ما الذي يبقى بعد الرحيل؟

كأن حياة الفهد لم تكن تمثل، بل كانت تعيش حيوات كثيرة، وتترك كل واحدة منها تمشي بين الناس.
كانت ذات مرة تلك الأم في «خالتي قماشة»، التي تخفي قلقها خلف حزم ظاهري، وتدير البيت كأنها تدير العالم كله.
ومرة أخرى، في «رقية وسبيكة»، وقفت في وجه الزمن، تحاول أن تبقي ملامحها الأولى حية، حتى وهي تتبدل أمامها.
وفي «قاصد خير»، كانت الطيبة تمشي على قدمين، لكنها تعرف جيدا أن الطريق ليس دائما رحيما، وأن النوايا البيضاء تختبر أكثر من غيرها.
وفي «جرح الزمن»، لم يكن الجرح مجرد حكاية، بل ذاكرة مفتوحة، تقول إن بعض الألم لا يشفى، بل يروى.
ثم في «سوق المقاصيص»، بدت الحياة أكثر صراحة، حيث الوجوه لا تتقن الأقنعة، والتفاصيل الصغيرة تقول كل شيء.
أما في «الخراز»، فكانت الحكاية أعمق روح ترقع ما تمزق في الآخرين، بينما تخبئ شقوقها بعيدا عن العيون.
وفي «ثمن عمري»، بدت الأسئلة أكثر قسوة: كم ندفع من أعمارنا لنفهم الحياة؟ وكم يتبقى لنا بعد أن نفهم؟
وفي «الشريب بزة»، مرت الحياة بخفة ظاهرة، لكن خلفها كانت تختبئ تلك المرارة القديمة التي تعرف طريقها إلى القلوب.
ثم جاءت «أم هارون»، كأنها تفتح باب الذاكرة كله، لتقول إن الإنسان في النهاية، هو الحكاية.. مهما اختلفت الأسماء وتبدلت الأزمنة.
هكذا بدت الرحلة.. كأن كل دور كان فصلا، وكل فصل كان عمرا، وكل عمر كان وجها لنا.
وحين رحلت، لم تغب امرأة واحدة.. بل غابت حياة كاملة، كانت تعاد بصيغ مختلفة، كل مرة على هيئة حكاية.
ومع ذلك.. بقيت في أم تشبهها دون أن تعرف، في وجع قديم يجد صوته فجأة، وفي مشهد صادق يعيدنا إلى أنفسنا دون استئذان.
هل كانت تمثل؟ أم كانت تعيدنا إلى واقعنا.. قطعة قطعة؟!
رحمك الله يا «أم سوزان».
مفرح الشمري – الأنباء الكويتية



