“فومو” الإنسان عندما يفقد ذاته سعياً إلى “التريند”
مسرحية مصرية عن ولع الشباب بتوثيق اللحظة على حساب الخصوصية

ملخص
يقدم المخرج المصري أحمد السيد أبو موسى، العرض المسرحي (FOMO) “فومو” على خشبة مسرح الهناجر – دار الأوبرا، معتمداً على الذكاء الاصطناعي في صياغته، وإن ظل الجهد البشري صاحب النصيب الأكبر في العرض.
لعل الهوس بالشهرة، والسعي إلى حصد المال بسهولة، من خلال صناعة المحتوى على وسائل التواصل الاجتماعي، بات أمراً واقعاً ومقلقاً، بخاصة في أوساط الشباب، الذين يمضون غالب أوقاتهم أمام الشاشات الزرقاء، في صناعة المحتوى، يسعون من خلاله إلى تحقيق “التريند” وحصد الإعجاب والمشاركة، مما يتيح لهم كسب الأموال.
هناك بالتأكيد بعض صناع المحتوى، على مستوى العالم، الذين يقدمون أشياء مفيدة ومهمة، ولهم متابعون كثر، لكن هناك، في المقابل، آلاف، وربما ملايين، يقدمون محتوى فارغاً، لا يطور وعياً، أو ينمي ثقافة، أو يضيف جديداً، والغريب أن هؤلاء هم الأكثر شهرة وثراء، والأكثر حصداً للمتابعين.
إن من يتابع وسائل التواصل الاجتماعي، في الأعوام الأخيرة، وأخبار المؤثرين وصناع المحتوى، وتطبيقات المراهنات أو التحديات، لا بد من أن يصيبه الهلع من حال التردي التي باتت عليها هذه الوسائل، وتأثيراتها السلبية في المجتمعات، بما تبثه من محتوى يعمل على تسطيح العقول، وإزاحة كل ما من شأنه ترقية الوعي وتطويره.
انتصار التفاهة
لعلها فكرة “انتصار التفاهة” التي تحدث عنها المفكر الكندي آلان دونو، في كتابه “نظام التفاهة” الذي حذر فيه من تحول التفاهة إلى نظام عالمي ونمط حياة.
لا يقتصر الأمر هنا على سيطرة السطحيين والتافهين على صناعة القرار في كثير من دول العالم، بل إن كل شيء تافه ورديء، سواء كان محتوى على وسائل التواصل الاجتماعي، أو كتاباً، أو عملاً فنياً، أصبح متصدراً المشهد، وأصبح صناعه يحظون بشهرة تزيح في طريقها كل عمل أو شخص جاد.
هذه الحال التي باتت منتشرة، مثل الورم الخبيث، في غالبية دول العالم، لا في مصر أو الوطن العربي فحسب، ولا شأن لها بالوضع الاقتصادي في ما أظن، حيث تنتشر في المجتمعات الغنية والفقيرة على حد سواء، قدمها المخرج أحمد السيد أبو موسى، دراماتورجيا محيي الدين يحيى، في عرض مسرحي، على مركز الهناجر بدار الأوبرا، بعنوان “FOMO” وهو مصطلح يعرفه رواد “السوشيال ميديا”، ويعد اختصاراً لكلمة “Fear Of Missing Out” ومعناه بالعربية الخوف من فوات الشيء، فتوثيق اللحظة وبثها، سواء عبر الصورة أو الفيديو، هو أهم ما يشغل الشباب الآن، أما لو فاته شيء فيشعر بالندم والخسارة، وهو ما يطلق عليه “FOMO”.
ذكاء اصطناعي
ولأنه عرض حول “السوشيال ميديا” وأخطارها، فقد كان طبيعياً أن يلجأ صناعه إلى الذكاء الاصطناعي وبرامجه المختلفة، ليستقوا منها مادتهم ومصطلحاتهم وبعض الأفكار المتعلقة بهذا العالم، وهو ما يطرح السؤال حول حدود الاستعانة بالذكاء الاصطناعي في تقديم عمل فني، وظني أن الاستعانة هنا كانت ضرورية وموظفة في خدمة العمل، بخاصة أن الجهد البشري احتل المساحة الكبرى، وإن شاب التنفيذ بعض المشكلات المتعلقة بصورة العرض، تلك الصورة التي بدت فقيرة في بعض الأحيان، نظراً إلى عدم توافر أجهزة تقنية تتيح لهم تنفيذها على نحو تبدو فيه مناسبة لأجواء العرض، ولعلها مشكلة إدارة مركز الهناجر، لا مشكلة صناع العرض.
بعيداً من فكرة الصورة، قاد المخرج 25 ممثلاً وممثلة، جميعهم من الشباب، في عرض يعتمد على وحدات درامية صغرى، تستقل كل واحدة بذاتها، وإن ربطها خيط واحد، ربما ذلك الذي يسيطر، من خلف الشاشات، على صناع المحتوى، بتعليماته وإغراءاته، ويحرك الجميع كما لو كانوا عرائس ماريونيت، يتلاعب بها كيفما شاء.
قدم العرض حالات عدة لصناع المحتوى، من خلال حكايات بسيطة، ربما نشاهد معظمها، منها هذا الشاب الذي يجبر والدته العجوز على الرقص أمام الكاميرا، ليحصد أكبر عدد من المشاهدات والتعليقات، أو ذلك الشاب الذي يلتقط صورة لحبيبته وهو في وضع ساخن معها، من دون إرادتها، استجابة لطلب التطبيق الذي يعمل عليه، أو تلك الفتاة التي تحكي قصة اغتصاب والدها لها، في حين أن والدها متوفى أصلاً، وغيرها من الحكايات التي تحفل بها وسائل التواصل الاجتماعي.
الكرامة المفقودة
إن الشعار الذي يرفعه غالبية صناع المحتوى هو التضحية، لكن التضحية هنا ليست بالوقت أو الجهد، بل بالخصوصية، والكرامة، وأي شيء من أجل التريند.
في الوقت نفسه يصاب الشاعر، والكاتب، والمسرحي، والمثقف عموماً، بالإحباط، فمهما قدم من محتوى جيد وجاد، فإن عدد متابعيه لا يتجاوز المئات، في حين يصل هذا العدد إلى الملايين عند مقدمي التفاهات والأكاذيب.
حتى أولئك الذين يرفعون شعارات تحرير المرأة، والثورة على المجتمع الذكوري، ومناهضة التحرش، كما يصورهم العرض، ليسوا كذلك على المستوى الشخصي، هي مجرد أقنعة لجذب المتابعين، ليس لأن العرض يرفض هذه الشعارات، أو ينتصر للمجتمع الذكوري، بخاصة أنه قدم هذه الحالات في إطار ساخر، لكنه هنا، في ظني، يفضح المدعين والمتاجرين بقضايا المرأة، وربما ما شهدته مصر خلال الفترة الأخيرة من قضايا تحرش، كان أبطالها من رافعي شعارات تحرير المرأة من سلطة المجتمع الذكوري، ما يؤكد ذلك التناقض الصارخ بين شعاراتهم وممارساتهم على أرض الواقع، ويدعم وجهة نظر العرض في اعتبارهم مجرد مدعين، لا قضية لهم أساساً، وأن المسألة برمتها “أكل عيش” كما يقولون.
صياغة ذكية
تجاوز العرض فكرة التعليمية أو التوعية المباشرة التي لا مكان لها في المسرح، وجاء في صياغة فنية ذكية، من خلال تقديمه حالات وعلاقات متنوعة، تسفه غالبيتها كل ما هو جاد، الشعر والأدب والمسرح، وحتى ممارسة الرياضة، مراعية طبيعة كل شخصية، فالشاعر في حركته واستخدام جهازه الصوتي، وحتى في بنيانه الجسدي، يختلف تماماً عن ذلك الشاب الانتهازي الذي يستغل والدته العجوز في صناعة محتوى يشاهده الملايين، وهكذا في كل الحالات، مراعاة لطبيعتها ودوافعها، وتوظيف جيد لإمكانات من يقدمونها.
لا ديكورات تقريباً (تصميم آية عماد) المسرح أشبه بغرفة مفتوح ضلعها الرابع على الجمهور، تم تحديدها من الجانبين بستائر بيضاء، وفي العمق مستوى على هيئة مدرج، وشاشة عرض تقدم المحتوى الذي يصوره الممثلون، أو تعكس بعض المشاهد المتعلقة بموضوع العرض، ومجموعة من المقاعد منتشرة هنا وهناك، ربما لو توافرت الإمكانات من إضاءة وفيديو بروجيكتور، لجاءت الصورة على نحو أفضل وأكثر تأثيراً، وإن حاول مصمم الإضاءة (أبو بكر الشريف) بخبرته تعويض ذلك النقص قدر الاستطاعة.
ثمة أغان (تأليف ضياء الرحمن، موسيقى أحمد حسني) جمعت بين الرومانسي والشعبي والراب، مخاطبة فئة الشباب بلغتهم، وموظفة في بنية العرض والربط بين وحداته، وإن شاب الأشعار كثير من عيوب الوزن والقافية. هناك أيضاً استعراضات (تصميم سالي أحمد) راعت فيها كون الشباب ممثلين لا راقصين، فجاءت بسيطة، يسهل أداؤها من دون ارتباكات تؤثر في إيقاع العرض.
صناعة المحتوى، التي أصبحت مهنة من لا مهنة له، وبات تأثير جانب كبير منها، مدمراً للمجتمع، هي قضية الساعة، وأن يتصدى المسرح لمناقشتها، وبيان أثرها السلبي في المجتمع، بشكل فني فيه من عناصر المتعة الفكرية والجمالية كثير، لهو أمر يحمد لصناع العرض، حتى لو شاب التنفيذ بعض المشكلات بسبب عدم توافر الأجهزة، التي تمكنهم من إطلاق خيالهم إلى نهاية الشوط.
يسري حسان – إندبندنت عربية



