“أمير الغناء العربي” يترجل عن حصان الفن والإبداع
هاني شاكر.. ستة عقود من الأغاني الناجحة رافقتها تجربة نقابية لحماية هوية الموسيقى العربية

بعد ستة عقود من الإبداع الفني، وعن سن ناهزت 74 عاما، ترجل “أمير الغناء العربي” هاني شاكر عن حصان الموسيقى العربية، مُسكِتا صوته المميز وطاويا صفحة لآخر أعلام الزمن الجميل.
بعد أزمة صحية ألمت به قبل أسابيع، ونقله للعلاج في باريس، وشائعات عن وفاته، تأكدت اليوم وفاة الفنان المصري، حيث أعلن نجله شريف خبر الوفاة عبر حساباته الشخصية على مواقع التواصل الاجتماعي. وكتب شريف: “بقلوب مؤمنة بقضاء الله وقدره، أنعي والدي وصديقي وظهري وسندي وحبيبي، وأخويا، فقيد الوطن العربي أمير الغناء العربي هاني شاكر”. كما أضاف أنه “لم يفقد أباً فقط، بل فقد روحه وأقرب إنسان إلى قلبه”. وختم كاتباً: “اللهم ارحمه واغفر له واجعل مثواه الجنة.. إنا لله وإنا إليه راجعون”.
وكان شاكر تعرض لأزمة صحية شديدة خلال الأسابيع الماضية بعد خضوعه لجراحة استئصال القولون بالقاهرة، ما أدى إلى تدهور حالته. فقررت أسرته نقله إلى باريس لاستكمال علاجه. ثم تحسنت حالته بعدها بشكل ملحوظ، إلا أنه تعرض لانتكاسة طارئة استدعت دخوله غرفة العناية المركزة، وظل لأيام يصارع الموت حتى لفظ أنفاسه الأخيرة اليوم.
بدأ هاني شاكر المولود في ديسمبر عام 1952، مشواره الفني في سن مبكرة، حيث ظهرت موهبته الغنائية بوضوح منذ طفولته، قبل أن يسطع نجمه في سبعينيات القرن الماضي مع انطلاقة حقيقية وضعته في مصاف نجوم الطرب في جيله.
كانت بداية ظهور موهبته في فيلم “سيد درويش” عام 1966 من إخراج أحمد بدرخان، والذي أدى فيه دور سيد درويش في صغره، ظهر بعد ذلك مع العندليب عبد الحليم حافظ في أغنية “بالأحضان” حيث كان من ضمن الكورال.
بدأت مسيرته الفعلية في السبعينيات، في وقت كان يشهد تحولات جذرية في الذوق الموسيقي، لكنه استطاع بصوته العذب وإحساسه الصادق وشخصيته المميزة أن يجذب انتباه الكبار، وعلى رأسهم العندليب الأسمر الذي رأى فيه موهبة استثنائية.
وكان الموسيقار محمد الموجي أول من اكتشف رسميا صوت هاني شاكر وذلك عام 1972 عندما غنى له أول أغنية بعنوان “حلوة يا دنيا”، والتي قدم بها الموجي هاني شاكر للجمهور لأول مرة في حفلة أقيمت في ديسمبر 1972 بمناسبة ميلاده العشرين. قيل أن هذه الأغنية بعدما سمعها الناس في الإذاعة اعتقدوا أنها أغنية جديدة لعبد الحليم حافظ.
اتجه هاني بعدها إلى السينما عام 1973 وشارك في فيلم “عندما يغني الحب” مع عادل إمام وصفاء أبوالسعود.

كان عام 1974 مميزا في مسيرة هاني شاكر الفنية إذ قدم مسرحية “سندريلا والمداح” وشارك في فيلم “عايشين للحب”، كما أطلق أول ألبوم غنائي له بعنوان “كده برضو يا قمر” الذي ضم 5 أغانٍ منها أغنية الموجي “حلوة يا دنيا” والأغنية التي تحمل اسم الألبوم والتي تعتبر الأغنية التي عرفت هاني شاكر بالجمهور.
قدم شاكر خلال مسيرته مئات الأغنيات التي أصبحت علامات مسجلة في ذاكرة الحب والفراق، مثل “كده برضو يا قمر”، “عيد ميلاد جرحي أنا”، “نسيانك صعب أكيد”، و”لو بتحب”، “ياريتني” و”لسة بتسألي”، لكنه لم يكتفِ هاني بالأغاني العاطفية، بل قدم الأغاني الوطنية والدينية بصدق عالٍ، وظل طوال مسيرته محافظا على “هيبة” الفنان المصري والعربي الوفي للكلمة واللحن العذبين، مترفعا عن المهاترات، وساعيا لتطوير الموسيقى العربية مع الحفاظ على هويتها الأصيلة، وهو ما تجلى أيضا خلال فترة توليه منصب نقيب المهن الموسيقية، بين عامي 2015 و2019، حيث خاض معارك عديدة للحفاظ على الذوق العام.
تميز صوته بنبرة دافئة وإحساس عال، ما جعله قريبا من جمهور واسع يبحث عن الأغنية الوجدانية التي تمس القلب وتحرك العواطف، فارتبط اسمه بأعمال أصبحت لاحقا جزءا من ذاكرة الغناء العربي.
ولطالما كان الكثير من محبي الفن العربي يعتبرون الفنان هاني شاكر الركن الهادئ والرصين في الأغنية العربية. وبعد مسيرة حافلة، لقب بـ “أمير الغناء العربي”، ليس فقط لجمال صوته وقوته، بل لالتزامه بتقديم فن راقٍ يجعله في مصاف “الأمراء”، فن يلمس الوجدان دون صخب، مما جعله امتدادا طبيعيا لجيل عمالقة الموسيقى العربية أمثال محمد عبدالوهاب وعبدالحليم حافظ، الذين عاصرهم في بداياته.
وإلى جانب مشواره الفني والنقابي، كان لهاني شاكر دور فاعل في اكتشاف المواهب الفنية العربية، حيث شارك في نوفمبر 2020 كعضو لجنة تحكيم برنامج اكتشاف المواهب “ذا فويس: أحلى صوت” على شاشة “إم بي سي”. كما شارك في برنامج “صوت الحياة” ضمن لجنة التحكيم، بالاشتراك مع الفنانة سميرة سعيد والملحن الراحل حلمي بكر على شاشة قناة الحياة المصرية.
وللفنان جمهور كبير، علاقته به ليست مجرد علاقة “معجب بفنان”، بل هي علاقة عائلية بامتياز، هذا الجمهور الذي شاركه أحزانه الكبرى، لاسيما عند رحيل ابنته دينا، ظل سندا له في كل عثرة، وفي أزمته الصحية الأخيرة انتفضت منصات التواصل الاجتماعي بآلاف الدعوات الصادقة. كان القلق يسيطر على محبيه في كل أرجاء الوطن العربي، حيث تضرع الجميع لله أن يمنّ عليه بالشفاء، ليعود ويصدح بصوته الذي يحبونه.
تبدو أغنياته لمن يحبها، كرسائل عشق وحب وألم، وبعضها رسائل أمل وتأمل في المستقبل. إحدى أغنياته التي قدمها عام 1996، تحمل عنوان “ليه ما نحلمشي”، وتأتينا كأنها سؤال “لماذا لا نحلم” وليست مجرد جملة عابرة، إنها دعوة مفتوحة لأن نخفف عن قلوبنا ثقل الواقع، وأن نمنح أنفسنا حقّ التخيّل والحلم ولو للحظة. والحلم هنا ليس دعوة للهروب من الواقع وإنما مساحة صغيرة من الأمل نعيد فيها ترتيب ما بعثرته الأيام، ونمنح أرواحنا فرصة أن تتنفس بعيدا عن القيود. الأغنية تهمس لنا: “بحلم نكون في زمان فيه الليالي أمان.. ولا تبقى فيه أحزان ونعيش ما نندمش”. هكذا يرحل المبدعون ويتركون كلماتهم وأغنياتهم، تذكرنا أن لا خلل في أن نجرؤ على الحلم.
واليوم أيضا تغادرنا ضحكته، وهو الذي غنى “علي الضحكاية علي”، وكانت هذه الأغنية وكأنها تلتقط الجانب الخفي من شخصية الفنان، الذي ارتبط اسمه في الوجدان العربي بالأغاني العاطفية الحزينة وصوت الشجن الممتد عبر أكثر من ستة عقود. غير أن ما لا يظهر كثيرا خلف هذه الصورة الفنية هو شخصية مختلفة تماما، أقرب إلى البهجة وخفة الظل المصرية. تلك الشخصية التي تميز الفنان ظهرت للعلن واكتشفها جمهوره أكثر مع انتشار مقاطع فيديو له مؤخرا، تبرز حبه للضحك والمزاح.
هاني شاكر، رغم عمق تجربته في الغناء الرومانسي الحزين، معروف في الوسط الفني بروحه المرحة وحضوره الخفيف وقدرته على بثّ الألفة والضحك في محيطه. من هنا تبدو أغنيته “علي الضحكاية” كأنها مرآة موازية له، تكشف تلك المسافة بين الفنان الذي يغني للألم، والإنسان الذي يحب الحياة ويجيد الضحك ويحتفي بتفاصيلها البسيطة بخفة دم.
وبوفاته اليوم، تفقد مصر والعالم العربي واحدا من أنبل فرسان الكلمة والنغم، لكن عزاءه جمهوره الوحيد هو أن المبدعين لا يرحلون تماما فهم يظلون أحياء ما دامت أغنياتهم خالدة.
حنان مبروك – صحيفة العرب



