خيوط تحرك الدمى الصينية لتصنع جسرا نحو العالم
فن صيني عمره قرون يخرج من عباءة التقليد، مستعينا بالتكنولوجيا والمنصات الرقمية للوصول إلى أجيال جديدة حول العالم

في مدينة تشيوانتشو بمقاطعة فوجيان جنوب شرقي الصين، تتداخل الذاكرة الثقافية مع تفاصيل الحياة اليومية، في مشهد يجمع بين الحرف التقليدية والعادات الشعبية والفنون المسرحية.
وكانت المدينة محطة بارزة على طريق الحرير البحري القديم، ولا تزال اليوم تحتفظ بإرث ثقافي غير مادي متنوع، يجد في التجديد وسيلة للحفاظ على حضوره واستمراره.
ومن بين أبرز مظاهر هذا التراث، يبرز فن الدمى المتحركة بالخيوط في تشيوانتشو، الذي نجح خلال السنوات الأخيرة في الانتقال من فضاء العروض التقليدية إلى مسارح ومنصات حديثة تستقطب جمهورا أكثر تنوعا، ولا سيما من فئة الشباب.
وأفادت وكالة الأنباء الصينية (شينخوا) بأن هذا الفن أُدرج عام 2006 ضمن قائمة التراث الثقافي غير المادي على المستوى الوطني في الصين، باعتباره أحد الفنون المسرحية التقليدية التي حافظت على حضورها عبر أجيال متعاقبة.
وكانت عروض الدمى المتحركة بالخيوط تستقطب في الماضي، بشكل أساسي، كبار السن من السكان المحليين، إلا أن المشهد تغير تدريجيا مع تطوير المضامين الفنية، والاستفادة من التكنولوجيا، وتحديث طرق الترويج والوصول إلى الجمهور. وأصبح هذا الفن قادراً على مخاطبة شرائح عمرية مختلفة، من دون أن يفقد خصائصه الأساسية.
ويتمثل أحد أبرز مظاهر التجديد في تطوير المحتوى المسرحي. ورغم احتفاظ فن الدمى المتحركة بالخيوط في الصين بأكثر من 700 مسرحية تقليدية ضمن رصيده الفني، فإن العاملين في هذا المجال يواصلون إنتاج أعمال جديدة تستلهم التراث والأساطير الصينية وتقدمها بأساليب معاصرة.
وفي عام 2025، قدم مركز حماية وتوارث فن الدمى المتحركة بالخيوط في تشيوانتشو عملا جديدا مستوحى من شخصية ‘نه تشا’، وهي من الشخصيات المعروفة في الأساطير الصينية. وجمع العرض بين تقنيات تحريك الدمى المتوارثة وأساليب المسرح الحديثة، فيما تجاوز عدد مشاهدي العرض الأول 500 شخص.
متمتد عملية التجديد غلى القصة والمضمون، وإلى أدوات العرض نفسها، فقد خاض المركز في العام ذاته تجربة جديدة دمج فيها فن الدمى مع تقنيات الروبوتات، من خلال عرض يتيح لدمية قرد وروبوت على هيئة كلب التفاعل فوق خشبة المسرح.
وتقدم هذه التجربة نموذجا لكيفية توظيف التكنولوجيا في خدمة التراث، إذ يجتمع إتقان صناعة الدمى وتحريكها بالخيوط، وهو فن يتطلب مهارات دقيقة وتدريبا طويلا، مع تقنيات حديثة تفتح إمكانات جديدة في الحركة والأداء والتفاعل المسرحي.
وأسهم تحديث هذا الفن في تغيير طبيعة جمهوره، حيث تشير بيانات مسرح الدمى المتحركة في تشيوانتشو إلى أن الشباب والطلاب شكلوا أكثر من 80 بالمائة من المشاهدين خلال السنوات الأخيرة، في مؤشر على نجاح محاولات تقريب الفن التقليدي من الأجيال الجديدة.
ولا ينفصل هذا التحول عن الانتشار المتزايد للمحتوى الثقافي التقليدي عبر المنصات الرقمية. ووفق ‘تقرير تطور التراث الثقافي غير المادي على منصة كوايشو لعام 2026’، حققت مقاطع الفيديو المرتبطة بالتراث الثقافي غير المادي على المنصة 133.29 مليار مشاهدة خلال عام 2025.
وسجل محتوى البث المباشر المتعلق بالفنون المسرحية التقليدية الصينية وحده 28.84 مليار مشاهدة، فيما تجاوز النمو السنوي لعدد المستخدمين الشباب المهتمين بالتراث الثقافي غير المادي 50 بالمائة.
وتكشف هذه الأرقام عن تحول المنصات الرقمية إلى وسيلة مؤثرة في تعريف الأجيال الجديدة بالفنون التقليدية وإعادة تقديمها في قوالب تناسب عادات المشاهدة الحديثة.
واتسع انتشار فن الدمى المتحركة بالخيوط إلى منصات دولية عبر عروض وتبادلات ثقافية في عدد من الدول، من بينها فرنسا وجورجيا وتايلاند.
وفي مايو/أيار من العام الجاري، شارك الفن أيضا في فعالية للترويج للثقافة والسياحة أقيمت في المغرب، في خطوة تعكس قدرة الفنون المسرحية التقليدية على لعب دور في التواصل الثقافي بين الشعوب.
وتوضح تشوانغ لي أ، وريثة فن الدمى المتحركة بالخيوط في تشيوانتشو، والتي شاركت لفترة طويلة في العروض الخارجية، أن خصوصية هذا الفن تكمن في اعتماده على الحركة وتعبيرات الدمى ومهارات التحكم بالخيوط، بدلاً من الاعتماد الكامل على الحوار المنطوق.
وتمنح هذه الخصائص الفن قدرة على تجاوز الحواجز اللغوية، إذ يستطيع المشاهد، حتى من دون معرفة اللغة الصينية، متابعة الشخصيات وفهم جانب كبير من القصة من خلال الحركة والإيماءات والإيقاع والتفاعل فوق الخشبة.
وهكذا، تتحول الخيوط التي تحرك الدمى إلى أكثر من مجرد أداة تقنية؛ فهي وسيلة للحفاظ على تقليد مسرحي عمره أجيال، وفي الوقت نفسه جسر يربط التراث الصيني بالتكنولوجيا الحديثة والشباب والجمهور الدولي.
MEO



