توفيق قادربوه: المونودراما فن الكتابة الناضجة لكنها لا تسع الواقع الليبي
فنان يبني جسور الإبداع بين ليبيا وتونس مراهنا على أن الفن رسالة خالدة

في سياق مسرح عربي يتنامى فيه الاهتمام بتجارب المسرح الفردي، يبرز اسم المسرحي الليبي توفيق قادربوه كأحد الأصوات التي تجمع بين الممارسة الفنية والتكوين الأكاديمي والانخراط في الفعل الثقافي العربي المشترك. من خلال مشاركته في مهرجانات وورشات دولية بين ليبيا وتونس، يواصل قادربوه طرح أسئلة المسرح وإشكالاته، واضعا المونودراما في قلب النقاش حول حدود التعبير الفني وقدرته على مقاربة الواقع.
في حراك مسرحي عربي متجدد، يبرز اسم الفنان الليبي توفيق قادربوه كأحد الأصوات الساعية إلى ترسيخ فن المسرح بكل أنماطه، ومن بينها المونودراما، وتطوير أدواته لدى الأجيال الصاعدة.
مؤخرا شارك قادربوه في المهرجان الدولي الجامعي للمونودراما بسيدي بوزيد، وهي مشاركة لا يكتفي خلالها بالحضور كفنان، بل ينخرط في تجربة مزدوجة تجمع بين مشاركته فنانا مسرحيا ليبيا له تجربته الخاصة وبين قيادته ورشة تكوينية، حاملا رؤيته لفن مسرحي دقيق يتطلب نضجا ووعيا عميقين.
وبين الورشات التدريبية والنقاشات الفكرية، تتجلى هذه المشاركة كمساحة لتبادل الخبرات وتعزيز الحوار الثقافي، بما يعكس إيمانا راسخا بأن المسرح ليس مجرد عرض، بل رسالة ومعرفة تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من الخشبة.
أطر قادربوه ورشة تكوينية متخصصة ضمن الدورة العاشرة للمهرجان الدولي الجامعي للمونودراما بسيدي بوزيد التي انعقدت من 22 إلى 27 أبريل الجاري، بعنوان “أساسيات كتابة نص المونودراما: من الفكرة إلى العرض”، وتهدف هذه الورشة إلى تمكين المسرحيين الشباب والطلبة من أدوات الكتابة لهذا الفن الصعب الذي يعتمد على الممثل الواحد، ومرافقتهم في رحلة تحويل الأفكار المجردة إلى نصوص درامية قابلة للتجسيد على الخشبة.
المسرح الليبي يحتاج إلى أن توليه الدولة اهتماما أكبر وتفتح له معاهد متخصصة وتبني المسارح وتستثمر في المواهب
وفي حواره يقول قادربوه “مشاركتي في ورشة كتابة الدراما في المهرجان الدولي الجامعي للمونودراما بسيدي بوزيد، كانت ورشة خلاقة ومهمة وقيمة. والاحتكاك بالمصنع المسرحي التونسي الذي هو حقيقة المسرح الرائد عربيا، أضاف لي الكثير على الصعيد الشخصي، وعلى الصعيد الإنساني وعلى الصعيد الفكري، وحرصت على نقل أبرز الأفكار والتقنيات للمشاركين الشغوفين بالكتابة، وهم من جنسيات مختلفة من فلسطين والمغرب وليبيا والجزائر، طبعا ومن تونس، شباب وشابات حالمين بالكتابة وشغف الكتابة”.
ويشرح “حاولت أن أقدم مجموعة من التقنيات والأسس في كتابة المونودراما، وهي أيضا محاولة لكسر الرتابة والجمود في هذا الفن، عن طريق كتابة تكون فيها بعض الأساسيات المهمة في هذا الاختصاص. لمست اختلافا كبيرا في المقاربات لدى المتدربين، هناك من هو قادم من خلفية شعرية ومن قادم من خلفية صحفية وهناك من خلفية إدارية، لكنهم جميعا يحبون الكتابة بشكل أو بآخر”.
قادربوه يعد من الأصوات الإبداعية المخضرمة التي تتقن كتابة المسرح ونظم الشعر، والتي راهنت على المسرح بوصفه فضاء للتجريب والتفكير أكثر من كونه مجرد عرض فني ترفيهي. تنوّعت تجاربه بين الإخراج والكتابة، غير أن انشغاله الأكبر ظل موجها نحو البحث في أشكال مسرحية مكثفة، وجد فيها مساحة لطرح الأسئلة الوجودية والإنسانية انطلاقا من الواقع الليبي. وقد عُرف بقدرته على الاشتغال على التفاصيل الدقيقة للغة المسرحية، وبناء العوالم الدرامية التي تقوم على الاقتصاد في الوسائل والعمق في الدلالة.
وفي حديث عن المونودراما كنمط مسرحي يستسهل بعض المسرحيين العمل عليه سواء كانوا مؤلفين أو ممثلين، يمتلك قادربوه رؤيته الخاصة لهذا النوع المسرحي حيث يقول “بالنسبة لي كتابة المونودراما أراها كتابة متخصصة، تأتي بعد نضج، ليست كتابة سهلة ولا استسهالية مع أن الكثيرين يرون فن كتابة المونودراما فن الاستسهال وفنا رخيصا وفن النخبة الكريهة وفن النشاز، لكنني أعتبرها فن الكتابة الناضجة، فنا يقدمه ممثل ناضج ويمتلك أدوات وبعد مسيرة مهمة”.
ويرى أن “أبرز التحديات التي قد يواجهها كاتب هذا النمط المسرحي هو وقوعه في الملل والرتابة وفي السرد، وأن يكون أشبه بكاتب مقال لا بكاتب نص مسرحي”.
وفي إطار حديثنا عن المسرح والمونودراما، يجدر التذكير بأن المسرح في ليبيا هو أحد الفنون التي عرفت حضورا متقطعا لكنه ظلّ حاملا لروح التجربة والبحث، إذ ارتبط تطوره بالتحولات الاجتماعية والسياسية التي مرّ بها البلد. ورغم قلة البنية التحتية وضعف الإنتاج في فترات طويلة، استطاع المسرح الليبي أن يفرز أسماء وتجارب فردية حاولت الحفاظ على جذوة هذا الفن، سواء عبر المسرح الجماعي أو من خلال مبادرات مستقلة اعتمدت على الجهد الذاتي. وقد ظل المسرح بالنسبة لعدد من المبدعين الليبيين مساحة للتعبير عن الواقع، ومرآة تعكس قلق الإنسان الليبي وتطلعاته في ظل سياقات معقدة.
ويشهد الحراك المسرحي على بعض التجارب المونودرامية، التي ربما تقتصر على محاولات للنقد أو التفكير في هواجس ذاتيه. وفي هذا السياق يرى المسرحي الليبي قادربوه أن المونودراما كفن مسرحي بكل خصوصياته غير قادرة على التعبير عن الواقع الليبي، حيث يقول “الحقيقة أرى أن المونودراما لا تستطيع عكس الواقع الليبي لأن الواقع الليبي مازال صادما وهو واقع متشعب، به الكثير من الأطراف والصراعات، والمونودراما بطلها الأوحد ممثل واحد فوق الخشبة، وأعتقد أن ممثلا واحدا لن يستطيع تجسيد الواقع الليبي، وإن تكلم بحرية وتطرق إلى حقيقة ما هو موجود في الواقع، أعتقد أن المسرحية ستصادر ولن يتم عرضها”.
ويشرح أن “مسرح المونودراما في ليبيا ليس لديه تاريخ كبير كي يكون له مستقبل، هناك بعض التجارب النادرة لبعض المخرجين الجريئين الذين خاضوا تجربة مسرح المونودراما، وكي نبني على التجارب السابقة يحتاج هذا النمط المسرحي والمسرح الليبي عموما إلى أن توليه الدولة اهتماما أكبر وتفتح له معاهد متخصصة وتبني المزيد من المسارح وتستثمر في المواهب الفنية، نحتاج إلى أن تستثمر الدولة في البشر كما تستثمر في الحجارة”.
◄ الفنان الليبي توفيق قادربوه كأحد الأصوات الساعية إلى ترسيخ فن المسرح بكل أنماطه
وفي حديث عن تجربته الفنية ينوه بأن “الحرب والتحولات الاجتماعية حاضرة بقوة، أنا ممن يؤمنون بأن الفن رسالة وأحاول أن أقدم فنا يكون رسالة أو هدفا ساميا يبقى من بعدي، ويشهد على أنني حاولت الدفاع عن مجتمعي وعن انتمائي إلى وطني ليبيا بشكل أو بآخر. طبعا أحاول أن أكسر من المباشرة في نصوصي، بإضفاء الدهشة واللامتوقع، وأحاول أن تكون حبكة العمل المسرحي محكمة، وفيها جميع عناصر النص المسرحي”.
وإلى جانب هذه المشاركة المثمرة ضمن ورشة المونودراما، اختير الفنان توفيق قادربوه ليكون عضوا في لجنة تحكيم “المونودراما الشبابي” للعروض التونسية الشابة، ضمن الدورة الثامنة للمهرجان الدولي للمونودراما بقرطاج التي تنطلق 30 أبريل الجاري، ليعمل جنبا إلى جنب مع نخبة من القامات الفنية العربية، وهم: الفنانة الكويتية منى شداد رئيسة اللجنة، والفنان التونسي نزار الكشو، عضو اللجنة.
وتأتي هذه المشاركات للفنان لتؤكد على الدور الريادي للمبدع الليبي في المحافل الدولية، وتعزز جسور التواصل الثقافي بين ليبيا وتونس. وقد أعرب قادربوه عن حماسه لهذا الشهر الحافل بالعلم والمسرح، مؤكدا أن مهمته تتجاوز الحضور الرسمي إلى نقل الخبرة والمعرفة للأجيال المسرحية الصاعدة في تونس.
يذكر أن المهرجان الدولي الجامعي للمونودراما بسيدي بوزيد، الذي ينظمه المركز الجامعي للتنشيط الثقافي والرياضي بسيدي بوزيد، يندرج في إطار دعم الفعل الثقافي داخل الوسط الطلابي، وتكريس مكانته كجسر للتواصل والإبداع، ويجمع طلبة وفنانين من مختلف الدول العربية، من بينها فلسطين، الجزائر، المغرب، إلى جانب مشاركات أخرى، بما يثري التبادل الفني ويعزز الحوار الثقافي.
ويتوزع برنامج الدورة العاشرة من المهرجان الدولي الجامعي للمونودراما بسيدي بوزيد على مجموعة من الفعاليات المتكاملة التي تجمع بين العرض والتكوين والنقاش، بما يعكس توجه المهرجان نحو دعم المسرح الجامعي وتعزيز حضوره كفضاء للتجريب والإبداع. وتتصدر العروض المسرحية واجهة البرنامج، حيث تتنافس 10 أعمال مونودرامية من جامعات تونسية ضمن المسابقة الرسمية الوطنية و13 أعمال مونودرامية ضمن المسابقة الدولية، مقدّمة رؤى فنية متنوعة تعكس تجارب شبابية في فن المسرح الفردي.
ويتيح المهرجان فضاءً لاكتشاف المواهب الشابة وصقل قدراتها التعبيرية، عبر تقديم عروض فردية تتناول قضايا إنسانية واجتماعية متنوعة، في إطار إبداعي يعكس خصوصية هذا الفن القائم على الأداء الفردي.
وإلى جانب العروض، يولي المهرجان أهمية خاصة للجانب التكويني، من خلال تنظيم ورشات تدريبية يشرف عليها مختصون في مجالات التمثيل والإخراج والكتابة المسرحية، ما يتيح للطلبة فرصة تطوير مهاراتهم والانخراط في تجارب عملية تثري مسارهم الفني. كما يحتضن المهرجان ندوات فكرية ولقاءات مفتوحة تناقش قضايا المونودراما وأسئلتها الجمالية والفكرية، في إطار حوار يجمع بين المشاركين والنقاد والباحثين.
ولا يقتصر البرنامج على الجانب الفني والعلمي فحسب، بل يمتد ليشمل فعاليات موازية من عروض تنشيطية وفقرات موسيقية وأنشطة موجهة للطلبة داخل الفضاءات الجامعية، بما يضفي على التظاهرة طابعا احتفاليا. كما يتضمن المهرجان لحظات تكريم لعدد من الأسماء التي ساهمت في تطوير المسرح الجامعي، قبل أن يُختتم بحفل يتم خلاله الإعلان عن الفائزين وتوزيع الجوائز، في تتويج لمسار دورة احتفت بعقد من التجربة المسرحية المتواصلة.
وتأتي هذه الدورة العاشرة كتتويج لمسيرة امتدت على مدى عشر سنوات، نجح خلالها المهرجان في ترسيخ حضوره على الساحة الثقافية الوطنية والدولية، ليصبح موعدا سنويا بارزا لعشاق المسرح الجامعي وفن المونودراما.
حنان مبروك – صحيفة العرب



