«تحت شجرة التين».. مسرحية جديدة لهوشنك وزيري تستنطق ذاكرة الأنفال
عمل صادر عن منشورات رامينا في لندن يحوّل مأساة القرى الكردية المدمّرة إلى خطاب مسرحي عن العدالة والذاكرة ومقاومة النسيان

أعادت منشورات رامينا في لندن فتح واحدة من أكثر الصفحات إيلاماً في التاريخ الكردي الحديث، بإصدارها المسرحية الجديدة «تحت شجرة التين» للكاتب والباحث الكردي العراقي هوشنك وزيري، وهي مسرحية تستلهم مأساة حملة الأنفال لتقدّم معالجة فنية تتجاوز حدود التوثيق التاريخي، نحو مساءلة الذاكرة الجماعية، والعدالة، وما يخلّفه العنف من ندوب تستعصي على الزمن.
ينسج وزيري عالمه المسرحي في فضاء تتداخل فيه الوقائع مع الذاكرة، والحاضر مع أطياف الماضي، لتغدو القرية الكردية المدمّرة مسرحاً مفتوحاً لأصوات الضحايا والمفقودين والناجين، حيث لا يقتصر النص على استعادة المأساة، بل يحوّلها إلى تجربة إنسانية تتأمل معنى الفقد، وتبحث في قدرة الإنسان على مواجهة الخراب وصون ذاكرته من النسيان.
ويستهل الكتاب بمقدمة للروائي والمترجم العراقي سنان أنطون بعنوان «من حقّ الموتى أن يستجوبوا الأحياء»، يقرأ فيها المسرحية بوصفها دفاعاً عن الذاكرة في مواجهة محاولات طمسها أو تحويلها إلى مادة للاستهلاك السياسي. ويرى أنطون أن الأدب يمتلك قدرة استثنائية على حفظ أصوات الضحايا، وإنتاج خطاب جمالي ونقدي يواجه الماضي دون أن يفقد قيمته الفنية أو الإنسانية.
ويشير أنطون إلى أن المسرحية تعود بالقارئ إلى “مسرح الجريمة”، مستحضرة آثار حملة الأنفال التي طالت مئات القرى الكردية، وأسفرت عن مقتل وتهجير عشرات الآلاف ودفن أعداد كبيرة منهم في المقابر الجماعية. ومن خلال هذه العودة، يطرح النص أسئلة تتصل بالعدالة وسياسات الذاكرة والمسؤولية الأخلاقية تجاه ضحايا التاريخ، في حوار متخيّل بين الموتى والأحياء يحمّل الحاضر مسؤولية عدم التفريط في الحقيقة.
وتدور أحداث المسرحية في قرية كردية مدمّرة، يعود إليها زوجان بعد سنوات من انتهاء حملات الأنفال، ليواجها بقايا البيوت وآثار الغياب، فيما تستيقظ الأصوات القديمة من بين الأنقاض، وتفرض حضورها على المكان. ومن خلال حوارات مشحونة بالتوتر والانفعال، يكشف النص كيف يظل العنف حيّاً في الذاكرة حتى بعد انقضاء زمنه، بينما تتحول شجرة التين إلى رمز للحياة التي أُحرقت، وللجذور التي تواصل التشبث بالأرض والهوية.
ويعتمد هوشنك وزيري بناءً درامياً يقوم على اقتصاد المكان وكثافة الحوار، مع مزج الواقع بالطيفي، فتجاور الشخصيات الحية الأشباح والذكريات في فضاء مسرحي متعدد الدلالات، يتيح للمخرج إمكانات واسعة في توظيف الإضاءة والصمت والإيقاع بوصفها عناصر أساسية في إنتاج المعنى وتعميق الأثر الدرامي.
ويأتي صدور «تحت شجرة التين» في سياق اهتمام منشورات رامينا بنشر أعمال أدبية تعالج التجارب الإنسانية الكبرى، وتسهم في توثيق الذاكرة الكردية والعراقية من خلال أشكال إبداعية حديثة تجمع بين القيمة الفنية والبعد التاريخي، وتدعو القارئ إلى التأمل في آثار الحروب والإبادات على الإنسان والمكان والذاكرة.
صحيفة العرب



