شباب الإمارات والسينما.. من مقاعد المشاهدة إلى كواليس الإبداع

لم تعد السينما بالنسبة إلى جيل جديد من الشباب الإماراتي مجرد شاشة تُروى عليها الحكايات، بل باتت مساحة لاكتشاف الذات، ونافذة لقراءة المجتمع، وميداناً لاختبار الموهبة وتحويل الأفكار إلى صور تنبض بالحياة.
وبين شغف المتابعة وفضول التجربة الأولى، يتنامى حضور «الفن السابع» في اهتمامات الشباب، مدفوعاً بمشهد سينمائي أكثر انفتاحاً، وتعدد ورش التدريب وبرامج الدعم، واتساع الفرص أمام المواهب الصاعدة لخوض غمار الصناعة.
وفيما تتشكل ملامح جيل جديد لا يكتفي بأن يكون متلقياً، بل يتطلع إلى أن يكون جزءاً من صناعة الصورة والحكاية، تتباين دوافع الشباب بين من يجد في السينما شغفاً ومتنفساً إبداعياً، ومن يخطو خطواته الأولى خلف الكاميرا.
ومن يراقب المشهد المحلي بعين المتلقي متطلعاً إلى أعمال أكثر تنوعاً وجرأة وقدرة على ملامسة تفاصيل الحياة الإماراتية. وبين هذه الأصوات والتجارب، يبرز سؤال المستقبل: كيف يرى الشباب السينما الإماراتية اليوم، وما الذي ينتظرونه منها غداً؟
وفي حديث عن واقع السينما المحلية ومستقبلها، أكدت المخرجة الشابة فاطمة عبدالعزيز الشامسي، أن البيئة السينمائية في دولة الإمارات شهدت قفزة نوعية وحقيقية خلال السنوات الأخيرة، ما أتاح للشباب فرصاً استثنائية للنمو والابتكار لم تكن متوافرة بالأداء نفسه للأجيال السابقة.
وأوضحت أن انتشار المهرجانات، والبرامج التدريبية، وورش العمل، إضافة إلى المساحات الثقافية والمجتمع المتنامي من صنَّاع الأفلام، أسهم بشكل مباشر في تبادل الخبرات وبناء علاقات مهنية جادة.
لافتةً إلى أن الأهم في هذه المرحلة هو تحوّل صناعة السينما من مجرد «حلم بعيد» إلى خيار مهني وعملي ملموس، ما يمكّن الموهوبين من الانتقال الفعلي من مرحلة امتلاك الفكرة إلى مرحلة التنفيذ والإخراج.
وأشارت فاطمة الشامسي، التي أخرجت الفيلم الروائي القصير «وعد»، إلى أن القطاع السينمائي في الدولة يعيش مرحلة نمو منحازة للجيل الحالي، حيث لا يقتصر دورهم على الانضمام إلى صناعة قائمة، بل يمتد للإسهام المباشر في تشكيل ملامحها وتوجهاتها المستقبلية.
وفيما يتعلق بالتحديات، أوضحت أن العائق الأبرز أمام الشباب يكمن في كيفية الانتقال من مرحلة «شغف السينما» إلى «ممارسة صناعتها»، وهي خطوة تتطلب مهارات تنظيمية وتواصلية وقدرة عالية على العمل الجماعي والتعاون مع رؤى ومواهب متنوعة.
وأكدت الشامسي أن ملف التمويل والاستثمار يشكّل تحدياً جوهرياً، لا سيما للأفلام الروائية والفنية التي تحمل رؤية خاصة بعيدة عن المنطق التجاري التقليدي، ما يخلق فجوة بين الخيال الفني للكاتب وإمكانية التنفيذ على أرض الواقع، مشددةً في هذا الصدد على ضرورة تطوير منظومة استثمار تمويلي أكثر تنوعاً ومرونة لدعم المشاريع المستقلة، بما يمنح صناع الأفلام مساحة أكبر للمجازفة والتجريب وتطوير أصواتهم الخاصة.
واستعرضت تجربتها الشخصية في تطوير أدواتها الإخراجية، مشيرةً إلى أن التعلم الميداني عبر كتابة المشاريع، والعمل الجماعي، ومتابعة الأعمال العالمية بوعي تحليلي، كان له الأثر الأكبر في صقل خبراتها، مبينةً أن السينما تتطلب استمرارية ومرونة حتى عندما لا تسير الأمور وفق المخطط.
وحول ما يميّز الجيل الجديد من السينمائيين الإماراتيين، أشارت فاطمة الشامسي إلى أن هذا الجيل يتميز بالحرية والتنوع، ويرفض الالتزام بقالب أو صورة نمطية واحدة لما يجب أن تكون عليه القصة المحلية، بل يسعى لاستكشافها عبر قوالب متعددة كالدراما، والكوميديا، والأعمال التجريبية.
معربةً عن تطلعها الشخصي لتقديم صورة أكثر إنسانية وحميمية عن المجتمع الإماراتي، من خلال التركيز على تفاصيل الحياة اليومية والعلاقات والمشاعر الإنسانية البسيطة بعيداً عن الصور العرفية أو العناوين الكبرى.
واختتمت المخرجة الشابة حديثها بالتأكيد أن طموح جيلها يتجاوز مجرد المشاركة في المهرجانات الدولية، بل يطمح لبناء صناعة متكاملة المستلزمات تتيح لصانع الفيلم الإماراتي أن يروي قصته بصوته الخاص، وصولاً إلى مرحلة يتجاوز فيها التساؤل وجود سينما إماراتية من عدمه، إلى تحديد نوع وهوية السينما التي يطمحون لبنائها ونقلها للعالم.
كوادر شابة
من جانبه، أكد عبدالله الجروان الشامسي، المهتم بالصناعة السينمائية وأحد المستفيدين من «البرنامج الوطني لمنح الثقافة والإبداع» التابع لوزارة الثقافة عن فئة الإبداع والإنتاج (مجال الأفلام والتلفزيون)، أن المشهد السينمائي في دولة الإمارات يشهد حراكاً وتطوراً ملحوظاً على صعيد التقنيات والكوادر الشابة، مشيراً إلى أن التجربة السينمائية المحلية باتت تمتلك مقومات النجاح والتوسع.
وأوضح أن شغفه بالسينما يشكّل المورد الأساسي لمخزونه البصري والثقافي، واصفاً إياها بالمتنفس الإبداعي والمجال الملهم. وعن حافزه لمتابعة الحراك السينمائي المحلي، أشار إلى أن التجارب الشبابية والمستقلة الأخيرة لمخرجين إماراتيين بارزين أثبتت جدارتها وقدمت صورة بصرية وسردية ممتازة، ما يبعث على الشغف والفضول لمواكبة هذا التطور المشجع.
وحول مدى تعبير الأفلام الإماراتية عن قضايا الشباب، شدد عبدالله الجروان على أنه لا يمكن اختزال نجاح السينما المحلية في هذا المعيار فحسب، نظراً لكون التجربة لا تزال في طور النمو.
مضيفاً أن المعيار الحقيقي للنجاح يكمن في نمو الكوادر الوطنية وظهور شركات إنتاجية واستثمارية ضخمة ترفد القطاع، إلى جانب الشراكات الناجحة لمخرجين إماراتيين مع منصات عالمية، وأن المرحلة المقبلة تتطلب التركيز على تطوير الكتَّاب المحليين وصقل مهاراتهم عبر برامج التوجيه والاحتكاك بالمشاريع العالمية.
وفي سياق تطلعاته للسنوات المقبلة، دعا الشامسي إلى توسيع مفهوم «المحلية» في السينما الإماراتية وتطويره، بحيث لا يُقتصر على قوالب الأعمال التراثية الحالية وحدها، بل يمتد ليشمل تنويع المواضيع والمضامين التي تعكس واقع الثقافة الشعبية الحالية والتنوع الاجتماعي في الدولة، مؤكداً أن توافر الجانب المادي والتقني بمستويات عالية يجعل التحدي الأبرز متمثلاً في عمق الطرح وتنوع المعالجة الدرامية ووجود قصص إضافية قابلة للطرح خارج القوالب التقليدية القائمة.
وعن تجربته السينمائية الأولى، كشف الشامسي عن عمله على فيلم قصير حظي بدعم «البرنامج الوطني لمنح الثقافة والإبداع» عقب فترة تحضير وكتابة استمرت أكثر من عام، موضحاً أن الفيلم يقدّم معالجة سينمائية جديدة يستلهم فيها العرض الأداء الشهير «الإيقاع صفر» للفنانة مارينا أبراموفيتش، لإسقاطه على تفاصيل الحياة اليومية للجيل الجديد، متناولاً ثقافة الاستهلاك والسيطرة المادية والتقنية.
واختتم عبدالله الشامسي تصريحه بالإعراب عن أمله في أن تكون هذه الخطوة الانطلاقة لسلسلة من المشاريع المقبلة التي تسهم في إثراء الصناعة الثقافية المحلية، مؤكداً حرصه بصفته شغوفاً بالسينما على تقديم سردية إماراتية متطورة قادرة على الوصول إلى الجمهور العالمي وتأكيد حضور الصوت الإماراتي في المحافل السينمائية.
تحوّل لافت
ورأى خليفة إبراهيم السعيدي، أحد المستفيدين من «البرنامج الوطني لمنح الثقافة والإبداع» التابع لوزارة الثقافة عن فئة الإبداع والإنتاج (مجال الأفلام والتلفزيون)، أن البيئة السينمائية في دولة الإمارات تقف حالياً على أعتاب تحول جديد لافت ومأهول بمواهب صاعدة لم تُكتشف بعد.
موضحاً أن الأدوات والعناصر الحديثة لصناعة الفيلم أصبحت متوافرة للجميع، ما أتاح تحويل الأفكار إلى تجارب حقيقية وفريدة، معرباً عن أمله في أن يحافظ صانع الأفلام الإماراتي على أصالة أعماله.
وعن أبرز العقبات التي تواجه الشباب الإماراتي في هذا المجال، أشار إلى أن التحدي الأكبر يكمن في كسب ثقة المنتجين والمموّلين، لا سيما في ظل ارتفاع تكاليف الإنتاج وصعوبة إقناع المستثمرين بتحويل الأفكار إلى واقع، مبيناً أنه تمكن من تجاوز هذه العقبة عبر عرض أفكاره بطريقة عفوية ومبتكرة تصل إلى المستمع وتترك أثراً ملموساً لديه.
وفي سياق حديثه عن مميزات الجيل الجديد من السينمائيين، شدد السعيدي على أن التجارب الشبابية الحالية تتجاوز حدود مخاطبة الجمهور المحلي لتخاطب العالم أجمع عبر المنصات الرقمية، مختتماً تصريحه بالـتأكيد أن هذا الجيل يمتلك وعياً كبيراً بأنه لا حدود للوصول إلى العالمية، وهو الطموح الأبرز الذي يسعى الجميع لتحقيقه مستقبلاً.
السيد رمضان – البيان



