الفنون المسرحية هي الذاكرة الحية للشعوب، وتظل النصوص الكلاسيكية والروائع التي قُدمت على خشبة المسرح محفورة في وجدان الجمهور لعقود طويلة.
ومع تسارع وتيرة التطور التكنولوجي وتغير الذائقة الفنية، برز أخيراً اتجاه قوي نحو إعادة تقديم هذه الأعمال الخالدة برؤى عصرية، ما أثار حالة من الجدل الفني والثقافي حول جدوى استنساخ نجاحات الماضي في زمن مختلف تماماً.
صراع الهوية
هذا التوجه لم يقتصر على كونه محاولة لاستعادة «الزمن الجميل» فحسب، بل صار يعكس صراعاً بين الرغبة في الحفاظ على الهوية المسرحية وبين الخوف من فقدان بريق العمل الأصلي، فبينما يرى البعض أن المسرح فن يتجدد ولا يموت، يعتقد آخرون أن لبعض الأعمال قدسية خاصة ترتبط بظروف زمانها وعبقرية أبطالها الأوائل، وهو ما يجعل مغامرة الإعادة سلاحاً ذا حدين.
تجسد هذا الجدل بوضوح في الآونة الأخيرة من خلال العودة المكثفة لتقديم نصوص شهيرة، لعل أبرزها ما أثير حول إعادة تقديم مسرحية «الواد سيد الشغال».
هذه الخطوة التي تصدى لها الفنان تامر عبدالمنعم أشعلت منصات التواصل الاجتماعي في مصر، وتصدرت «الترند» لفترة طويلة، خاصة مع محاولات محاكاة أداء «الزعيم» عادل إمام، ما فتح الباب على مصراعيه أمام تساؤلات الجمهور حول حدود التقليد والإبداع.
ينقسم الجمهور أمام هذه التجارب إلى فريقين؛ فريق يؤيد الفكرة ويرى فيها فرصة للأجيال الجديدة لمشاهدة كنوز المسرح برؤية تقنية ومعاصرة، وفريق آخر يرفضها بشدة بدافع «النوستالجيا»، حيث يضع الفنانين الجدد دائماً في مقارنة ظالمة مع العمالقة، معتبرين أن روح العمل ترتبط بمؤديه الأصلي، وأن أي محاولة لمحاكاته قد تقع في فخ التكرار الباهت الذي يفتقر للروح.
ظاهرة عالمية
وفي هذا السياق، تؤكد الناقدة الفنية فايزة هنداوي أن فكرة إعادة تقديم الأعمال القديمة ليست حكراً على مصر، بل هي ظاهرة عالمية تشمل روائع مثل «هاملت» و«روميو وجوليت» و«الملك لير»، والتي ما زالت تعرض حتى اليوم لقيمتها الفنية العالية.
وتوضح فايزة هنداوي أن المناخ المسرحي الصحي يتطلب الحفاظ على هذه الأعمال كما هي، أو جعلها عصرية لتناسب قضايا العصر، أو حتى تقديمها برؤية كتابية مبتكرة، مؤكدة أن غياب أي من هذه العناصر هو ما يخلق المشكلة الحقيقية.
شرط التطور
من جانبه، يضع الناقد إسماعيل يوسف شرطاً أساسياً لنجاح هذه التجارب، مشيراً في حديثه إلى أن عملية الإعادة تكون مقبولة ومطلوبة فقط إذا تضمنت تطوراً حقيقياً يواكب الوقت والأحداث الحالية.
ويضيف أن المسرح في نظره يجب أن يتنفس برئة العصر الذي يُعرض فيه، فإذا نجح العرض في ملامسة واقعنا المعاصر مع الحفاظ على جوهر النص، حينها يمكن القول إن التجربة حققت هدفها الفني.
لمياء علي – البيان