أخبار مسرحية

الكاتب والناقد المسرحي اللبناني الحسام محيي الدين: الهيئة العربية للمسرح بيت المسرحيين العرب

يقول الكاتب والناقد المسرحي اللبناني الحسام محي الدين في حديثه: أنّ رؤية المملكة 2030 شكلتْ انطلاقاً تاريخياً معاصراً للثقافة السعودية، وكان من مخرجاتها الحضارية استحداث وزارة الثقافة عام 2018، ما أطلق استراتيجية وطنية ثقافية رفعتْ من شأن المبدعين وكرّمتهم، ومن بينهم المسرحيين طبعا، وهذا لمسناه عبر الاعلام، ومن خلال لقاءاتنا بالمسرحيين السعوديين في أكثر من مهرجان ومناسبة مسرحية عربية، ومشاهدة نتاجاتهم عن قرب.  

في ظل التحولات الاجتماعية والسياسية والرقمية التي يعيشها العالم العربي ، ما القضية المسرحية التي ترون أن النقد العربي لم يمنحها ما تستحقه من اهتمام؟ ولماذا؟ 

الحرية. تصور أن الحرية لا تزال أزمة وجودية للانسان العربي منذ مئة عام حتى اليوم! نعم ، لا تنتهي قضايانا المسرحية ، فهناك الظلم ، والمرأة ، والمجتمع الذكوري ، والفساد، والحروب ، واللجوء ، وفلسطين ، والجهل ، والفقر ، كلها أزمات اجتماعية تشكّل مرجعية فكرية للمسرح ، لكنّ الكلام فيها جميعاً يحتاج إلى الحرية ، لذلك تجد أن المسرح العربي حتى اليوم لا يجرؤ على مناقشتها إلا تلميحاً ومواربة ورمزا ، وبعض المسارح لا تتطرق إلى هذه الأزمات أبدا ، ما يجعل من الحرية القضية المركزية التي يجب على النّقد معالجتها في سياق ترسيخها كفعل مسرحي على الخشبة ، ولأن النقد مرتبط بالابداع ، وحرية الابداع في المسرح تنتج حرية النقد أيضا . الحرية تسمح للمسرح أن يتكلم بكل الموضوعات الوطنية والقومية، فلا موضوعات محددة ومؤدلجة وفاق سياسة الأنظمة التي تتبع لها، وهذا ينعكس على حرية الناقد. ولأن سقف الحرية العربية منخفض جدا، فإن الخوض في كل القضايا العربية مكبّل ومرتهن، وهذا مؤسف طبعا قياساً على أحوال الأمم الأخرى التي تجاوزت هذه العقدة منذ زمن بعيد، فالحرية فضاء طبيعي للفعل المسرحي.

هل تعتقدون أن الكتابة عن المسرح أصبحت اليوم تواكب تطور الممارسة المسرحية العربية، أم أنها لا تزال أسيرة المناهج التقليدية والمفاهيم الكلاسيكية؟ 

الكتابة عن المسرح من المقالة إلى البحث فالدراسات العليا هي اليوم أعمق رؤية وتأويلاً من الماضي، وقد تحوّلت إلى حدّ كبير عن الخطّ الكلاسيكي في مقاربة الظاهرة المسرحية بالتحرر من الانطباع والنشر المُحابي، إلا أنها لا تزال بحاجة إلى المناهج النقدية من زاوية مختلفة. لا يمكننا التخلي تماماً عن الاشتغال المنهجي الذي يقرن التنظير بالتحقيق والأدلة، وإلا فإنّ النقد المسرحي يذهب إلى فوضى الآراء والنظرات غير المتوازنة، ويفتح الباب لمن يشاء أن يقول ما يشاء وكيفما كان، وهذه فوضى قاتلة للبحث المسرحي وللمسرح معا. الحل في الناقد أو الباحث المتمكن الذي يجمع المنهج إلى الاجتهاد، أعني بذلك أفكاره وآراؤه التي له الحقّ بإبدائها وقد نقبلها أو نتحفظ عليها، ويبقى الجمع بين الأكاديميا والموهبة الشخصية هي أساس نجاح النقد المسرحي.

كيف يمكن للمسرح العربي أن يحافظ على خصوصيته الثقافية والجمالية من دون أن ينغلق على نفسه أو يتحول إلى مجرد محاكاة للتجارب المسرحية العالمية؟

هذا السؤال يأخذنا إلى مسألة قديمة متجددة هي الهوية. الخصوصية ابنة الهوية، لكنها لا تعني التقوقع، بل هي حاصل اجتماع ذواتنا المبدعة مع الإفادة من تجارب الآخر الشريك في هذا العالم. الغرب أدخل كل ظواهر الحياة الاجتماعية، مهما كانت بدائية أو غريبة أو بسيطة عادية، في منظومات قيَمية مسرحية، على قاعدة محاورتها والمصالحة مع الذات، بعدما تبين له مبكرا، أن تجاهلها لن يدوم طويلاً وأن مصيره إلى الاحتكاك بها مهما طال الزمن دائما ، والغرب بذلك جعل من اللعب على الخشبة مسرحاً من منظور سوسيولوجي وأنثروبولوجي، وهو كشف أنّ هذا اللّعب / المسرح يمكن أن يدخل في صلب المقدس والمبدئي الذي نؤمن به: هذا التفكير هو ما نحتاجه ولا حرج في انفتاحنا عليه ولا يجب أن ننغلق على أنفسنا بعيدا عنه. نحن لدينا المال والمبدعين والمسارح والامكانات اللوجستية، لكن كل ذلك يحتاج إلى تشجيع وترشيد ووضعه في المكان المناسب. الحفاظ على الخصوصية الجمالية للمسرح لا تمنعنا من الاتصال بكل مسارح العالم، أن نجلس معهم ونبادلهم الخبرات، نحاورهم ونفيد منهم، كما يمكننا تقديم منجزاتنا المسرحية من مقامٍ عربيٍ خالص، وإنتاجٍ موضوع محليا. لكن هذا لا يحصل مع الأسف، والمشكلة هنا تقنية إلى كونها فكرية، على الرغم من الثورة الرقمية ووسائل النقل الحديثة التي قلّصت الجغرافيا وأتاحت التواصل مع العالم بكبسة زر ليتعرف إلينا، وفي ذلك طبعا مسؤولية واضحة على الهيئات والمنظومات الثقافية العربية الخاصة، أو العامة الحكومية.

إذا طلب منكم إعادة كتابة كتابكم اليوم بعد سنوات من صدوره، فما الفكرة أو الفصل الذي ستعيدون النظر فيه في ضوء التحولات الفكرية والمسرحية الراهنة؟ 

لنعترف أن التحولات الفكرية لم تستقر نهائياً بعد في مفاصل المسرح العربي. فأزمة النّقد المسرحي لم تحلّ بعد، وهذه التحولات لم تشكل وللأسف حتى اليوم مُحفزاً مؤثّراً للانتقال من واقع مسرحي إلى آخر. ولذلك يمكنني القول أنّ ما كتبته لا يزال مفيداً لمعالجة وبحث هذا الواقع، وأنّ إعادة النظر في أيّ من مباحث كتابي ترتبط بتطور تجارب هذا المسرح من عدمه، فقضاياه لم تتغيّر كي يتغيّر النقد، وعلى سبيل المثال، فإنّ كل ما يقال عن ” المابعديات ” هو حرق للمراحل وقفز في المجهول كي لا نُتهم بالتأخر عن مواكبة العصر. يمكنني إعادة تأكيد أفكار الكتاب حول علاقة النقد بصانعي المسرح، أعني بذلك تقصّي النشاط المسرحي اللّبناني المعاصر من خلال النّصوص الأصيلة أو المنقولة عن الغرب بالتّرجمة، وعبورها إلى الخشبة بين التّمثيل والإخراج، مع استشكال التجربة النقدية المحلية ورؤيتها إلى قضايا المسرح، حيث لا تزال أزمة المرجع النقدي من النص إلى العرض التي يعالجها كتابي حالّة في الحركة المسرحية اللبنانية، كما لا يزال الاشتغال النقدي قليلاً، بل نادراً، واقعاً وتحديات.

حدثنا عن فكرة كتابك المسرحي الذي صدر عبر الهيئة العربية للمسرح: ” المسرح اللبناني، أزمة المرجع النقدي من النص إلى العرض “. 

الكتاب رسالة ماستر جامعية بإشراف د. البروفيسورة جيمي جان عازار أستاذة المسرح في الجامعة اللبنانية في بيروت ، وقد رأت فيه الهيئة العربية للمسرح منجزاً فكرياً مواكباً لحركة المسرح اللبناني الراهن ، وتولّت مشكورة طباعته من ضمن سلسة دراسات الهيئة . يقول الكتاب أنّ النقد ، على قلّته ، استغرق في الإحصاء والتأريخ  وفي تقديم فرضيات غير مُثبتة عن الحركة المسرحية اللبنانية ، وابتعد من درسها وتأويلها بما يساهم في تشكيل الوعي المجتمعي بأهمية المسرح ، وبما يقارب الظروف والعوامل التي نبعت منها التجارب وخلفياتها السياسية ، الاجتماعية ، أو الاقتصادية ، على مستويات الكتابة والأداء والاخراج بِلًغة التفسير المسؤول المُرتبِط  ، في بلد مركّب ثقافياً كلبنان ، كما لم يستند الناقد اللبناني إلى مدارس أو نظريّات بعينها سواءً الانجلوساكسونيّة منها أو الفرنسية ، أو المتأثرة بكلتيهما ، مكتفياً بتحصيله المعرفيّ وثقافته الشخصية ما غلّب فكرة النّقد الأحادي ، وهو ما يستوجب قيام مشروع نقديّ يتميز بالمرونة والانفتاح على أفكار ورؤى جديدة تحافظ على ديمومته وتطويره ومواكبته للعصر من جهة ، ويأوّل التجارب المسرحية ويعيد وضعها في نصابها الاجتماعي / الثقافي الصحيح  بما يطور من النقد والمسرح معاً من جهة ثانية .

كيف كان تعاون الهيئة العربية للمسرح في إتمام الكتاب؟

شهادتي مجروحة كما يقال، فأنا ابن المسرح، والهيئة بيت المسرحيين العرب. لقد لبّت الهيئة العربية للمسرح طلبي طباعة الكتاب وفق شروط النشر لديها ، وأبدتْ كل المرونة والتعاون في سبيل ذلك وبأخلاقٍ أكاديمية راقية جدا ، فصدر عنها في تشرين أول عام 2024 في 500 نسخة  ، كما دعتني مشكورة لتوقيعه في كانون ثاني عام 2025 من ضمن نشاطات  مهرجان المسرح العربي الدورة 15 في مسقط عاصمة سلطنة عُمان ، هذا إلى تزويدي بنسخ عنه ، وعرض النسخ الباقية سواءً في جناح مهرجاناتها ، أو في معارض الكتاب السنوية العربية ، وهذا طبعاً أتاح لي الإطلالة والتفاعل مع الجمهور العربي المسرحي وغير المسرحي من بابٍ عريض .

ما الدور الذي ينبغي أن تضطلع به المؤسسات الثقافية، وفي مقدمتها الهيئة العربية للمسرح، في دعم التأليف المسرحي والبحث الأكاديمي، بحيث لا يقتصر الدعم على إنتاج العروض، بل يمتد إلى بناء مشروع معرفي عربي متكامل حول المسرح؟ 

ألفت عنايتك هنا إلى أن المؤسسات الثقافية العربية، هي أهلية خاصة أو حكومية رسمية، ولها الدور الكبير، بل الأوحد المتاح اليوم لدعم وتطوير المسرح العربي من كل جوانبه، والهيئة العربية للمسرح هي رائدة هذا التوجه من دون شك، فهي تدعم تأليف النصوص المسرحية للكبار والصغار سنويا، من خلال مسابقات وجوائز مجزية، لكن المشكلة أنّ معظم هذه النصوص لا تعبُر إلى الخشبة، بل تظلّ أسيرة مكتبات أصحابها. في هذا السياق، كان قرار الهيئة عام 2024 بقبول العروض المستندة إلى نصوص غير عربية خاطئا، بل خطوة إلى الوراء لسببين: الأول أن العقل المسرحي العربي ليس ضعيفا، ويجب النظر إليه دائماً من ثقة كبيرة كمصدر للإبداع، أما الثاني فهو أن في العالم العربي مئات النصوص المتوافرة من المسودات أو المنشورة ورقياً والكترونياً لم تمتد إليها أيدي المخرجين العرب، وهذا أسهل ما يمكن للهيئة أن تفعله. أما في النقد والبحث الأكاديمي فالمطلوب اليوم توحّد المؤسسات الثقافية في منظومة واحدة، جامعة لجهود الباحثين الرائدة، عبر إطلاق موسوعة للنقد المسرحي العربي، ولو تطلّبت جهوداً جبّارة، لكنها ليست مستحيلة، وإلّا تسلك طريقها للتنفيذ، فإنها تظلّ مبعثرة هنا وهناك تشقّ على الطّلاب والدارسين والنقّاد عناء الإفادة منها، أسيرةَ الانكفاء على بيئتها مهما كانت رائدة مميزة.

ما مدى تطور المسرح والمشهد الثقافي السعودي ومواكبته للتطورات العالمية؟ 

يمكن القول أنّ رؤية المملكة 2030 شكلتْ انطلاقاً تاريخياً معاصراً للثقافة السعودية، وكان من مخرجاتها الحضارية استحداث وزارة الثقافة عام 2018، ما أطلق استراتيجية وطنية ثقافية رفعتْ من شأن المبدعين وكرّمتهم، ومن بينهم المسرحيين طبعا، وهذا لمسناه عبر الاعلام، ومن خلال لقاءاتنا بالمسرحيين السعوديين في أكثر من مهرجان ومناسبة مسرحية عربية، ومشاهدة نتاجاتهم عن قرب.  يمكن الحديث هنا عن ملحة عبد الله، ياسر مدخلي، سامي زهراني، فهد ردة الحارثي، سامي الجمعان، عباس الحايك وآخرين غيرهم، ممن امتد نشاطهم خارج المملكة، كما لا يمكننا إغفال دور ” هيئة المسرح والفنون الأدائية ” التي فتحت باب العالمية للمسرح السعودي ، فقدم عروضا قوية حصد بعضها جوائز عالمية في أوروبا وأميركا ، منها : ” طوق ” لفهد الدوسري ، و ” تكلم حتى أراك ” ليوسف الحربي ، ” زرقاء اليمامة ” وهي أول وأضخم أوبرا سعودية عربية لصالح زمانان ، ” سجناء أحرار ” لتركي باعيسى ، هذا إلى إرسال بعثات طلابية لدراسة المسرح في المعاهد العالمية حول التأليف والاخراج والتمثيل، إضافة إلى تأسيس الفرق المسرحية وتنظيم المهرجانت التي أهمها اليوم مهرجان الرياض المسرحي . مع ما تشهده هذه النهضة الثقافية من إقبال كبير يترجم الثقة الكبيرة بقيادة الأمير محمد بن سلمان ورؤيته الرشيدة للثقافة والعلوم.

 

حسين السنونة – النهار

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي !!