حين تكتب زها حديد قصيدتها الأخيرة: المسرح الملكي بالرباط بين ذاكرة الرافدين ونبض الأطلس
المسرح الملكي.. هذا الصرح لا يبدو مجرد فضاء للعروض، بل نصًا بصريًا مفتوحًا يروي حكاية توازن دقيق بين الجغرافيا والتاريخ، وبين الحداثة والجذور.

في الرباط، حيث يلتقي الأفق الأطلسي بذاكرة تاريخية ضاربة في العمق، ينهض المسرح الملكي بالرباط كعلامة معمارية تتجاوز حدود الشكل لتلامس جوهر الثقافة والهوية. وعلى ضفاف نهر أبي رقراق، لا يبدو هذا الصرح مجرد فضاء للعروض، بل نصًا بصريًا مفتوحًا يروي حكاية توازن دقيق بين الجغرافيا والتاريخ، وبين الحداثة والجذور.
منذ النظرة الأولى، يلفت الانتباه ذلك الانسياب المعماري الذي يميز المبنى؛ خطوط منحنية تتحرك بانسيابية، كأنها تتنفس وتتماهى مع محيطها الطبيعي. إنها لغة Zaha Hadid Architects التي أعادت تعريف العمارة ككائن حي، لا يفرض حضوره على المكان بل يتحاور معه. هنا، يستعير البناء إيقاعه من حركة المياه، ويستمد لغته من انحناءات النهر، في انسجام يختزل فلسفة معمارية كاملة.
هكذا، يقف المسرح الملكي بالرباط، لا كتحفة معمارية فحسب، بل كقصيدة من حجر وزجاج، كتبتها زها حديد بلغة المستقبل، ووقّعتها مدينة تعرف جيدًا كيف توائم بين جذورها العميقة وآفاقها المفتوحة.
يندرج المشروع ضمن رؤية ‘الرباط مدينة الأنوار’، وهي مبادرة طموحة لإعادة صياغة المشهد الحضري والثقافي للعاصمة المغربية. وفي هذا السياق، لا يظهر التعاون بين الخبرة الدولية والطموح المحلي كخيار تقني فحسب، بل كرهان ثقافي يعكس رغبة المغرب في ترسيخ موقعه ضمن خارطة الإبداع العالمي.
يمتد المسرح على مساحة تقارب سبع هكتارات، ويضم قاعة رئيسية تتسع لنحو 1900 متفرج، إضافة إلى مسرح خارجي يستوعب حوالي 7000 شخص. كما يحتضن فضاءات متعددة مخصصة للعروض الموسيقية والمسرحية والتجريبية، ما يجعله منصة ثقافية متكاملة تستجيب لتحولات الإبداع المعاصر. وبهذا، يتحول من مجرد فضاء للعرض إلى مختبر مفتوح لتلاقي الفنون وتفاعلها.
بلغ المشروع ذروته مع افتتاحه الرسمي في 22 أبريل/نيسان 2026، في حفل حمل دلالات تتجاوز البعد الاحتفالي إلى أفق رمزي أوسع. وقد ترأست الحدث الأميرة للا حسناء، بحضور الأميرة للا خديجة والأميرة للا مريم، إلى جانب بريجيت ماكرون، في مشهد يعكس تقاطع الثقافة بالدبلوماسية، والفن بما يُعرف اليوم بالقوة الناعمة.
لم يكن هذا الحضور النسائي الرفيع مجرد مشاركة بروتوكولية، بل حمل دلالات رمزية عميقة؛ إذ يعكس صورة المرأة المغربية والعربية بوصفها فاعلًا في الحقل الثقافي والحضاري، من العمارة التي جسدتها تجربة زها حديد، إلى مجالات الفكر والسياسة. وكأن هذا المشهد يؤكد أن الثقافة لم تعد شأنًا نخبوياً معزولًا، بل فضاءً مشتركًا تُصاغ فيه ملامح الحاضر والمستقبل.
أما إطلالة الأميرة للا خديجة، فقد أضفت على الحدث بُعدًا جماليًا لافتًا، في توازن بين أناقة هادئة وروح معاصرة تعكس هوية مغربية منفتحة وواثقة. لم يكن ذلك مجرد حضور بصري، بل تعبير ضمني عن ذائقة ترافق اللحظات الكبرى وتمنحها عمقًا رمزيًا يليق بمقامها.
بهذا المعنى، بدا حفل الافتتاح أكثر من مجرد تدشين لمعلمة جديدة؛ كان لحظة مكتملة تتقاطع فيها العمارة بالفن، والثقافة بالدبلوماسية، في مشهد يعكس قدرة الرباط على الاحتفاء بالإبداع في أرقى صوره.

لم يكن افتتاح المسرح الملكي حدثًا عابرًا، بل إعلانًا عن ميلاد فضاء يعيد تموضع الرباط على الخريطة الثقافية العالمية. وقد عكس البرنامج الفني لهذه المناسبة هذا الطموح، من خلال مزج متناغم بين التعبيرات الكلاسيكية وروح الإبداع المغربي، في لوحة متعددة الأبعاد تعكس هوية منفتحة تتغذى من تنوعها.
في هذا السياق، يتجاوز المسرح كونه مبنى ليغدو رمزًا لتحول أعمق؛ تحول تعيد فيه المدن العربية اكتشاف ذاتها عبر الثقافة، وتؤكد أن الفن ليس ترفًا، بل ضرورة حضارية. وكأن هذا الصرح، في انحناءاته وانسيابه، يروي حكاية لقاء بعيد بين بلاد الرافدين، حيث ولدت رؤية زها حديد، وجبال الأطلس حيث يقف المسرح اليوم شامخًا.
هكذا، يقف المسرح الملكي بالرباط، لا كتحفة معمارية فحسب، بل كقصيدة من حجر وزجاج، كتبتها زها حديد بلغة المستقبل، ووقّعتها مدينة تعرف جيدًا كيف توائم بين جذورها العميقة وآفاقها المفتوحة.
سمر القاسم – MEO



