دراما وفنون

رحيل عبدالعزيز مخيون يطوي صفحة مضيئة من الدراما المصرية

وراء ملامح الفنان الهادئة تختبئ قصة كفاح طويلة صنعت واحدا من أكثر الممثلين احتراما في تاريخ الدراما المصرية

خيّم الحزن على الوسط الفني المصري والعربي بعد أن فارق الفنانُ الكبير عبدالعزيز مخيون الحياةَ، الأربعاء، إثر أزمة صحية حادة استدعت نقله إلى أحد مستشفيات الإسكندرية، حيث أمضى أيامه الأخيرة في العناية المركزة قبل أن يرحل تاركاً وراءه مسيرة فنية حافلة امتدت لعقود، وصنعت منه واحداً من أبرز نجوم الدراما والمسرح والسينما في مصر.

 وخلّف رحيله هزّة عميقة أحسّ بها كل من عرف هذا النجم المصري عن قرب أو تابع مسيرته من بعيد، إذ أدرك الجميع أن ثمة صوتاً فنياً نادراً قد صمت إلى الأبد.

وأعلنت أسرة الفنان الراحل أن صلاة الجنازة ستُقام عقب صلاة العصر في المسجد الكبير بقرية زكي أفندي القبلية التابعة لمركز أبوحمص بمحافظة البحيرة، وأن جثمانه سيُوارى الثرى في مسقط رأسه الذي ظل وفياً له رغم النجومية والشهرة.

وفي مشهد يختصر سيرة رجل لم تُفسده الأضواء، أبى أن يكون وداعه الأخير إلا في تلك الأرض التي أنجبته وعلّمته معنى الانتماء.  

وُلد عبدالعزيز مخيون في مركز أبوحمص بمحافظة البحيرة، ونشأ في بيئة ريفية بسيطة أسهمت في تشكيل وعيه الإنساني والفني مبكرا. في تلك البيئة التي تعلّم فيها الصبر والتأمل ودقّة الملاحظة، اكتسب ذلك الرصيد الإنساني الذي ميّز أداءه لاحقاً عن سواه.

ولم ينظر إلى التمثيل يوماً باعتباره وسيلةً للشهرة أو مطيةً للثروة، بل رسالةً ثقافية وإنسانية تعبّر عن هموم الناس وقضايا المجتمع، ولذلك حرص منذ بداياته على تطوير أدواته باستمرار، معتمداً على الدراسة والقراءة والاحتكاك بالتجارب الفنية المختلفة، رافضاً الاستسهال في زمن بات فيه الاستسهال فناً رائجاً.

وقبل أن يعرفه الجمهور ممثلا بارعا، عرفه المقربون منه عازفا مولعا بآلة الكمان. ارتبط بهذه الآلة منذ سنوات مبكرة من حياته ووجد فيها ملاذاً للتعبير عمّا يعجز عنه الكلام.

 ويؤكد المقربون منه أن الموسيقى لم تكن هواية عابرة بل شكّلت شخصيته الفنية في العمق، إذ منحته قدرةً استثنائية على الإحساس بالإيقاع والتناغم، انعكست لاحقاً على أدائه التمثيلي بصورة لافتة.

وبات يتعامل مع النصوص الدرامية كما يتعامل الموسيقي مع النوتة، مولياً عنايةً خاصة للإيقاع الداخلي للجمل والانفعالات وتوقيت الصمت بين الكلمات. وظل يعود إلى كمانه حتى في ذروة نجاحه، كلما أراد مساحةً للهدوء والتأمل بعيداً عن صخب الأضواء وضغوط التصوير.

ثم جاءت رحلته إلى فرنسا لتفتح أمامه أفقاً جديداً غيّر مسار تجربته كلياً. تعرّف هناك على مدارس المسرح الحديثة وأحدث المناهج الفنية الأوروبية، واحتكّ بفنانين ومخرجين من ثقافات متعددة أثروا رؤيته وعمّقوا فهمه لطبيعة الفعل التمثيلي. غير أنه لم يقع في فخّ الانبهار الأعمى بكل ما هو غربي، بل اختار بوعي ما يخدم تجربته ويُغني أدواته، وعاد إلى مصر حاملاً رؤيةً فنية ثرية محتفظاً في الوقت ذاته بهويته المصرية وخصوصيته الثقافية.

وقد جعلت منه هذه المعادلة النادرة واحداً من أكثر الفنانين تميزاً في جيله، قادراً على الحوار مع الموروث الفني المحلي والمنجز الإنساني العالمي في آنٍ معاً.

وتجاوز مخيون حدود التمثيل ليُثبت أنه صاحب مشروع فكري وثقافي واضح المعالم، فلم يكتفِ بأداء الأدوار المكتوبة له، بل سعى إلى أن يكون الفن في خدمة الإنسان حيث يوجد، لا أن يظل الإنسان رهين المراكز الثقافية في المدن الكبرى. وكان من أبرز تجلّيات هذه الرؤية مبادرة ‘مسرح الفلاحين’ التي سعى من خلالها إلى نقل الفن من العاصمة إلى القرى والأقاليم، كاسراً بذلك مركزية النشاط الثقافي ومؤكدا أن الثقافة حق للجميع لا امتياز للقلة.

وقد واجهت هذه التجربة عقبات جمّة في زمن لم يكن فيه هذا النوع من العمل الفني مألوفا ولا مدعوما، غير أنها بقيت شاهداً حياً على عمق إيمانه برسالة الفن ودوره في بناء الوعي وتغيير المجتمع.

ولم تقتصر مكانة مخيون على الساحة المحلية، بل تجاوزت الحدود لتصل إلى مؤسسات ثقافية وإعلامية دولية، فقد أشادت به الصحافة الفرنسية وأبرزت قدراته الفنية وثقافته الواسعة واطّلاعه العميق على مدارس التمثيل العالمية.

واعتبره كثير من النقاد نموذجاً نادراً للممثل المثقف القادر على الجمع بين الاحتراف الأدائي والوعي الفكري، وهي ميزة باتت شحيحة في زمن تتراجع فيه قيمة الثقافة في تكوين الفنان.

وعلى مدار مسيرته الطويلة، شارك في عشرات الأعمال السينمائية والتلفزيونية والمسرحية التي رسّخت حضوره في وجدان الجمهور العربي. وتميّزت معظم أدواره بالعمق والصدق والمقدرة على تجسيد الشخصيات المركبة، تلك الشخصيات التي تحمل في طياتها التناقض الإنساني وتأبى الاختزال في صورة واحدة.

وكان يُقبل على كل دور كما يُقبل الباحث على موضوع دراسته، مستقصياً دوافع الشخصية وتاريخها وبيئتها قبل أن يرتدي ثوبها أمام الكاميرا أو على خشبة المسرح.

ومع إعلان رحيله، استعاد كثيرون ذكريات أدواره ومواقفه الإنسانية والثقافية، مؤكدين أن الخسارة تتجاوز فقدان ممثل موهوب لتطال قيمةً فكريةً وفنية كبيرة أثّرت في أجيال متعددة من الفنانين الذين وجدوا فيه مرجعاً ومثالاً يُحتذى.

واليوم يرحل عبدالعزيز مخيون جسدا، لكن حضوره سيبقى حيا في ذاكرة الفن المصري والعربي من خلال أعماله التي صمدت أمام اختبار الزمن وإرثه الثقافي والإنساني الذي لن تطويه النسيان. فقد أثبت طوال حياته أن النجاح الحقيقي لا يُقاس بعدد الأدوار وحجم الشهرة، بل بالأثر العميق الذي يتركه الفنان في ذاكرة الناس ووجدانهم، وهي المهمة التي أدّاها مخيون بامتياز لا تشوبه شائبة.

MEO

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي !!