أخبار مسرحية

أسئلة صعبة رافقت سنوات بريخت الـ20 الأخيرة

"حكايات السيد كيونر": ماذا لو نقرأ نصوص المسرحي الملحمي بين السطور؟

ملخص

العقدان اللذان سبقا رحيل المسرحي الالماني برتولت بريخت عن عالمنا في عام 1956 كان خلالهما شبه غائب عن أعماله الكبرى، ولكن ليس عن مجده الكبير الذي جعل العالم كله يعيش سجالات صاخبة من حول أدبه ومسرحه كما جعل كبار المبدعين من الأجيال التالية له يمعنون في الحديث عن كونه معلمهم وملهمهم

إذا تبحرنا حقاً في المتن الكتابي، المسرحي وغير المسرحي، للكاتب الألماني برتولت بريخت (1898 – 1956) الذي يمكننا اعتباره السيد المطلق، بل حتى المبتكر المتفرد للمسرح الملحمي في القرن الـ20، سيتبين لنا بكل بساطة أنه إنما كتب معظم أعماله الإبداعية والنظرية الكبرى، وهو إما في ألمانيا قبل أن يبارحها تحت ضغط هتلر ونازييه منذ استولوا على الحكم (بالتصويت الديمقراطي، ولكن في بلد تمكن ذل الهزيمة في الحرب العالمية الأولى، والانهيار الاقتصادي من تحويل ناخبيه إلى قطعان من غنم)، وإما في منافيه المتعددة التي احتوته خلال المرحلة الأكثر خصوبة من حياته.

بمعنى أنه حين عاد لوطنه، ألمانيا الشرقية، آمناً مطمئناً، ركن إلى عيش هادئ لا أعمال كبيرة فيه، ولكنه لم يخلُ من كتابات نظرية أو من نصوص قصصية، يمكن القول إن معظمها لا يرقى إلى أعماله المجيدة السابقة.

ولقد تواصلت تلك الحال لديه أكثر من عقدين سبقا رحيله عن عالمنا في عام 1956 وهو شبه غائب عن أعماله الكبرى، ولكن ليس عن مجده الكبير الذي جعل العالم كله يعيش سجالات صاخبة من حول أدبه ومسرحه كما جعل كبار المبدعين من الأجيال التالية له يمعنون في الحديث عن كونه معلمهم وملهمهم.

نصوص ثانوية الأهمية

صحيح أن بريخت لم يبقَ من دون نشاط خلال هذين العقدين، ولكن فقط في مجال تقديم وإعادة تقديم أعماله السابقة وتطويرها من خلال فرقته المسرحية المعروفة “برلينر إنسامبل” وجولاتها حول العالم. ومع ذلك لم يكن بريخت من النوع الكسول من المبدعين. فهو خلال تلك الحقبة واصل كتابة مذكراته ويومياته كما أسهب في تفسير شؤون وشجون مسرحه، وأبدى أعلى آيات الكرم في استخلاص الدروس المسرحية والفنية عموماً ومن حوله تلامذة محبون يستزيدونه أسئلة واستفسارات.

بيد أن الذي لا يقل أهمية عن ذلك كله، أن بريخت كتب كثيراً في الوقت نفسه، وهو إن لم يكتب مسرحيات كثيرة ستعرف الخلود أسوة بروائعه القديمة، مثل “الإنسان الطيب من ستشوان” أو “الاستثناء والقاعدة” أو “الأم شجاعة” أو “رؤى سيمون ماشار”، واللائحة تطول بالتأكيد، فإنه كتب قصصاً قصيرة أو متوسطة الطول كان من سوء طالعها وطالع كاتبها على أية حال أنها لم تلفت الأنظار حقاً، ومعظمها لم يخضع للتمحيص والنقد العلمي، ولكن دراسات وتفسيرات لاحقة لن تلبث أن تغوص فيها، وغالباً بعد موت الرجل، بل بوجه أعم بعد سقوط المنظومة الاشتراكية برمتها في ثمانينيات القرن الـ20، وكان ما يقارب ربع القرن قد مر على رحيل بريخت، أتت لتقول حقيقة ما كان بريخت يفكر فيه، سياسياً وأيديولوجياً بصورة خاصة في تلك المرحلة “الصامتة” الأخيرة من حياته. وتحديداً في حياته في ظل نظام اشتراكي حاكم كان يبدو أنه يتلاءم تماماً مع مساعيه النضالية التي سادت حياته وأفكاره طوال العقود السابقة من حياته.

برودة عقل نقدي

بطبيعة الحال، لا تتسع هذه العجالة لنتحدث بالتفصيل عما نرمي إليه، غير أن في إمكاننا هنا أن نختار نموذجاً لافتا يعبر عن جزء أساس من تلك النصوص البريختية المتأخرة وهو بالتحديد كتاب “حكايات السيد كوينر” الذي أصدره بريخت في منتصف تلك المرحلة الأخيرة، ليجمع فيه عدداً لا بأس به من القصص القصيرة والحكايات والشذرات والتأملات الفلسفية المكثفة. وهي نصوص يلفت فيها أول ما يلفت كونها لا تقوم على أي سرد تقليدي بقدر ما تعتمد على الموقف الفكري أو المفارقة الذهنية، حيث يظهر المدعو السيد كوينر كشخصية رمزية تمثل العقل النقدي الذي يواجه الواقع، المحيط به، ببرودة ونظرات تحليلية.

والمهم أن بريخت غالباً ما يتناول في هذه الشذرات وبنظرة يعزوها إلى “بطل” كتابه، موضوعات مثل: السلطة والأخلاق والخضوع والاستسلام لواقع الحال، ولكن المقاومة أيضاً… وهذا كله غالباً ما يأتي على شكل حوارات قصيرة أو مواقف ذات نهايات صادمة أو ساخرة، مما يفتح المجال أمام القارئ للتفكير بدلاً من الحصول، كالعادة على إجابات جاهزة.

وغالباً ما تتسم هذه النصوص باقتصاد لغوي واضح، حيث يختزل بريخت فكرته في بضعة أسطر، لكنها أسطر تحمل كثافة فكرية عالية ولسوف تبدو لاحقا بالغة الدلالة حتى سياسياً وأيديولوجياً.

رؤية جدية للعالم

فمثلاً حين يطرح كوينر، في بعض الحكايات، مواقف تبدو في ظاهرها بسيطة، كأن يسأل عن معنى الحكم أو عن العلاقة بين الإنسان والسلطة، قد تفيدنا اللغة بأن ثمة في تلك الأسئلة براءة ورغبات تعليمية، غير أن التمحيص سرعان ما يكشف لنا أن في الأمر رؤية جدية حقيقية ومشاكسة للعالم، حيث لا توجد حقائق مطلقة، بل مواقف مشروطة بالظروف التاريخية ولا تخلو، كما سيتبين لاحقاً وتدريجاً، من مشاكسة على السياسات والأيديولوجيات السائدة.

والواقع أن بريخت فيما عدا تلك المشاكسة، أو حتى بفضلها، يحقق نفس هدفه التغريبي الذي كان دائماً ما يهيمن على فكرانية أعماله الكبرى، ما يجعل قارئه ومن جديد، يندفع إلى النظر إلى الأمور من زاوية جديدة هي في نهاية الأمر زاوية نقدية من الواضح أنها في عمق أعماقها لا تناسب السلطات الحاكمة.

يوليوس قيصر

 ويقودنا هذا هنا إلى مجموعة لبريخت صدرت في السياق نفسه، ولكن أبكر من حكايات كوينر، “شؤون يوليوس قيصر” وهي مجموعة تنتمي إلى مشروع بريختي آخر، لكنها تشارك المجموعة التي نتناولها، في روحها النقدية، إذ يعيد كاتبنا هنا قراءة شخصية يوليوس قيصر من جديد بعيداً من صورة البطولة الكلاسيكية المعهودة، مقدماً إياه كشخصية سياسية محاطة بالمصالح والمؤامرات والشبكات التسلطية.

قد يأخذ هذا النص من ناحيته شكل رواية تاريخية غير مكتملة، لكنه يكشف عن اهتمام بريخت بتفكيك الأسطورة التاريخية وإظهار البنية الاقتصادية والاجتماعية التي تقف خلف الأحداث الكبرى. في هذا العمل لا يظهر يوليوس كقائد عبقري فحسب، بل كنتاج لظروف معقدة، حيث تؤدي الطبقات الاجتماعية والمال والتحالفات دوراً حاسما. ويبرز صوت الراوي بوصفه وسيطاً مالياً يعلق على الأحداث ويكشف تناقضاتها ما يقرب النص إلى أسلوب المسرح الملحمي البريختي، لكنه يدفع، ولو من طرف خفي، إلى التفكير بشخصية ستالين نفسه.

وهذا ما يدفعنا إلى أن نطرح على مجمل العملين اللذين نتناولهما هنا سؤالاً يتعلق بهدف مشترك توخاه بريخت منهما معاً: سؤال يتعلق بزعزعة اليقينيات الجاهزة، ودفع القارئ إلى التفكير في التاريخ والواقع بوصفهما بناءين قابلين للنقد وإعادة القراءة، لا كحقائق جامدة ثابتة.

إبراهيم العريس – إندبندنت عربية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي !!