أخبار مسرحية

المرأة الإماراتية في المسرح.. من كسر الحواجز إلى صناعة المشهد

بدأت المرأة الإماراتية خطواتها الأولى فوق خشبة المسرح في سبعينيات القرن الماضي، ولم يكن ظهورها مجرد إضافة ممثلة جديدة إلى العرض، بل كان في حد ذاته تحولاً في تاريخ الحركة المسرحية المحلية، إذ بدأت المرأة تدريجياً تأخذ مكانها الطبيعي على الخشبة.

ومن تلك البدايات إلى المشهد المسرحي الراهن، قطعت المرأة الإماراتية رحلة طويلة، انتقلت خلالها من إثبات حقها في الظهور إلى المشاركة الفاعلة في صناعة العرض المسرحي نفسه، ممثلة وكاتبة ومخرجة ومشتغلة في مجالات مختلفة من العمل المسرحي.

ويأتي الاحتفاء بيوم المرأة الإماراتية، الذي يصادف 28 أغسطس من كل عام، تأكيداً على ما حققته المرأة من حضور راسخ في مسيرة التنمية الوطنية، وفي مختلف قطاعات الثقافة والفنون والإبداع، ومنها المجال المسرحي، الذي شكّل إحدى أبرز المساحات التي أثبتت فيها المرأة الإماراتية قدرتها على العطاء والتأثير.

وشهدت الحركة المسرحية الإماراتية بروز عدد من الأسماء النسائية التي أسهمت في ترسيخ وجود المرأة على الخشبة، ومن أبرزهن رزيقة طارش، ومريم سلطان، وموزة المزروعي، وسميرة أحمد، إلى جانب أسماء أخرى كثيرة أسهمت في إثراء التجربة المسرحية الإماراتية وتعزيز حضور المرأة فيها.

وعن التحديات التي كانت تواجه المرأة في سبعينيات القرن الماضي، قالت الفنانة موزة المزروعي: «كان على الرائدة أن تثبت أولاً أن وجود المرأة على الخشبة ممكن، قبل أن تستطيع الأجيال التالية مناقشة نوع الدور الذي تريد أداءه، والنص الذي تريد كتابته، والعرض الذي تريد إخراجه، وهنا تحديداً تكمن أهمية ذلك الجيل؛ فقد فتح الباب الذي عبرت منه التجارب اللاحقة».

وأكدت أن المرأة الإماراتية استطاعت إثبات حضورها ممثلة، إلا إن حضورها في الإخراج المسرحي ظل تاريخياً أقل اتساعاً، وأثار مسرحيون ونقاد إماراتيون هذه المسألة في أكثر من مرحلة، خصوصاً مع اتساع مشاركة النساء في المسرح الجامعي والمدرسي ومسرح الطفل مقابل محدودية انتقال التجارب النسائية إلى إخراج عروض احترافية كبيرة.

وتابعت المزروعي: «هنا يصبح اتساع دائرة المخرجات واحداً من المؤشرات المهمة لقياس المرحلة الجديدة من حضور المرأة في المسرح الإماراتي؛ فالمطلوب اليوم لم يعد فقط اكتشاف ممثلة جديدة، بل اكتشاف مخرجة وكاتبة ومصممة سينوغرافيا وباحثة وناقدة، وصولاً إلى وجود المرأة في مختلف مفاصل العملية المسرحية».

ولفتت إلى أن المهرجانات المسرحية لعبت دوراً مهماً في توفير البيئة التي يمكن أن تتشكل داخلها الأجيال الجديدة؛ فالحركة المسرحية لا تتطور بالموهبة وحدها، وإنما تحتاج إلى عرض مستمر، ومنافسة، وورش وتدريب واحتكاك بتجارب الآخرين. ومن خلال هذه البيئة يستطيع الفنان الانتقال من التجربة الأولى إلى بناء مشروع مسرحي متراكم.

اكتشاف المواهب

كما أن اتساع النشاط المسرحي في الإمارات أوجد مساحات متعددة لاكتشاف المواهب، من المسرح المدرسي والجامعي إلى مسرح الطفل ومسرح الشباب والعروض الاحترافية. ويمكن النظر إلى تجربة الكاتبة باسمة يونس بوصفها واحدة من التجارب التي حافظت على صلة واضحة بالكتابة للمسرح، في وقت ظل فيه سؤال ندرة الكاتبات المسرحيات مطروحاً داخل الوسط الفني.

باسمة يونس

وقالت الكاتبة باسمة يونس: «لم يكن حضور المرأة في المسرح الإماراتي حضوراً هامشياً، بل دخلت هذا المجال الجديد على مجتمع محافظ بإصرار على النجاح فيه كما نجحت في غيره، وكل من دخلت المسرح كانت لها الريادة ومن فتحت بيدها الباب أمام من جئن بعدها».

وتابعت يونس: «كانت الجرأة الأولى على دخول عالم المسرح ومواجهة الجمهور خطوة صعبة ومليئة بالتحديات. وكما قالت الفنانة موزة المزروعي، أول امرأة إماراتية تصعد على خشبة المسرح، فإن هذا الحضور لم يكن بلا ثمن؛ فقد واجهت الكثير من التحديات، لكنها لم تتراجع، ولم تسمح للخوف بأن يقف في طريقها. ولأنها كانت تدرك جيداً ما اختارته، واصلت بإرادة قوية المشاركة في العروض المسرحية».

وأردفت: «وسارت على الدرب نفسه الفنانة سميرة أحمد، التي واجهت رفضاً عائلياً صارماً لمجرد فكرة احترافها التمثيل، إلا أنها اختارت المضي في هذا الطريق، وساعدها دعم رواد مسرح دبي على الاستمرار، حتى أصبحت واحدة من أبرز رائدات المسرح والدراما في الإمارات والعالم العربي.

وكذلك الفنانة مريم سلطان، التي اختارت المسرح رغم معارضة أسرتها، والراحلة المبدعة رزيقة طارش. وعلى الرغم من أن عدد هؤلاء الرائدات لم يكن كبيراً، فإنهن أسهمن بصورة أساسية في تأسيس حضور المرأة الإماراتية ممثلةً تقف على خشبة المسرح وتشارك في الحركة المسرحية من أوسع أبوابها».

وأضافت: «ومع ذلك، وعلى الرغم من هذا الحضور، لا تزال هناك مساحات واسعة في المجال المسرحي لم يحظَ فيها دور المرأة بالحضور الكافي، أو ما زال حضورها فيها محدوداً، ومن أبرزها تأليف النصوص المسرحية، والعمل الإداري، بما في ذلك قيادة مجالس إدارات المهرجانات، والمشاركة في لجان التحكيم.

وإدارة المسارح. وهذه، في تقديري، هي المساحات التي يمكن أن تشكل امتداداً لدور المرأة في المرحلة المقبلة، وتفتح أمامها آفاقاً جديدة للمشاركة والقيادة في مختلف مجالات المسرح».

الابتعاد عن التكرار

عبدالله صالح

بدوره أكد الفنان عبدالله صالح أن الفنانة المسرحية الإماراتية اليوم تدخل إلى عالم مختلف جذرياً عن العالم الذي دخلته الرائدات، لم تعد بحاجة إلى خوض المعركة نفسها لإثبات أن المرأة تستطيع الوقوف على خشبة المسرح؛ فقد حسمت الرائدات جانباً كبيراً من تلك المعركة، كما أصبحت أمامها مؤسسات ومهرجانات وورش وفرص للتدريب والاطلاع على التجارب المسرحية العربية والعالمية.

وأوضح أن التكنولوجيا نفسها باتت جزءاً من تكوين هذا الجيل؛ فالمسرحية الشابة تستطيع مشاهدة العروض العالمية والاطلاع على مدارس الإخراج والتمثيل والسينوغرافيا، والوصول إلى النصوص والدراسات والتجارب التي كان الوصول إليها يحتاج في السابق إلى سنوات من السفر والبحث، لكن سهولة الوصول إلى المعرفة رفعت في المقابل سقف التحدي؛ فالجيل الجديد مطالب بألّا يكرر ما صنعه السابقون، وإنما بأن يضيف إليه.

واختتم حديثه: «ومع ظهور الأجيال الجديدة، تبرز أهمية توثيق تجربة المرأة الإماراتية في المسرح؛ فالحديث عن رزيقة طارش ومريم سلطان وموزة المزروعي وسميرة أحمد وغيرهن ليس مجرد استعادة لأسماء من الماضي، وإنما قراءة للكيفية التي تشكل بها الحاضر، إن حفظ تسجيلات العروض والصور والنصوص والشهادات الشفوية للرائدات وتحويلها إلى مادة متاحة للباحثين والأجيال الجديدة يمثل جزءاً من حفظ ذاكرة المسرح الإماراتي نفسه».

 

فادية هاني – البيان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي !!