ثقافة

اقتصاد دبي الإبداعي.. فصول جديدة في كتاب الإنجازات

إطلاق مشاريع فنية عصرية تعزز التنافسية والسياحة الثقافية

«على قدر أهل العزم تأتي العزائم» بخطى واثقة تمضي دبي قدماً نحو ترسيخ مكانتها عاصمة عالمية للثقافة والإبداع بفضل رؤية صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، الذي يؤكد دوماً على الدور الحضاري للثقافة والفنون في بناء مستقبل مزدهر للشعوب، ونتبين ذلك في قول سموه:

«إن الفن بجميع ألوانه وأنواعه يعكس ثقافة الشعوب وحضارتها وتاريخها كما يعكس صور الطبيعة والجمال والبيئة لأي بلد كان، فهو مرآة حقيقية لتقدم الشعوب وتحضرها».

وكعادتها، شهدت دبي خلال الفترة الماضية الإعلان عن إطلاق صروح جديدة تعزز تنافسية سوقها الفني، وتفتح آفاقاً رحبة لمشهد إبداعي خلاق متنامٍ، تؤكد دبي من خلاله، أن الفن بات جزءاً أصيلاً من هوية المدينة، وانعكاساً لنهجها في صناعة مستقبل أكثر إشراقاً، وأن الاستثمار في الإبداع خيار استراتيجي محوري يعزز الاقتصاد، ويجعل من الثقافة قوة ناعمة فاعلة، ومحركاً رئيسياً للتنمية.

وتتجلى ملامح هذا المشهد عبر مشاريع عصرية، من بينها «متحف الفن الرقمي» الذي سيُقام ضمن مشروع التوسعة الكبرى «زعبيل ديستركت – مركز دبي المالي العالمي» ومن المقرر افتتاحه عام 2029، و«كليو في الصحراء»، ومتحف دبي للفنون «دوما»،.

ومشروع الحي الثقافي في دبي الجنوب الذي يضم دار أوبرا عائمة تتسع لـ2500 شخص، ومرافق ثقافية متكاملة، لتتناغم تحت سماء دبي ألوان الفنون ومفردات المعمار.

وتشكل هذه الصروح علامات فارقة، تكرس مكانة دبي وجهة مفضلة للمبدعين والمستثمرين ورواد الأعمال من مختلف أنحاء العالم، وتعكس التنوع الثقافي والفني الذي يميز الإمارة، وتدون بحروف من ذهب فصلاً جديداً في كتاب قصص إنجازات دبي الإبداعية.

ومع هذا الزخم المتسارع في إطلاق المشاريع، تبرز تساؤلات جوهرية حول مستقبل المشهد الإبداعي في دبي، ومدى قدرته على استقطاب زوار يبحثون عن تجارب ثقافية استثنائية، وتعزيز قطاع السياحة، ورفع سقف التنافسية، وتحفيز الابتكار، ما يصب في نهاية المطاف في نهر الاقتصاد.

الثقافة رافد تنموي مؤثر

وأكدت هالة بدري، مدير عام هيئة الثقافة والفنون في دبي «دبي للثقافة»، لـ«البيان» أن دبي نجحت في بناء منظومة متكاملة جعلت من الثقافة رافداً تنموياً واقتصادياً مؤثراً، ونهجاً يرتكز على الاستثمار في الإنسان والابتكار والمعرفة، لافتةً إلى أن «متحف الفن الرقمي» يمثل محطة جديدة في مسيرة الإمارة نحو تعزيز حضورها العالمي وترسيخ مكانتها مركزاً للاقتصاد الإبداعي.

وتابعت: «يشكل المتحف إضافة نوعية للمشهد الثقافي، ونموذجاً متقدماً للمؤسسات القادرة على مواكبة التحولات التي يشهدها العالم في ظل تنامي دور التقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي في صياغة مستقبل الفنون.

كما يتميز المشروع بقدرته على التعامل مع الفن بوصفه مساحة للتفاعل والتجريب وتطوير الأفكار، ما يفتح المجال أمام ظهور تجارب إبداعية جديدة تنطلق من دبي إلى العالم».

وأوضحت مدير عام هيئة الثقافة والفنون في دبي أن «متحف الفن الرقمي» يجسد توجه دبي نحو الاستثمار في الصناعات الثقافية والإبداعية عبر بناء بيئة تجمع الفنانين والمصممين والمطورين والباحثين ورواد التكنولوجيا، بما يسهم في إثراء الحراك الإبداعي الذي تشهده الإمارة، مضيفة:

«نعيش مرحلة أصبحت فيها الثقافة جزءاً من الاقتصاد الرقمي العالمي، وتحولت فيها المؤسسات الثقافية إلى منصات لتبادل المعرفة وصناعة التجارب التفاعلية، وهو ما يبرز أهمية المتحف باعتباره مساحة قادرة على استحداث أساليب جديدة للتفاعل مع الفن والثقافة».

وأردفت: «سيسهم المتحف عند اكتماله في دعم نمو القطاعات المرتبطة بالإنتاج الرقمي والتجارب الغامرة والتقنيات التفاعلية، كما سيتيح للأجيال الجديدة فرصة التعلم وصقل المهارات المرتبطة بالفنون الرقمية، ما يعزز قدرتهم على تحويل أفكارهم إلى مشاريع قابلة للنمو والاستدامة.

وهو ما سينعكس بصورة مباشرة على نمو اقتصاد دبي الإبداعي، لا سيما أن المشاريع الثقافية لم تعد اليوم تقاس فقط بما تقدمه من محتوى معرفي أو فني، وإنما بقدرتها على خلق الفرص، وتحفيز الابتكار، ودعم القطاعات المستقبلية».

وحول أبرز النجاحات التي حققها اقتصاد دبي الإبداعي، أكدت هالة بدري أن «دبي للثقافة» تواصل العمل على إطلاق مبادرات ومشاريع نوعية تدعم نمو اقتصاد دبي الإبداعي، انسجاماً مع مستهدفات أجندة دبي الاقتصادية (D33).

وقالت: «حققت دبي خلال السنوات الأخيرة نتائج لافتة في القطاع الثقافي، حيث حافظت للعام الثالث على التوالي على مكانتها كأفضل وجهة عالمية في استقطاب مشاريع الاستثمار الأجنبي المباشر الجديدة في الصناعات الثقافية والإبداعية، وفقاً لتقرير «إف دي آي ماركتس» الصادر عن فايننشال تايمز.

كما استقطبت الإمارة 971 مشروعاً في قطاع الصناعات الثقافية والإبداعية خلال عام 2024، مع ارتفاع إجمالي تدفقات رؤوس أموال مشاريع الاستثمار الأجنبي المباشر في القطاع إلى 18.86 مليار درهم، ما أسهم في توفير 23517 فرصة عمل جديدة».

واختتمت حديثها: «تعكس هذه النتائج ما تتمتع به الإمارة من بنية تحتية متطورة ومنظومة تشريعية مرنة، كما تبرز اهتمامها بتوفير الحاضنات والمساحات الإبداعية وبرامج التمويل والشراكات الاستراتيجية، ما يعزز قدرة الإمارة على استقطاب الكفاءات العالمية، وترسيخ مكانتها مركزاً عالمياً للثقافة، حاضنة للإبداع، وملتقى للمواهب».

بنية تحتية لمَراسٍ ثقافية متكاملة

وأكد مرويس عزيزي، مؤسّس ورئيس مجلس إدارة شركة عزيزي للتطوير العقاري، لـ«البيان»، أن المشهد الإبداعي في دبي مقبل على مرحلة توسّع نوعي مدفوع ببناء مراسٍ ثقافية داخل المجتمعات العمرانية، مضيفاً:

«نؤمن بأن الاستثمار في الثقافة يصنع قيمة طويلة الأمد للاقتصاد الإبداعي، ويعزّز تنافسية دبي على خريطة الفنون العالمية. ويجسّد «الحيّ الثقافي» في دبي الجنوب هذا التوجّه بوصفه ركيزة حضرية وثقافية ضمن مشروع «عزيزي ڤينيس».

وقد خُصّص للحي الثقافي استثمار بقيمة 2.5 مليار درهم ليكون محرّكاً لاستقطاب أبرز العروض الفنية العالمية، ورافعةً نوعية لتنافسية سوق الفن في دبي عبر بنية تحتية ثقافية متكاملة داخل مجتمع سكني نابض بالحياة».

وأضاف: «سيُسهم المشروع في جذب الزوار وتعزيز السياحة الثقافية من خلال باقة مرافق تُقدّم تجارب استثنائية على مدار العام، تتقدّمها دار أوبرا عائمة بسعة 2500 مقعد بتصميم معماري أيقوني، ومسرح للفنون الأدائية يتّسع لـ 400 شخص.

وقاعات معارض وفعاليات قادرة على استضافة أكثر من 2000 زائر في الفعالية الواحدة، إلى جانب أكاديمية للفنون الأدائية. هذا التكامل بين الفنون والعمران والترفيه يوسّع نطاق الفعاليات الدولية المستضافة، ويطيل مدة إقامة الزائر، ويرفع مساهمة القطاع الثقافي في مؤشرات التنافسية العالمية، مع تحويل الحي إلى وجهة متكاملة للفن والثقافة والترفيه».

ولفت إلى أن «الحيّ الثقافي» يقدم نموذجاً عملياً متفرداً في عالم الإبداع عبر منظومة تجمع الإنتاج والعرض والتدريب وحاضنات الأعمال، بما يوفر سلسلة قيمة متكاملة للفنانين والمبدعين والجمهور، ويعزّز مكانة دبي عاصمة عالمية للفنون والإبداع.
فرص ودعم استثنائي

«دبي ستواصل إبهار العالم» بهذه الكلمات استهل ماسيميليانو سوجليا، مؤسس «كليو في الصحراء» حديثه لـ«البيان»، مؤكداً أن المشروع لا يقتصر على كونه أحد أكبر الأعمال الفنية في العالم، بل تكمن أهميته في رسالة الشمولية التي يحملها، ومفادها: «تقدير التنوع وتحويله إلى مصدر قوة».

وأضاف: «نسعى لإنشاء مساحة مفتوحة يلتقي فيها الفنانون المحليون والعالميون للتعبير والحوار وتبادل الرؤى والأفكار، ليصبح «كليو» مركزاً نابضاً للفن المعاصر، يوفر فرصاً إبداعية استثنائية، ويعزز مكانة سوق الفن في دبي على الصعيدين المحلي والدولي».

وأكد سوجليا أنه من المتوقع أن يصبح «كليو» وجهة بارزة للسياحة الثقافية، لا سيما أن السياحة إحدى أهم ركائز المشهد الاقتصادي في دبي، موضحاً: «ننظر إلى هذا المشروع بثقة وحماس كبيرين، خاصة في ظل الدعم القوي من المؤسسات المعنية التي لطالما شجعت المشاريع القادرة على تعزيز الثقافة والابتكار».

وعن التكلفة التقديرية لمشروع «كليو»، قال: «تبلغ نحو 120 مليون درهم إماراتي، مع استثمار إضافي مماثل مخطط له للترويج والبرامج الثقافية خلال السنة الأولى من التشغيل. ونسعى لاستقبال 5 ملايين زائر خلال السنوات الست الأولى، ما يعزز مكانة «كليو» كوجهة ثقافية نابضة بالفن والحياة».

سياسة الموطن الأول

ولفت إلى أن «كليو» يمثل مساحة تلتقي فيها الفنون والطبيعة والمشاركة المجتمعية، ما يكرس مكانة دبي عاصمة عالمية للإبداع. وأردف: «أسهمت سياسات الانفتاح والشمولية التي تبنتها الدولة في السنوات الأخيرة في جعل ملايين الأشخاص يعتبرون الإمارات ودبي موطنهم الأول. وقد أوجد هذا التنوع الاستثنائي تبادلاً حيوياً بين الثقافات وأشكال الإبداع المختلفة، مما جعل دبي بيئة خصبة للابتكار الفني والثقافي».

وعن التجارب الاستثنائية التي سيحظى بها زوار «كليو»، قال سوجليا: «الفن لغة عالمية يمكن أن يتشاركها الجميع، وسيتمكن الزوار من اكتشاف أشكال فنية متنوعة واستثنائية. كل ذلك سيكون في قلب صحراء دبي، برمالها الذهبية ومشاهدها الطبيعية الخلابة.

وستكون التجربة عميقة وفريدة، حيث يعيش كل زائر هذه الرحلة وفق مشاعره ومساره الخاص، لتولد تجربة إنسانية أصيلة ومشتركة».

جاسم طه حمد – البيان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي !!