أوديسة المسرحي المغربي: رحلة بلا «إيثاكا»

استلهم المسرح اليوناني والروماني شخصيات «الأوديسة» وأحداثها لبناء حبكات درامية حول المصير البشري وصراع الإرادة مع القوى التي تتجاوز الإنسان. لكن «الأوديسة» تختلف عن «الإلياذة» في كونها ملحمة ما بعد الحرب؛ إنها ملحمة النجاة والعودة. تبدأ حين تنتهي الحرب، حين يتحول الانتصار نفسه إلى بداية لمحنة جديدة. ومن هنا يمكن أن تصبح الأوديسة مرآة رمزية لواقع المسرح المغربي.
أوديسيوس لا يبحث عن الخلود؛ يريد النجاة والعودة إلى أسرته. ينتصر في طروادة بالحيلة، لكن حصان طروادة- المسرح المغربي- الذي صنع انتصاره، يتحول إلى عبء يلاحقه في رحلة العودة. وهنا تكمن المفارقة التي تهمنا: ماذا لو كان الحصول على الدعم هو «طروادة» المسرحي المغربي؟ ماذا لو تحول الانتصار بالحصول عليه إلى بداية لمعاناة أخرى أشد؟
ينجح المسرحي في الحصول على الدعم، فيبدو كأنه وصل. لكنه يكتشف أن الرحلة الحقيقية تبدأ بعد ذلك: إنجاز العرض، البحث عن الفضاء، الإنارة، الصوت، الديكور، الأجور، التواصل، الإشهار، التوزيع، ثم البحث عن الجمهور وانتظار مستحقات«السيمانة» الجاية. كأن أوديسيوس المغربي ينتصر في الحرب، ثم يعود إلى ميناء الادارة ليبدأ حرباً أخرى مع التفاصيل.
ومنذ مغادرة أوديسيوس طروادة، لا يعرف طريقاً مستقيماً إلى إيثاكا. تتوالى العراقيل والاختبارات، حتى يبدو أن رحلة العودة هي ثمن الانتصار نفسه. وهذا حال كثير من المسرحيين: كلما تجاوزوا عقبة ظهرت أخرى، وكل إدارة جديدة قد تعيدهم إلى نقطة البداية، وكأن الذاكرة المؤسسية لا تتراكم.
ولعل «الساحرات» اللواتي يعترضن طريق أوديسيوس يمكن قراءتهن رمزياً بوصفهن التعقيدات الإدارية التي تطيل رحلة الفنان. ليس المقصود أشخاصاً بعينهم، وإنما منظومة تجعل المسرحي يقضي وقتاً طويلاً في الملفات والمراسلات والانتظار، بدل أن يقضيه في الكتابة والإخراج والتدريب.
لكن الأخطر من العرقلة هو ضياع الذاكرة. إذا كانت المؤسسات تدعم إنتاج العروض، فأين أرشيف هذه العروض؟ أين التسجيلات والملصقات والصور والنصوص وأسماء الممثلين والتقنيين والنقاد؟ المسرح المغربي ينتج عروضاً، لكنه لا ينتج دائماً ذاكرته بالقدر نفسه. أليس هذا إهدار للمال العام بٱعتبار انه إهدار للذاكرة والتاريخ .بالتالي أين التاريخ الذي سيتيح للأجيال القادمة أن تعرف ماذا كان المسرح المغربي يفعل في هذه اللحظة لتصبح المأساة الحقيقية أن ينجو المسرحي من الرحلة، بينما يضيع أثر الرحلة.
إذا كانت الوزارة لا تمتلك أرشيفاً مؤسساتياً متكاملاً للعروض المسرحية المدعمة، فإننا أمام مفارقة مؤلمة: مؤسسة تدعم إنتاج الذاكرة الثقافية، لكنها قد لا تمتلك بالقدر الكافي ذاكرة مؤسساتية لما دعمته.
اما بالنسبة للتقنيات ساقف عند نقطتين .الأولى ان المسرح المغربي يعاني من ضعف الإضاءة. وكيف لمسرح يعاني من ضعف تقنيات الإنارة، ان يضيئ وينوَّر الجمهور
والثانية غياب «les trappes»، أو فتحة الخشبة، استعارة أخرى. في المسرح يدخل الممثل غالباً من اليمين أو اليسار؛ لا يخرج من الأرض ولا ينزل عادة من السماء. وكأن السينوغرافيا تعكس، بسخرية، واقعاً سياسياً وثقافياً ظل منشغلاً بجهة الدخول أكثر من السؤال: إلى أين نريد أن نصل؟ في السياسة تماسيح وعفاريت وسحرة عليهم ان يعرفوا الرحلة كما في الأوديسة؛ لكن السؤال ليس من هو التمساح أو العفريت أو الساحرة، بل لماذا تحتاج رحلة المسرحي إلى كل هذه الوحوش؟
المشكلة ليست في الدعم نفسه، بل حين يتحول إلى غاية. فالدعم ليس إيثاكا. إيثاكا الحقيقية هي الجمهور ضحية صناعة ثقافية لا تعنى بخلق الرغبة لدى المستهلك والاستمرارية، والكرامة المهنية، والتوزيع، والذاكرة، والتراكم والاعتراف. العرض الذي لا يحظى بالإعلام والترويج يشبه سفينة وصلت إلى الميناء ولم يخبر أحد بوصولها.
والمسرح ليس نصاً وممثلاً فقط؛ إنه ضوء وصوت وفضاء وتقنية وإدارة وترويج وجمهور. والممثل، الذي يحمل النص في جسده، يظل غالباً الحلقة الأضعف؛ إنه سماد الفن المغربي: يغذي الشجرة ولا يحصل دائماً على ثمارها. وأكثر من هذا تصل تعويضاته رهينة ب«السيمانة الجاية» التي أصبحت مرادفات ليوم القيامة .وفي غالب الأحيان تأتي القيامة ولا تأتي السيمانة الجاية .
لذلك لا ينبغي أن يكون السؤال: كيف نجعل المسرحي يواصل الرحلة؟ فهو يواصلها بالفعل. السؤال هو: إلى أين نريد أن يصل في هاته الظروف؟
مع العلم ان المسرحيين، مثل أبطال الملاحم، يميلون أحياناً إلى الاعتقاد بأن كل واحد منهم هو صاحب الخلاص، وأن تجربته هي مركز الحكاية.
المسرح لا يحتاج إلى أبطال أكثر بقدر ما يحتاج إلى منظومة تحفظ آثره وكرامة أبطاله.
الأوديسة الحقيقية ليست أن ينجو أوديسيوس من الوحوش، بل أن يصل إلى بيت يتذكره. والمسرح المغربي لا يحتاج فقط إلى أن يصل فنانونا إلى إيثاكا؛ إنه يحتاج إلى أن تكون هناك إيثاكا أصلاً، تحفظ العروض وأسماء أصحابها وآثارهم ومستحقاتهم .
وإلا سنظل أمام أوديسة لا تنتهي: سفن كثيرة، أبطال كثيرون، ساحرات وتماسيح كثيرة … لكن لا خريطة.
والأخطر من ذلك كله أن نصل ذات يوم إلى إيثاكا، ثم نكتشف أن أحداً لم يحتفظ بذاكرة الطريق المتعبة للروح والجسد .
عتقوا الروح …
حفيظ البدري – lecollimateur.ma



