«التياترو».. يرفع سقف الموهبة

مازالت فرقة المسرح الحديث بقيادة الفنان القدير محسن منصور قادرة على تحقيق الوهج والجاذبية بين جمهورها، بعدد من العروض المتتالية التى تحفظ للكلمة قيمتها وللصورة البصرية بريقها.
وفى أحدث إنتاجها، يرفع عرض التياترو ستاره ليخطو المخرج أحمد فؤاد خطوة ناجحة جديدة يطرح فيها سؤالا عميقا يتعلق بمصير الفن نفسه فى زمن تتصارع فيه الموهبة الحقيقية مع صخب الشهرة والتريند السريع، فى قالب كوميدى بالغ الرقى صاغه المؤلف أحمد الملوانى باحترافية تفجر من المواقف ضحكا صادقا نابعا من القلب بلا أى افتعال أو مبالغة.

للوهلة الأولى يبدو العرض وكأنه يطرح قصة المخرج والمؤلف الموهوب آدم الذى يتعرض لعملية خداع من أحد منتجى الفن سريع الانتشار معدوم التأثير، حين يتجاوز حقه فى الفوز بإحدى مسابقات التأليف ليقدم بدلا منه شابا عشوائيا بلا موهبة بحثا عن مكسب التريند، ولكن حين يقرر آدم الانسحاب تقوده الصدفة إلى مسرح مهجور منذ سنوات طويلة ليذوب حلمه وطموحه داخل هذا المسرح وأبطاله فيتسع أفق الدراما إلى سؤال أعمق وحكاية موازية عما يتعرض له المسرح الجاد من تهميش، مقابل محاولات نشر القبح، وتجاهل المواهب الحقيقية فتبدأ رحلته فى إزاحة الغبار الذى اعتلى قيمة هذا المسرح ليستعيد أبطاله من عمق التاريخ ويمنحهم بريقهم الذى دُفن فى شبابهم، وبالتالى يحقق معهم حلمه، وينحاز إلى الموهوبين، حتى وإن جار بهم الزمن.
أروع ما حققه العرض هو قدرته على صياغة دراما كوميدية استعراضية محكمة الشخصيات مرسومة بعناية، تدور فى فلك المواقف المكتوبة بدقة كما المعادلات الكيميائية التى لا تخطئ نتيجتها طالما تمكن مبتكرها من ضبط نِسبها، بالإضافة إلى قدرة المخرج على اختيار الممثل المناسب للدور المناسب، وتكوين فريق متناغم للغاية من نجوم الدراما سواء الشباب أو جيل الوسط المخضرمين، وهو ما منح العمل عمقا وتأثيرا.
يبدو أن نور محمود قد وجد ضالته فى خشبة المسرح، بعد تجربته الأولى الناجحة «النقطة العميا» مع نفس المخرج، فلعب هنا شخصية آدم المخرج والمؤلف بكثير من البساطة والهدوء والحضور فى ذات الوقت، وحين يخترق عالم المسرح المهجور يبدأ فى تفكيك طلاسمه التى بدأت بظهور دنيا/ ألحان المهدى الفتاة المرحة المحبطة التى تسعى لتجاوز يأسها بنشر التفاؤل بين الآخرين من خلال توزيع الورد عليهم، ولعبته ألحان بكثير من المرح والرشاقة خاصة مع أدائها الغنائى الساحر، بينما تتفجر شخصية أبيها بسيونى المنياوى من عالم التياترو كعفريت الفانوس، ونجح أحمد السلكاوى فى لعب الشخصية من منطق الشخصيات اليونانية فى بدايات المسرح والتى تؤدى دورها بمبالغة وافتعال كوميدي، بينما نكتشف مع الوقت سبب اعتزاله الفن بعد صراعه مع صديقه القديم معدوم الموهبة سامى السِمح، فيدخل فى ثنائية أدائية أمام عبدالمنعم رياض المنتج الانتهازى ولعبه منعم بما عودنا عليه من قوة وعنفوان تصنع الشر الكوميدي، ومن هنا نجد أنفسنا أمام فريقين، الأول الموهوبون/ الخير والثانى عديمو الموهبة ناشرو الفن المبتذل / الشر، فآدم الشخص القادم من خارج هذين العالمين يفجر طاقات الجميع ويحفز كل فريق على الانتصار لأهدافه، حين يقرر بحافز من دنيا أن يستعيد بريق هذا المسرح ويقنع ابن صاحبه بأن يستثمر فيه ليسدد ديونه من خلال عمل مسرحية جديدة تعيد الجمهور إلى المسرح وتحقق الإيرادات المرجوة.
هذان الفريقان يتفجر منهما عدد من الثنائيات الناجحة صيغت لها مواقف كوميدية بالغة الطرافة، حين يقرر آدم عمل «أوديشن» لاختيار فريق العمل، فنرى حبا قديما بين فنانين عجوزين هما عمارة/ محمد يوركا الممثل القديم الذى يدعى عمله مع كافة النجوم، ولكن يبدو أنه كان كومبارس، وصفية / شريهان الشاذلى المطربة العجوز التى طغى العمر على صحتها ولكن يعيدها إلى الحياة حبها القديم مع عمارة، ثم تأتى شخصية عازف الكمان الذى يلاحقها لتغنى أمام لجنة الاختبار، ولكنها تنهار فى آخر لحظة بسبب السعال والمرض، والحقيقة أنها ثنائية شديدة الجاذبية برعا فى أداء دورهما بحضور طاغ استحوذ على قلوب الجمهور، ثم نرى ثنائية سامى السمح مع مساعده «باسم سليمان» الغبى الذى يفعل دائما عكس ما يحتاجه رئيسه، ولعبت سمر النجيلى شخصية ساندى فتاة التريند التى يستغلها السمح، بخفة ظل لافتة، بينما نرى أبانوب لطيف قد أبرع فى شخصية محروس الحرامى الذى تسرق يده اليمنى رغما عن إرادته ويعانى صراعا دائما بين يديه اليمنى واليسرى وهى تفصيلة شخصية صنعت كثيرا من الضحك المبرر دراميا وأداها أبانوب بطاقة مبهرة تؤكد انه مكسب حقيقى للمسرح، وكذلك فرضت هاجر البديوى موهبتها التمثيلية والغنائية فى شخصية فاطمة بصوتها العذب وأدائها الاحترافى رغم أنها مازالت طالبة فى معهد المسرح، ولعب فادى رأفت شخصية فارس اللورد مالك المصنع المديون الذى يقع فى حبها فتغير نظرته للحياة، وقد يكون أحد مكاسب العرض هو عودة الممثل القدير علاء الحريرى للوقوف على المسرح من جديد وكأنه انتصار حقيقى للموهوبين خارج إطار الدراما، فقد لعب شخصية المحامى بثقة وحضور.
وأمام فريقى الخير والشر ينتصر الموهوبون فى فرض كلمتهم اعتلاء لقيمة المسرح حين يكشف آدم المخرج الغبار عن موهبة وإمكانات كل شخصية. العرض حالة درامية بديعة صيغت بصريا بحوار متناغم بين ديكور أحمد أمين البسيط المتحرك تنقلا بين المسرح من الداخل والخارج فى الشارع ومكتب السمح، وأزياء أميرة صابر المتنوع بين الفانتازى والتاريخى والمعاصر ليناسب كل عصور الأحداث بألوان مبهجة، واستعراضات محمد بيلا الرشيقة المصممة من روح الأحداث، بينما صيغت سمعيا من أشعار طارق على المعبرة وموسيقى شهاب محمد عزت المرحة متعددة الألحان لتناسب كل المواقف الدرامية، ولهذا نجح العمل فى تأكيد فكرة أن الإنتاج السخى ليس شرطا للنجاح، ولكن الأهم هو التوظيف الأمثل لكل الإمكانات. يعيب العرض فقط الطول المفرط فى الأحداث، فيحتاج إلى مزيد من التكثيف، وكذلك معالجة مشاكل الصوت فى المسرح.
باسم صادق – الأهرام



