أخبار مسرحية

متمرد برازيلي بطلا لمسرحية “جانجا زومبي” المصرية

المخرج محمد الملكي غامر بالمزج بين الكلمة والدراما الحركية

ملخص

في مدينة بورسعيد المصرية، يقدم المخرج محمد الملكي، عرضه المسرحي “جانجا زومبي”، مستلهماً سيرة المناضل البرازيلي زومبي دوس بالميراس، أشهر مقاومي الاستعمار البرتغالي في القرن الـ17.

ما الذي يدفع مخرجاً مسرحياً من مدينة بورسعيد المصرية (220 كيلومتراً شرق القاهرة) إلى استلهام سيرة بطل برازيلي، ينحدر من أصول أفريقية (زومبي دوس بالميراس) في عرض مسرحي؟ وما الذي يدفع جمهور هذه المدينة إلى مشاهدة العرض والاحتفاء به؟

العرض قدمه المخرج محمد الملكي مع فرقة بورسعيد القومية (هيئة قصور الثقافة- وزارة الثقافة) من تأليف محمد خلف. ويمكن نسبته إلى المسرح الوثائقي الذي سبق للمخرج تقديمه في أكثر من عرض، مستعيناً بنصوص لواحد من أشهر رواد هذا المسرح، الكاتب الألماني بيتر فايس (1916-1982).

لم يكُن الاختيار عشوائياً، أو غريباً عن المشاهد المصري والعربي عموماً. فالمدينة نفسها، بورسعيد، تلقب بالمدينة الباسلة، ومعروف عن أهلها مقاومتهم للاحتلال البريطاني. وكان لديهم، منذ أكثر من 100 عام، طقس مسرحي سنوي، يقومون خلاله بإحراق دمية تمثل الضابط الإنجليزي إدموند ألنبي، المعروف بقسوته مع أهالي مدن القناة. وكانوا قد منعوا من ممارسته في بداية الألفية الجديدة لأسباب غير معلومة. وكانوا شاركوا في مقاومة العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، وتعرضت مدينتهم للتدمير خلال حربي 1967 والاستنزاف، واضطروا إلى هجرتها، حتى عادوا لها مجدداً بعد حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973.

مطلب الحرية

 

البيئة إذاً ممهدة لهذا النوع من العروض، فضلاً عن أن العرض، بصورة أو بأخرى، يمكن إسقاطه على ما يحدث حولنا، وبالقرب منا، بل لنا، يشكل مطلب الحرية أساساً لكل شيء في العرض.

وعلى رغم أننا بصدد مسرح يستمد مادته من سجلات وتقارير ووثائق تجري صياغتها فنياً، فإن الكلمة هنا لم تكُن لها اليد العليا. فثمة عناصر أخرى اعتمد عليها المخرج في تشكيل دراما العرض، ولعل أبرزها الدراما الحركية (تصميم كريم مصطفى) التي اختزلت كثيراً من اللغة المنطوقة، فشكل الراقصون مجموعة من اللوحات التعبيرية الدالة، المستمدة من التراثين الأفريقي والبرازيلي، مجسدين كثيراً من الأحداث، على وقع موسيقى وإيقاعات (كريم منصور) مستمدة من الأجواء نفسها، وإن كانت مغامرة المخرج بالمزاوجة بين اللغة المنطوقة والتعبير الحركي، وتقديمهما معاً بالتوازي في بعض الأحيان، قد أدت إلى نوع من التشتت، بخاصة عندما تكون الموسيقى وتوقيع الراقصين بأرجلهم على خشبة المسرح، أعلى صوتاً وأكثر صخباً، مما أدى إلى ضياع بعض الجمل المفتاحية، فلم تصل بصورة جيدة إلى المشاهدين، بخاصة الذين لا يعرفون أصل الحكاية.

عنصر رئيس

الديكور (محمد الأسمر) كذلك، كان من العناصر الرئيسة في تحقيق رؤية المخرج وقام بوظيفته في خدمة الدراما، وكذلك في تشكيل صورة العرض على نحو تعبيري، إذ كان عبارة عن مجموعة من الكتل الخشبية المفرغة، ومجموعة من السلالم، تتحرك على عجل بواسطة الممثلين. واستُخدم لتحديد الأماكن التي تدور فيها الأحداث. فتارة هي أماكن اختباء العبيد الفارين من بطش الاستعمار البرتغالي، وأخرى هي السجن الذي يعذب داخله المتمردون، وثالثة قصر الحاكم البرتغالي، ورابعة ساحة للمعارك، وخامسة سفينة مبحرة، باستخدام “موتيفات” بسيطة.

 

وهكذا يتم الانتقال من مكان إلى آخر، ومن مستوى إلى آخر، بتفكيك القطع وإعادة تركيبها في لحظات خاطفة. وبدت حركة الديكور تتماهى مع حركة الراقصين، ليتحول المسرح إلى مضمار من الحركة الدائبة والمستمرة التي تدفع الدراما إلى الأمام. وقد اتسمت بالمجانية أحياناً، ولكن من دون أن تؤثر في الإيقاع العام للعرض، أو تشكل عبئاً عليه.

ليس مطلوباً في هذا النوع من المسرح الالتزام الحرفي بكل مفردات البيئة، المراد التعبير عنها، بخاصة في ما يتعلق بالأزياء (تصميم ميكي)، ولا سيما أن غالبية الأحداث تقع في لحظات الحرب والنضال، ويُحسب للمصمم أنه ميز بين ملابس قوات الاستعمار البرتغالي، وملابس العبيد المتمردين، وجاءت خليطاً بين ما هو أفريقي وما هو لاتيني.

مقتطفات من السيرة

لم يقدم العرض سيرة ذلك المناضل بتفاصيلها الدقيقة، فكانت مقتطفات سريعة من سيرته، بدءاً من وجوده في الكنيسة مع معلمه الكاهن الذي تمرد عليه بعد ذلك، مروراً بلقائه واحدة من المناضلات التي صارت زوجته في فترة لاحقة، وإن لم يمهد لعلاقة الحب بينهما، وغيرها من الأحداث التي جاءت على نحو خاطف، من دون التعمق كثيراً في تاريخ كل شخصية. وربما يبرر ذلك أن الغرض ليس تقديم سيرة هذا المناضل ومن حوله بصورة كاملة، بقدر ما هو إبراز قيمة الحرية التي أرادها زومبي دوس لشعبه، وموته من دونها، ليكمل الطريق من يأتي بعده. فـ”زومبي” فكرة لا تموت، سواء كان في البرازيل أو في غيرها.

ثمة لبس لدى بعضهم أحدثه التعرض لديانة زومبي، وتمرده على الكنيسة، ووجود مناضل عربي مسلم إلى جواره. وسواء كان زومبي اعتنق الإسلام أو لم يعتنقه، فهي تفصيلة ما كان للعرض أن ينشغل بها. فهي لا تقدم ولا تؤخر في الرؤية المراد تقديمها، والمتعلقة بفكرة الحرية، والسعي إلى اقتناصها. فما الذي يضير الفكرة، أو يدعمها، إذا كان صاحبها مسلماً أو مسيحياً أو حتى ملحداً. في ظني أنه نوع من التزيّد غير المطلوب، مع الأخذ في الاعتبار أن حديث زومبي عن معلمه الكاهن انتقد إساءة استخدام الدين، لا الدين نفسه. ولكن يظل السؤال، لماذا هذه التفصيلة أصلاً في عرض ينتصر للحرية ويدعو إلى النضال من أجلها؟

ضم العرض مجموعة كبيرة من الممثلين الموهوبين، وقد شابت أداء بعضهم ماسة زائدة، مما أدى إلى مشكلات في مخارج الحروف، وهو أمر يمكن تداركه بالتدريب، بخاصة أن غالبيتهم من الشباب الجدد.

ميزة عرض “جانجا زومبي” أنه واحد من العروض المغامرة، سواء على مستوى الفكرة، أو على مستوى التشكيل الجمالي. ودائماً ما تكون المغامرة محفوفة بالأخطار، وهي يمكن أن تلحق أضراراً فادحة بالعرض المسرحي. لكن الأضرار هنا طفيفة، وبعضها يعود للإمكانات التقنية والمادية. ولعل خبرات المخرج وتجاربه السابقة في هذه النوعية من العروض، أوصلت العرض إلى بر الأمان، حتى لو أصاب السفينة بعض الخروق التي يمكن ترميمها في وقت الراحة.

يسري حسان – إندبندنت عربية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي !!