Uncategorized

بحث أكاديمي محكّم للباحثة د.نرمين يوسف الحوطي يعيد قراءة شخصيته

الإسكندر الأكبر.. سيرة تبحث عن تفسيرها!

في عدد يناير 2026 من مجلة مركز الدراسات والبحوث متعددة التخصصات في العلوم الإنسانية الصادرة عن الجامعة الأمريكية في بيروت تقدم الباحثة د.نرمين يوسف الحوطي- أستاذ مشارك في المعهد العالي للفنون المسرحية- مقاربة مختلفة لشخصية الإسكندر الأكبر في أعمال راسين والقاسمي ومصطفى محمود لا تنشغل بإعادة سرد سيرته، بقدر ما تسعى إلى تفكيك الطريقة التي استخدمت بها هذه الشخصية عبر التاريخ والمسرح والفكر.


حقيقة تاريخية

اللافت في هذا الطرح أنه لا يتعامل مع الإسكندر كـ «حقيقة تاريخية» جاهزة، بل كصورة تتغير بحسب من يرويها، ولماذا تروى، هنا لا يعود السؤال عن إنجازاته العسكرية أو امتداد إمبراطوريته، بل عن الكيفية التي جرى بها تحويله إلى رمز، مرة للعبقرية، ومرة للهيمنة، ومرة لقلق الإنسان أمام طموحه غير المحدود!

ما يطرحه البحث ضمنيا هو أن التاريخ نفسه ليس بريئا كما يبدو، فالصورة التي تصلنا عن الإسكندر ليست مجرد نقل للوقائع، بل نتيجة اختيار وانتقاء وتفسير، وبينما تميل بعض السرديات إلى تمجيده بوصفه نموذجا استثنائيا للإنجاز، تفتح قراءات أخرى الباب لفهمه كقوة غيرت توازنات العالم القديم بقدر ما فرضت رؤيتها عليه، بهذا المعنى لا يصبح التعدد في صورته تناقضا، بل يصبح دليلا على أن الشخصية التاريخية تصنع بقدر ما تروى.

حين تنتقل هذه الشخصية إلى المسرح يتغير موقعها جذريا، فالمسرح كما تشير الدراسة لا يهتم كثيرا بما حدث بل بما يعنيه ما حدث، أي انه ينقل الإسكندر من كونه قائدا في ساحة المعركة، إلى كونه إنسانا بساحة الأسئلة، وفي هذا التحول يفقد الحدث التاريخي مركزيته لصالح التجربة الإنسانية.


حالة تفكك

في قراءة تجربة جان راسين يتضح كيف يمكن للمسرح أن يعيد تعريف البطولة نفسها، فالإسكندر هنا لا يقدم كصورة مكتملة للقوة، بل كذات تعيش توترا داخليا حادا، فالنصر لا يلغي القلق، والسلطة لا تمنح الطمأنينة، وبهذا يتحول البطل من نموذج يحتذى إلى حالة تفكك، ومن رمز للسيطرة إلى كائن يختبر حدودها ويصعب تفسيرها!

أما عند الشيخ د.سلطان بن محمد القاسمي فتغادر الشخصية إطارها الكلاسيكي لتدخل في حوار مباشر مع الحاضر، فالإسكندر هنا ليس موضوعا للعرض، بل أداة للقول، يستدعى ليعكس أسئلة تتعلق بالهوية والسلطة والتحولات التي يعيشها العالم العربي، وهو انتقال ذكي من «إعادة تمثيل الماضي» إلى «استخدام الماضي لفهم الراهن، حيث يصبح التاريخ وسيطا نقديا لا مجرد خلفية زمنية.

في المقابل، يقدم مصطفى محمود قراءة تتجاوز المسرح نحو التأمل الفلسفي، الإسكندر هنا ليس شخصية درامية، بل مدخل لسؤال أعمق لماذا يسعى الإنسان إلى التوسع؟ وهل كل إنجاز هو بالضرورة تعبير عن قوة، أم قد يكون محاولة لملء فراغ داخلي؟! بهذا الطرح، تتحول الشخصية إلى مرآة، لا تعكس الماضي، بل تكشف الحاضر الإنساني في أضعف حالاته: حين يخلط بين القدرة والمعنى.

القيمة الحقيقية

ما يميز هذا البحث أنه لا ينشغل بما حققه الإسكندر بقدر ما يركز على ما خلفه «ليس من أراض مفتوحة»، بل من أسئلة مفتوحة، فكل قراءة له تاريخية أو مسرحية أو فكرية تضيف طبقة جديدة، لا لتكتمل الصورة، بل لتزداد تعقيدا، وهنا تكمن القيمة الحقيقية في تحويل الشخصية من «إجابة جاهزة» إلى «سؤال دائم»!

في زمن يميل إلى تبسيط الشخصيات التاريخية وتحويلها إلى رموز أحادية، يأتي هذا البحث ليقترح اتجاها معاكسا بفهم التاريخ كمساحة للتأويل، لا مستودعا للحقائق الثابتة، ومن خلال تتبع حضور الإسكندر الأكبر بين نصوص جان راسين والشيخ د.سلطان بن محمد القاسمي ومصطفى محمود ينجح الطرح في إعادة توجيه الاهتمام من «ما حدث» إلى «ما يعنيه أن يحدث»، وهو تحول كفيل بإبقاء التاريخ حيا، وليس محفوظا فقط!

 

مفرح الشمري – الأنباء الكويتية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي !!