أخبار مسرحية
مسرحية «عرس الدم» للمخرج ياسين احجام: رؤية بصرية معاصرة في مأساة لوركا

ضمن عروض مهرجان المسرح الحر الدولي، عُرضت على المسرح الرئيسي في المركز الثقافي الملكي المسرحية المغربية «عرس الدم»، المأخوذة عن نص الكاتب الإسباني فيديريكو غارثيا لوركا، أحد أبرز كلاسيكيات المسرح في القرن العشرين، وذلك باقتباس وإخراج ياسين احجام.
إن الاقتراب من الأعمال المسرحية العالمية الشهيرة يُعد مغامرة فنية لأي مخرج، لأن المتلقي، وهو يتابع العرض، يستحضر تلقائيًا تجارب أخرى شاهدها للنص ذاته. غير أن اقتباس ياسين احجام لم يتعامل مع النص بوصفه مادة جامدة، بل بوصفه فضاءً مفتوحًا لإعادة تشكيل المشهدية والمشاعر المتناقضة، ضمن رؤية تحمل ملامح المكان المغربي، وإيقاع الطقس الشعبي، وحضور المصائر المعلّقة التي تطارد الشخصيات.
لقد أخرج المخرج النص من بيئته الأصلية، ووضعه على مشرحة التأويل داخل مناخ بصري جديد، دون أن يفقد روحه القائمة على ثنائية الحب والموت المحكومة بالقدر. ومن هنا اكتسب العرض حيوية أقرب إلى المتلقي، بما يحمله من نكهة مغربية، ودلالات طقس احتفالي مسكون بالرغبة والتوتر وعيون الموت التي تراقب الشخصيات من خلف الأبواب. ومع ذلك، لم يقطع العرض صلته بالنص الأصلي، بل قدّم مقترحات جمالية تؤكد المشتركات الإنسانية بين الشعوب مهما اختلفت البيئات.
منذ لحظة الاستهلال، بدت خشبة المسرح خالية من الاكتظاظ الديكوري، حيث اعتمد العرض على فضاء مفتوح تتوزع داخله الشخصيات، فيما استقر باب في عمق الخشبة بوصفه علامة بصرية ودلالية مركزية. هنا برزت ثنائية الحرية والتيه، والدخول والخروج، وكأن الشخصيات تتحرك داخل لعبة احتمالات مفتوحة: إما العبور نحو المأساة، أو البحث عن خلاص مستحيل.

هذا الفضاء الواسع منح الممثلين حرية كبيرة في الحركة والتشكيلات الجسدية، ضمن مشهدية بصرية ذات إيقاع متوتر ولاهث، عكست القلق والخوف والصراع الداخلي. وبهذا التوظيف الذكي، تحولت الحركة إلى لغة بصرية موازية للنص، لا تقل أهمية عن الحوار ذاته.
في «عرس الدم» لم يكن الديكور عنصرًا تزيينيًا، بل جزءًا من البنية الدلالية للعرض. فقد اتسمت السينوغرافيا بالبساطة والاقتصاد، ما منح الجسد والحركة مركزية واضحة داخل الصورة المسرحية. ولم يخلق هذا الفراغ إحساسًا بالحرية بقدر ما عزّز شعور الشخصيات بالتيه والمصير المفتوح على المجهول، وكأنها تتحرك داخل قدر لا يمكن الإفلات منه.
أما الباب، فشكّل أحد أهم الرموز البصرية في العرض؛ إذ لم يكن مجرد عنصر مكاني للعبور، بل علامة فاصلة بين عالمين: الداخل والخارج، الرغبة والمنع، الحياة والموت. بدا الباب أحيانًا أفقًا للخلاص، ثم يتحول في لحظات أخرى إلى عتبة تؤدي إلى المأساة، ليكتسب حضوره بعدًا نفسيًا ارتبط بفكرة التحول وكشف المصير المحتوم للشخصيات.

كما أتاح اتساع الفضاء المسرحي للمخرج بناء حركة جماعية ذات طابع طقسي، تحرك فيها الممثلون ضمن تشكيلات جسدية منحت العرض إيقاعًا بصريًا متصاعدًا. وأصبح الجسد أكثر حضورًا من الديكور نفسه، فتحولت الحركة إلى أداة تعبير عن الرغبة والخوف والانكسار، لتغدو الخشبة فضاءً للصراع الإنساني، لا مجرد مكان لتمثيل الأحداث.
وقد تجلت الرؤية الإخراجية في حسن توظيف المساحات، والانضباط الدقيق للحركة الفردية والجماعية، إلى جانب الإحساس العميق الذي حمله الممثلون منذ البداية، وكأنهم يدركون المصير الذي يسيرون نحوه. فجاء الأداء قائمًا على التعبير الجسدي والإيقاع والصمت، بعيدًا عن الخطابة المباشرة، ليصبح الممثل جزءًا من التكوين البصري العام للعرض.
كما بدت السينوغرافيا مدروسة ومقتصدة، خالية من الاستعراض أو العناصر الزائدة، حيث امتلك كل عنصر وظيفته الدلالية المرتبطة بفكرة العرض ورؤيته الجمالية.
أما الإضاءة، فقد لعبت دورًا نفسيًا مهمًا، إذ عكست العتمة والظلال حالة التوتر والخوف التي تحاصر الشخصيات، وتكشف هشاشتها الداخلية أمام المجهول القادم. وكذلك جاءت الموسيقى، المستندة إلى الإيقاع الشعبي والغجري، متأرجحة بين الفرح والحزن، لتعبّر عن العالم الداخلي للشخصيات، وتخلق مناخًا طقسيًا يسبق حضور الموت.

مرة أخرى، يقدّم ياسين احجام نفسه مخرجًا يؤمن بأن المسرح ليس مجرد وسيط لنقل النصوص، بل فضاء لإعادة إنتاجها بصريًا وجماليًا، عبر الصورة والحركة والإيقاع، والابتعاد عن المباشرة والخطابة، لصالح بناء توتر داخلي وإحساس إنساني عميق.
مسرحية «عرس الدم» من إنتاج مؤسسة أرض الشاون للثقافات، وإخراج ياسين احجام، وتمثيل كل من: قدس جندول، جميلة الهوني، رضى بنعيم، ومنصف قبري. وتولى ياسين الزاوي السينوغرافيا والملابس والإضاءة، فيما أنجز المؤثرات الصوتية خلاف الإدريسي، وتولت سلوى ياسين تنفيذ الملابس.
رسمي محاسنة – صوت العرب



