“الهاربات” بين انهيار اليقين وإعادة تشكّل المعنى
وفاء الطبوبي تحول المسرح إلى تجربة تفكيك وجودية لوعي الإنسان

افتتحت مسرحية “الهاربات” للمخرجة وفاء الطبوبي مهرجان مدنين للتجريب، لتقدم تجربة بصرية وفلسفية تفكك اهتزاز اليقينيات وانهيار البديهي في علاقة الإنسان بالعالم. ومن خلال فضاء انتظار يجمع شخصيات متباينة ولغة يومية مكثفة، يتحول العرض من مجرد حكاية هروب واهتزاز داخلي إلى مساءلة وجودية عميقة تبحث عن تشكيل جديد للمعنى.
افتتحت مسرحية “الهاربات” فعاليات الدورة التاسعة والعشرين من المهرجان الوطني لمسرح التجريب بمدنين التونسية، في الثلاثين من مايو الماضي، بالمركب الثقافي في مدنين. “الهاربات” عمل من تأليف وسينوغرافيا وإخراج وفاء الطبوبي، في إنتاج مشترك بين المسرح الوطني التونسي وشركة الأسطورة للإنتاج (2025)، وبمشاركة فاطمة بن سعيدان، ومنيرة الزكراوي، ولبنى نعمان، ومحمد بوزيد، وأميمة البحري، وصبرين عمر.
العرض لا يقدّم منذ بدايته حكاية عن الهروب بالمعنى المباشر للكلمة، بقدر ما يفتح أفقا للتفكير في اهتزاز اليقينيات التي تنظّم علاقة الإنسان بالعالم، حيث تتصدّع المرجعيات المستقرة ويتحوّل المعنى نفسه إلى موضوع بحث وإعادة تشكّل مستمر.

تقوم مسرحية “الهاربات” على فرضية غير معلنة لكنّها حاكمة لكل تفاصيلها: العالم لم يعد قابلا للفهم باليقينيات نفسها التي كانت تنظّمه سابقا. لذلك لا يتعلّق الأمر بحكاية هروب أو بمحاولة انتقال من وضع اجتماعي ضاغط إلى وضع آخر أكثر اتساعا، بل بتجربة أعمق تمسّ شرط الفهم ذاته. الشخصيات لا تتحرّك داخل مسار يبحث عن خلاص خارجي، بل داخل اهتزاز داخلي يجعل علاقتها بالعالم، وبذاتها، وبالمعنى نفسه في حالة إعادة تشكّل مستمرة، حيث لا شيء قابل للاستقرار داخل تعريف نهائي.
تنطلق المسرحية من وضعية تبدو بسيطة: فضاء انتظار يجمع شخصيات مختلفة الانتماءات المهنية والاجتماعية. غير أنّ هذا التنوّع لا يشتغل بوصفه لوحة اجتماعية، بل بوصفه علامة على أنّ الأزمة لا تخص موقعا بعينه، بل تطال بنية الإدراك ذاتها. فوجود عاملة نظافة، وعاملة بمصنع، وأستاذة معوّضة، وكاتبة محامٍ، ورجل، داخل الوضعية نفسها، لا يُنتج اختلافا في طبيعة القلق، بل يكشف أنّ القلق أصبح بنية مشتركة تتجاوز الفوارق الظاهرة. إنّ ما يتقاطع هنا ليس التجربة الاجتماعية فقط، بل هشاشة العلاقة بالعالم حين يفقد استقراره الرمزي، وحين تصبح الأدوار الاجتماعية نفسها غير كافية لتثبيت المعنى أو تفسير ما يحدث.
في هذا السياق لا يكون الانتظار فعلا زمنيا بسيطا، بل تجربة معرفية تتفكّك داخلها بداهة الزمن نفسه. الشخصيات لا تنتظر حدثا محدّدا بقدر ما تعيش داخل تعليق مستمر للمعنى، حيث لا يعود المستقبل ضمانة، ولا يصبح الماضي مرجعا كافيا للفهم، ولا الحاضر قادر على تقديم تفسير لما يجري داخله. وهكذا لا يعرّف الانتظار بكونه زمنا ممتدّا بين لحظتين، بل يتحوّل إلى حالة إدراكية معلّقة تكشف أنّ ما انهار ليس الحدث، بل القدرة على تأويل الحدث ضمن نظام مستقر من الدلالات.
ومن هنا تتّخذ الفرضية الفلسفية مركزها الحقيقي: ما يتعرّض للانهيار في المسرحية ليس الواقع، بل يقين الواقع نفسه. الشخصيات لا تواجه غيابا خارجيًا فقط، بل تواجه تآكل الإطار الذي كان يجعل الغياب مفهوما، ويمنح الحضور معناه، ويحدّد الفرق بين الممكن والمستحيل. لذلك فإنّ الضياع لا يُفهم بوصفه فقدان اتجاه داخل فضاء معروف، بل بوصفه فقدان مرجعيات الإدراك التي تجعل الاتجاه ممكنا أصلا. في هذه اللحظة يصبح السؤال الأساسي ليس إلى أين نذهب، بل: كيف يمكن للعالم أن يظل مفهوما حين يفقد شروط وضوحه الأولى؟
هذا الانكسار في بنية اليقين لا يظهر كحدث تلقائي، بل كتحوّل بطيء في علاقة الشخصيات بكل ما كان يبدو بديهيا. كل محاولة لإعادة تثبيت المعنى تصطدم بفراغ غير مرئي، وكأنّ العالم نفسه ينسحب من خلف تعريفاته المعتادة، تاركا الشخصيات في مواجهة مباشرة مع هشاشة ما كانت تعتبره طبيعيا. لذلك يصبح التفكير في الهروب نفسه غير كاف، لأنّ الهروب يفترض وجود خارج واضح يمكن الانتقال إليه، بينما المشكلة هنا أن الخارج والداخل يفقدان حدودهما الصلبة.
هذا التصدّع في بنية اليقين ينعكس مباشرة على شكل اللغة داخل العرض. الدارجة التونسية لا تُوظف كاختيار تواصلي أو واقعي فقط، بل كفضاء يُظهر التصاق الفكر بالتجربة اليومية دون وسائط تجريدية. إنّها لغة لا تفصل بين القول والمعيش، بل تكشف أنّ المعنى لا يُنتج في التجريد، بل داخل التوتّرات الصغيرة للحياة اليومية، داخل التردّدات، الانقطاعات، والتكرارات التي تشكّل إيقاع الوعي في لحظته المباشرة. وبهذا المعنى، تصبح اللغة نفسها جزءا من أزمة الفهم: فهي لا تنقل المعنى بوصفه شيئا مكتملا، بل تُظهر تشكّله وتفكّكه في الوقت نفسه، وكأنّ القول ذاته لم يعد قادرا على ضمان استقرار ما يقوله.

ويأخذ هذا الاهتزاز شكله المادي داخل السينوغرافيا، التي لا تعمل كخلفية محايدة للأحداث، بل كبنية حسية تعيد إنتاج فقدان الاستقرار. الفضاء الركحي لا يقدَّم كمعطى ثابت يمكن التعويل عليه، بل كمنطقة متحوّلة تتغيّر دلالتها مع تغيّر موقع الشخصيات وحركتها وصمتها وتوقّفها المفاجئ. إنّه فضاء لا يسمح بالاستقرار البصري أو الإدراكي، وكأنّ المكان نفسه يدخل في حالة تشكّك في وظيفته: هل هو احتضان للفعل أم جزء من ارتباك الفعل نفسه؟ بذلك يصبح المكان امتدادا بصريا لفكرة مركزية: لا يوجد خارج الأزمة، بل الأزمة نفسها هي ما يُنظّم إدراك المكان ويعيد تعريف حدوده.
أما الأداء التمثيلي فيشتغل بدوره ضمن هذا المنطق نفسه، حيث لا تُبنى الشخصيات ككيانات مكتملة ذات سمات ثابتة، بل كحالات وجودية تتشكّل أثناء الأداء ذاته وتتفكّك في الوقت نفسه. إنّ التعدّد في الخلفيات لا يؤدي إلى تفكّك العرض، بل يكشف أنّ كل شخصية ليست سوى صيغة مختلفة لاهتزاز واحد، يتكرّر بأشكال متعدّدة دون أن يفقد جوهره القلق. ومن ثم يصبح الأداء الجماعي ليس تمثيلا لتعدّد أصوات مستقلّة، بل تجسيدا لتفكّك مركز موحّد للمعنى، حيث تتجاور الأصوات وتتصادم أحيانا دون أن تستقر داخل نظام تفسير نهائي أو رؤية مكتملة للعالم.
مسرحية عن اللحظة التي يصبح فيها الإنسان مضطرا إلى إعادة بناء علاقته بالعالم من نقطة الصفر
إنّ تداخل هذه العناصر -تعدد الشخصيات، اللغة اليومية، الفضاء المتحوّل، والأداء غير المكتمل- لا يُنتج عرضا وصفيا للواقع، بل يُنتج تجربة إدراكية تتفكّك فيها العلاقة التقليدية بين الإنسان والعالم. المسرحية لا تسعى إلى تقديم قصة عن الهروب أو الفشل أو الوصول، بل تكشف أنّ هذه المفاهيم نفسها لم تعد تعمل بكفاءتها القديمة، لأنّها تفترض أصلا وجود عالم مستقر يمكن قياس الحركة داخله، بينما ما يحدث فعليا هو اهتزاز هذا الافتراض من جذوره.
في هذا الإطار، يمكن فهم مسرحية “الهاربات” بوصفها اشتغالا على لحظة فلسفية دقيقة ومكثّفة: لحظة يفقد فيها العالم بداهته، فلا يُفهم بوصفه نظاما جاهزا ومغلقا، بل بوصفه سؤالا مفتوحا يتجدّد مع كل محاولة للفهم. وفي هذه اللحظة، لا يكون الإنسان في حالة انتقال من مكان إلى آخر فقط، بل في حالة انتقال أعمق من يقين إلى شك، ومن معنى مستقر إلى معنى قيد التشكّل، ومن تصوّر مكتمل للعالم إلى علاقة متوتّرة مع إمكانات العالم نفسه.
ومن ثم فإن ما يبدو هروبا في السطح ليس سوى أثر جانبي لعملية أعمق وأكثر جذرية: إعادة تشكيل علاقة الذات بالعالم بعد انهيار الثقة في صيغ الفهم السابقة. الشخصيات لا تغادر فقط، بل تُعاد صياغتها داخل هذا الغياب نفسه، وكأنّ الغياب ليس فقدانا لما هو موجود، بل شرط لظهور شكل جديد من الوعي. وهنا تكمن مفارقة العرض: ليس المهم ما إذا كان الوصول ممكنا أو مستحيلا، بل ما إذا كان العالم الذي يُفترض الوصول إليه ما زال يحتفظ بنفس المعنى الذي كان يُنسب إليه أصلا، أم أنّ المعنى نفسه قد دخل في طور التحوّل.
بهذا المعنى، لا تقدّم المسرحية سردا عن الحركة أو السكون، بل تفكيرا في الشرط الذي يجعل الحركة والسكون مفهوميْن أصلا. إنّها مسرحية عن انهيار البديهي، وعن اللحظة التي يصبح فيها الإنسان مضطرا إلى إعادة بناء علاقته بالعالم من نقطة الصفر، دون ضمانات مسبقة، ودون يقين يسبق السؤال، ودون خريطة يمكن الوثوق بها قبل البدء في السير.
حامد محضاوي – صحيفة العرب



