هل نجح حسن الإمام في معالجة واقعية نجيب محفوظ؟
افلام "الثلاثية" و"زقاق المدق" بأربع رؤى درامية متباينة

ملخص
ركزت أفلام المخرج حسن الإمام، المقتبسة عن أعمال نجيب محفوظ، على رصد التحولات الاجتماعية والسياسية في مصر خلال النصف الأول من القرن الـ20. فهو تتبع صور التفاوت الطبقي، وصعود الأيديولوجيات الفكرية المختلفة، والكشف عن التوتر بين القيم التقليدية ومحاولات التمرد داخل المجتمع في هذه الفترة.
تنوعت الرؤى الإخراجية في الأفلام الأربعة التي قدمها حسن الإمام (1919 – 1988) عن أعمال نجيب محفوظ (1911 – 2006) الروائية، في مرحلته الواقعية “زقاق المدق”، و”بين القصرين”، و”قصر الشوق”، و”السكرية”. فقد بدت رؤيته في “زقاق المدق” قريبة إلى حد كبير من “بين القصرين”، خصوصاً مع تقارب زمن الإنتاج. فالطابع التقليدي يغلب في الإخراج الذي يبدو قريب الشبه من مدرسة المخرج كمال سليم، الذي يعتبر رائد السينما الواقعية في مصر بفيلم “العزيمة” (1939). بينما حمل فيلم “السكرية” أبعاداً وآليات إخراجية أكثر تنوعاً، عبر كسر خطية السرد وتكثيف الاشتغال البصري.
سقطة البطل
تعامل حسن الإمام، الذي لقب بـ”مخرج الروائع”، مع أربعة كتاب سيناريو في تحويل أعمال نجيب محفوظ إلى أفلام، حققت نجاحاً جماهيرياً ومن ثم أسهمت في توسيع نطاق تأثير الأدب، عبر وسيط مختلف عن الكتاب ذي التأثير النخبوي. فجاء «زقاق المدق» بتوقيع سعد الدين وهبة (1925- 1997م)، وهو ما انعكس بوضوح على بناء السيناريو، الذي اتسم بالانضباط وعدم التشعب، والميل إلى تكثيف الصراع وتحديد بؤرته على نحو قريب من تقاليد الكتابة المسرحية.
ويظهر هذا الأمر بوضوح في التركيز على فكرة “سقطة البطل”، الممثلة في شخصية “حميدة”، التي تتمرد على واقعها الاجتماعي والطبقي، وتسعى إلى كسر القيود المفروضة عليها، لكنها تنتهي إلى مصير مأسوي. وهذا ما يحيل إلى مفهوم التطهير عند أرسطو، الذي يحقق لدى المتلقي نوعاً من التنفيس الوجداني.
غير أن هذا المنظور تعرض لنقد لاحق لدى برتولت بريخت، الذي رأى في “التطهير” آلية تستخدم لتدجين المشاهد، وتحذيره من التمرد حتى لا يلقى المصير المأسوي الذي تعرض له البطل، بما يردع أي نزوع لتجاوز الحدود الطبقية أو الاجتماعية. فمصير “حميدة” يقدم خطاباً ضمنياً يعيد إنتاج منظومة القيم السائدة ويجعل الخروج عنها سقطة تستدعي العقاب.
لا يتعامل فيلم “زقاق المدق” مع تطلع “حميدة” إلى الخروج من الفقر كطموح مشروع أخطأت وسيلته، وإنما ينظر إليه كنوع من الاعتراض على المصير العقابي الذي تنتهي إليه الشخصية. ويتكرر هذا التصور في خط “حسين كرشة”، الذي يغادر الحارة سعياً إلى تحسين وضعه، لكنه يعود مهزوماً بعد أن يتخلى عنه الإنجليز، في إشارة إلى فشل محاولة الانفلات من الإطار الاجتماعي المفروض. في المقابل، ينتصر الفيلم لشخصية “عباس الحلو”، النموذج القنوع الراضي بما في يده.
سيطرة الرواية
كتب سيناريو “بين القصرين” يوسف جوهر (1912- 2001م)، ويبدو أن الفيلم خضع في كثير من تفاصيله لسلطة رواية نجيب محفوظ، وهو ما انعكس سلباً على بنائه الدرامي. فبدلاً من إعادة تشكيل المادة السردية بما يتناسب مع طبيعة السينما، جاء العمل مثقلاً بتفاصيل متشعبة وشخصيات عديدة لم تتح لها المساحة الكافية لتتبلور درامياً، مما أضعف من حضورها وأثرها.
ويعاني الفيلم قفزات زمنية واسعة تربك الإيقاع، وانتقالات حادة بين مشاهد متباينة النبرة، تتراوح بين الجاد والخفيف من دون تمهيد كاف، ويزداد هذا التشتت مع تذبذب البؤرة الدرامية. ففي بعض المقاطع يتصدر “السيد أحمد عبدالجواد” المشهد كمحور الحكاية، بينما تنتقل البطولة في مقاطع أخرى إلى “فهمي عبدالجواد”، الثائر الذي ينتهي شهيداً، من دون أن يبنى الخط السردي بصورة متوازية تربط بين المسارين. فظهر الفيلم أقرب إلى مقاطع متجاورة، منه إلى بناء درامي متماسك. وهو إشكال شائع عند تحويل الروايات الكبرى إلى أفلام، نتيجة لغياب الاختزال الذكي والحرص على إظهار أكبر قدر من مشاهد الرواية المنقول عنها.
خلفية مسرحية
جاء السيناريو والحوار في “بين القصرين” بتوقيع محمد مصطفى سامي، (1910- 1980) قريباً في معالجته من مدرسة سعد الدين وهبة الدرامية، خصوصاً في ميله إلى البناء الحواري المكثف والاهتمام بالتشكيل النفسي للشخصيات. وهو تأثر نابع من خلفيته المسرحية، إذ عمل ممثلاً في فرقة عزيز عيد وكتب عدداً من المسرحيات.
وتتجلى هذه المعالجة الدرامية القادمة من عالم المسرح في علاقة “السيد عبدالجود” بعشقيته “زنوبة” التي تصغره في السن، يقع في شباكها وينفق عليها إلى الحد الذي يجعله يقف على حافة الإفلاس، وفي النهاية تتخلى عنه، ويعرف أنها تخونه مع ابنه الأكبر “ياسين”. ويتأكد الطابع المسرحي في خلق الذروة الدرامية عندما يمرض “السيد عبدالجواد” ويأتي “ياسين” بزوجته إلى عيادة أبيه في سرير مرضه، ليقدم حسن الإمام واحداً من المشاهد ذات البعد الدرامي العميق. وقد اعتمد على المرآة لإبراز تعبيرات الوجه في لقطة واحدة تجمع بين “السيد” وعشيقته زوجة ابنه “زنوبة”. فبدلاً من اللجوء إلى التقطيع، يكتفي بالكادر المركب الذي يضم الحضور المباشر والانعكاس معاً، في مواجهة مزدوجة تكشف عن التوتر الداخلي للشخصيتين وكيف انعكس في أدائهما.
ويظهر البعد المسرحي كذلك في تعميق الصراع الداخلي أكثر من الاعتماد على الفعل الخارجي، فيميل “قصر الشوق” إلى التركيز على البعد الفكري والنفسي للشخصيات، على حساب إيقاع تتالي المشاهد.
أبعاد رمزية
كتب خاتمة الثلاثية السينمائية ممدوح الليثي (1937- 2014) برؤية مغايرة عما سبقها، إذ مال إلى توظيف تقنية الراوي وبناء المشاهد على الثنائيات التي تكشف عن صراع الأجيال والتحولات الاجتماعية، ولم يعتمد على حبكة درامية مسرحية، وهذا الاختيار أعطى “السكرية” طابعاً تأملياً. ويتجلى هذا المنحى في التركيز على الثنائيات السياسية، خصوصاً عبر شخصيتي “منعم شوكت”، و”أحمد شوكت”، اللذين ينتميان إلى اتجاهين أيديولوجيين متعارضين، أحدهما ديني والآخر لا ديني. كما تظهر شخصية “رضوان” باعتباره نموذجاً للانتهازية السياسية، فيما يظل “كمال” على محبته لزعيم حزب الوفد آنذاك مصطفى النحاس.
وحمل الفيلم أبعاداً رمزية، مثل زواج “منعم” من ابنة “عيشة عبدالجواد”، ثم موتها أثناء الوضع في إشارة دلالية إلى تعثر الامتداد، خصوصاً من “عيشة” التي يرسمها الفيلم في صورة ملائكية. ويكشف الفيلم عن تحول “منعم” السلوكي حين حلق لحيته إرضاء لحبيته ابنة “زنوبة”، مما يدل على ضعف انتمائه الأيديولوجي.
خلل فني
يظهر في “السكرية” أحد أبرز مواطن الخلل الناتجة من تعدد كتاب السيناريو، إذ يعيد تقديم اكتشاف كمال لطبيعة والده السيد أحمد عبدالجواد أنه من أهل الطرب والأنس، وكأنها صدمة أولى. هذا على رغم أن هذه الحقيقة كانت قد انكشفت له في “قصر الشوق”، وقد أدى الانكشاف إلى غياب الاتساق الداخلي بين الأجزاء.
امتد التفاوت في الرؤى، من مستوى الكتابة إلى اختيارات الممثلين، ويتجلى في شخصية “زبيدة”، التي أدت دورها مها صبري في الجزء الأول. ثم عادت الممثلة نفسها في الجزء الثالث لتجسيد شخصية “زنوبة”، بينما أسند دور “زبيدة” إلى نجوى فؤاد.
وعندما حاول المخرج استعادة شخصية “زبيدة” عبر تقنية الفلاش باك في “السكرية”، اختلق مشهداً تظهر فيه نجوى فؤاد مع السيد عبدالجواد ولم يستدع صورة “زبيدة”، كما تجلت في «قصر الشوق». أي أعاد تشكيلها بوجه جديد، نتيجة لانشغال مها صبري بدور آخر داخل العمل نفسه. وهذا ما يجعل المشاهد يتساءل عن هوية هذا الوجه التي لم يره من قبل، وفي الوقت نفسه تربطه علاقة قوية بالسيد أحمد وقد أتت إليه تشكو من جور الزمان عليها وتغوله.
فساد سياسي
تظهر بصمة المخرج في العناصر المشتركة بين الأفلام الأربعة في الموازنة بين عالم الليل ورصد الجانب السياسي والاجتماعي الذي مرت به مصر، ففي “زقاق المدق” يظهر المرشح الجاهل الذي يدعو أهل الحارة إلى انتخابه. وكذلك الفساد الاجتماعي عبر القواد الذي يصطاد الفتيات الطامعات في تجاوز السلم الطبقي، وفي “قصر الشوق” يحضر الزخم السياسي عبر ثورة 1919، فيما يرصد “بين القصرين” التحول الاجتماعي عبر الانتقال من حي الحسين الشعبي إلى حي العباسية، الوجهة الجديدة في ذلك الوقت للطبقة المتوسطة، حينذاك ظهر جيل جديد من المتعلمين والصراع بين حزبي “الوفد” و”الأحرار الدستوريين”.
حيل إخراجية
ومن أكثر الأفلام التي ظهرت فيها الحيل الإخراجية، هو «السكرية»، إذ يعتمد حسن الإمام على عدد من التقنيات التي تكسر خط السرد التقليدي. ومنها الفلاش باك الذي يعيد استدعاء لحظات سابقة ويضعها في مواجهة الحاضر، ربما لخلق إحساس بتراكم الزمن داخل العمل. ويبرز توظيف الصحف كعنصر بصري دال، إذ تتخلل مشاهد الرقص لقطات لعناوين تتناول الحرب العالمية والصراعات السياسية، في مفارقة بين عالم اللهو الخاص واضطراب الواقع العام.
أولى حسن الإمام عناية خاصة بخلفية الكادر، ففي «بين القصرين» تحضر صورة سعد زغلول في الفضاء العام معلقة في المحال والبيوت، فيبرز حضوره الطاغي في الوجدان الشعبي خلال تلك المرحلة، ويتسلل إلى فضاءات التنظيمات السرية المناهضة للاحتلال. ويمتد هذا الاشتغال في «السكرية» عبر العبارات المكتوبة على الجدران، ومنها عبارة “الأرض لمن يزرعها”، التي تظهر في مكتب “أحمد شوكت”، لتكشف دلالياً عن انتمائه الفكري من دون حاجة إلى خطاب مباشر.
ركزت أفلام حسن الإمام على واحدة من مميزات أدب نجيب محفوظ، وهي قدرته على رصد التغيرات الاجتماعية التي لحقت بالمجتمع المصري. ويتجلى ذلك مثلاً في “زقاق المدق” في مشهد شاعر الربابة الذي يطرد من المقهى ويحل محله الراديو. وكذلك تحول مكانة منطقة الحسين باعتبارها وسط القاهرة إلى الأحياء الجديدة، التي تطمع “حميدة” أن تكون منها.
ومن الجدير ذكره أن حسن الإمام قدم أعمالاً أخرى مأخوذة عن نصوص لنجيب محفوظ، مثل فيلم “أميرة حبي أنا” المقتبس عن إحدى قصص مجموعة “المرايا”. وفيلم “عسل الحب المر” عن قصة من مجموعة “دنيا الله”، وفيلم “عصر الحب” عن رواية بالعنوان نفسه، وهكذا يكون صاحب أكبر رصيد من الأفلام المأخوذة عن أعمال لعميد الرواية العربية.
عبدالكريم الحجراوي – إندبندنت عربية



