها استجابة جسدية مباشرة، تضع يسرى العموري شرطاً وجوديا ومعرفيا لهذه العلاقة، مُعلنةً بوضوح: “يجب أن يدخل الرجل عقلي قبل أن يُثيرني جسديا”.

هذه المقولة تلخص الفكرة الرئيسية للعمل، فالرغبة عند المرأة في نص العياري والعموري هي مسارٌ يبدأ من “اللوغوس” (العقل) لينتهي في الحس، بينما تبدو عند الرجل غريزة تبحث عن موضوعها. هذا التباين الحاد هو ما يجعل البطلة تؤكد بمرارة: “نحن والرجال لا نتحدث اللغة نفسها”.

وهذه اللغة ليست مجرد منطوق، بل هي “لغات وجودية” مختلفة تماما في التعبير عن الاحتياج والوصول، مما يجعل التواصل بينهما أشبه بحوار الصمّ فوق خشبة مهتزة.

انكسار القناع

في ختام العرض، وبعد جولات من الرقص والجدل، تصل التجاذبات إلى ذروتها العنيفة. يحاول الممثل المتفلسف “القدير” التقرب من زميلته، لكن الحركة تتجاوز حدود الفن لتلامس واقع “التحرش”، في إسقاط معاصر على سلوك شخصية “دون جوان” التاريخية (المعروف بكونه غاويا ومستغلاّ)، ويتحوّل التمثيل في الكواليس إلى وقع عنيف يؤدي لإلغاء العرض. 

نهاية جاءت صرخة في وجه الزيف وإعلانا عن إلغاء العرض “المفترض”. سكتت موسيقى موزارت، وانكسرت مرآة الفن، ليبقى السؤال معلقا: هل يمكن للرغبة أن توجد دون موافقة؟

“أريد.. لا أريد” تبدو دعوة صريحة لمواجهة النفس في أكثر مراحلها عريا وصدقا.

أمل الهذيلي – MEO

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي !!