مهمة أنسنة التكنولوجيا والفنون!

تكنولوجيا اليوم هي فعالية حضارية لم يتعلم البشر كيف يعيشونها قبلاً، وحتى يتحقق تعلمهم لكيفية عيش هذه الفعالية، ستسقط أدبيات كثيرة في طريق البشرية الذي ستمضي فيه حتى تتكيف مع المعطيات الحضارية الجديدة.
من تلك الأدبيات درس الإنسانية وقيمها التي ألفيناها على الدوام وهي تنتقل من جيل إلى جيل ومن حضارة إلى حضارة عبر تلك التراكمات الفنية والثقافية والأدبية ومنذ فجر الإنسانية الأول في هذا التاريخ العظيم للبشر.
إن الدعوة إلى أنسنة التكنولوجيا واستعادة إنسانية الفنون هي السبيل الوحيد للخروج من أزمة الشكل والمفاهيم ذات القطب الأحادي والتي تتسيد العالم بدون أي اعتبار لثنائية الشكل والمضمون التي ظلت منذ خلق الكون ناموساً يضبط إيقاعه وتتزن خطى الكائنات عليه.
ولعل الإشكالية الحقيقية، كما يبدو، ليست في شكلانية التكنولوجيا وتسيد قطب المبنى والسطحية الأحادي في الفنون، ولكن في سحب هذه الأحادية الثقافية واسقاطها على مكونات ثقافية أخرى للإنسانية بما فيها الكائن البشري نفسه، ذو الطبيعة الثنائية (الذكر والأنثى) ولا أحادية لأحد الثنائيتين فيها؛ لإن في ذلك تشويه للناموس الكوني الذي تمأسس الخلق على حيثياته.
إن إنسنة التكنولوجيا واستعادة إنسانية الفن، تبدأ من حيث احتواء معطيات التكنولوجيا وقوالب الفنون، ومنتجاتها، للقيم بمختلف أنواعها، فامتلاك ثقافة القيم يسبق امتلاك الأدوات واجادة استخدامها بل وهو أهم منها لأن ثقافة القيم تعني معرفة المعاني التي تمأسس عليها الخلق البشري وأما امتلاك الأدوات فلا يتجاوز المعرفة السطحية والشكلانية لها.
مثلا، ما جدوى إجادة استخدام أدوات التصوير كاميرات وبرامج مونتاج وجرافيكس ونحن لا نفقه شيئا في ثقافة القيم إذ أن ذلك لن يجعلنا ننتج سوى مواد محدودة الأثر قصيرة الأجل لا قيمة ولا معنى يمكن ايجاده فيها إطلاقا. وعندما تملك ثقافة القيمة فأنت تعرف حينها ماذا تريد من التكنولوجيا أن تفعل وماذا تريد من كاميرتك أن تصور وستعرف كذلك لماذا ستصور وما الذي يمكن أن تصنعه لقطتك؟.
وهذه الأمثلة والتساؤلات هي ذاتها ما ينطبق على كل أشكال وأدوات التكنولوجيا من حواسيب وآلات وغيرها وكل من يجيدون استخدامها..
وفي الافلام والمسرحيات العظيمة فإن البطل الذي يبقى خالدا لا يموت هو القيمة، وهذا هو جوهر الفن الخالد؛ مثلما هو جوهر فعالية التكنولوجيا إن أردنا لها الديمومة والخلود.
فالتاريخ لا يحفظ الشخصيات بأسمائها أو بأفعالها المباشرة بقدر ما يحفظ “الصدى الأخلاقي” أو “القيمة الإنسانية” التي جسدتها تلك الشخصيات في لحظة مواجهة مع القدر، أو المجتمع، أو الذات.
نعم في المسرحيات والأفلام العظيمة، تتحول الشخصية من مجرد “كائن درامي” إلى “رمز” يتجاوز حدوده الجسدية والزمنية.
إن البطولة ليست في الشخص بل في “الموقف”، البطل في الأعمال الخالدة ليس الشخص الذي ينتصر في النهاية، بل هو الشخص الذي يجسد قيمة معينة حتى في لحظة انكساره.
في المأساة (Tragedy) ينهار البطل (مثل “أوديب” أو “هاملت”)، لكن القيمة التي دافع عنها—سواء كانت البحث عن الحقيقة أو الصراع ضد الخيانة—هي التي تظل قائمة. السقوط هنا ليس فناءً، بل هو “استشهاد” للقيمة الإنسانية التي يتبناها البطل.
إن “القيمة” كائن حي يتنفس، وعندما نقول إن القيمة هي البطل الخالد، فنحن نعني أنها تتحول إلى “بوصلة” للمتلقي عبر الأجيال.
“العدالة” تظل حية في مسرحيات الصراع القانوني والأخلاقي.
“التضحية” تظل حية في قصص الحب المستحيل. وتظل “الكرامة” حية في قصص مواجهة الاستبداد.
هذه القيم لا تموت لأنها جزء من التكوين النفسي للبشر؛ الفن ببساطة يمنحها وجهاً وصوتاً وقصة.
إن الفن يظل “متحفاً للقيم”، فالعمل الفني العظيم يعمل حارسا لبقاء هذه القيم. عندما يتغير العالم وتندثر حضارات أو أنظمة سياسية، تظل الأفلام والمسرحيات التي حملت قيماً إنسانية عميقة قادرة على مخاطبتنا اليوم كما خاطبت جمهور زمنها. نحن نشاهد “أنطيغون” اليوم، ليس لأنها شخصية تاريخية، بل لأن “النزاهة الأخلاقية في وجه السلطة” هي قيمة لا تشيخ.
في الكتابة الدرامية، غالباً ما تكون لحظة “موت البطل” هي اللحظة التي “تولد فيها القيمة”. عندما يضحي البطل بحياته (أو بمستقبله أو برغبته) من أجل القيمة، فإنه يعلن للمشاهد أن “هذه الفكرة أغلى من الوجود المادي”. هذا هو جوهر الخلود؛ القيمة التي تدفع الشخص للتخلي عن حياته هي التي تمنح حياته—وفنّه—خلوداً أبدياً.
إن الحضارة الإنسانية والمجتمعات البشرية لم يكن لها أن تستمر حتى اليوم لولا تراكمات القيمة الاخلاقية والإنسانية والاجتماعية التي نجدها في تراكماتها المعرفية وارثها الثقافي والفني، وأما القوالب والأدوات فلم يكن من الصعب إيجاد من يمتلك زمامها في كل عصر، وأما أن يكتب للحضارة البشرية البقاء في ظل غياب القيمة الإنسانية والأخلاقية والاجتماعية من نتاجه المعرفي والثقافي فلعل هذا ما يحتاج بالفعل إلى معجزة نبي، وإمكانيات السحرة.
اخيرا يمكن القول أن تلك القيم هي ما يجب أن يسبق تعليمه والتدريب عليه التدريب على استخدام أدوات ووسائل التكنولوجيا وتعليمها للتلاميذ، أو فليكن حظها وافراً من العملية التعليمية والتدريبية.
كما أن التحدي الأكبر اليوم في عصر “السيولة” هو في كيف نحمي هذه القيم من الذوبان في ظل عالم يميل إلى الترفيه اللحظي والسطحي؟
هايل علي المذابي



