ثقافة

جيل جديد من المبدعين.. رؤى تصنع مستقبل المشهد الثقافي

لم يعد الشباب يقفون على أبواب المشهد الإبداعي في انتظار أن تفتح لهم، بل أصبحوا يصنعون أبوابهم ومساحاتهم بأنفسهم. يكتبون وينشرون، يصورون وينتجون، يؤسسون مشاريعهم، ويعرضون أعمالهم عبر فضاءات تقليدية ورقمية، مستفيدين من دعم الدولة وتحولات التكنولوجيا، لصناعة مستقبل أكثر إشراقاً للمشهد الثقافي المحلي.

وفي اليوم العالمي للشباب، الذي يصادف 12 أغسطس من كل عام، تبدو تجربة الجيل الجديد من المبدعين واحدة من أبرز صور التحول الذي يشهده المشهد الثقافي.

فمن الأدب إلى الفنون البصرية، ومن خشبة المسرح إلى شاشة السينما، يتحرك شباب يحملون رؤى وأسئلة مختلفة، ويبحثون عن لغة تخصهم، من دون أن يقطعوا صلتهم بالثقافة والهوية والذاكرة التي ينتمون إليها.

وفي الإمارات يكتسب هذا الحضور أهمية خاصة في ظل اتساع الصناعات الثقافية والإبداعية، وتعدد المؤسسات والمبادرات والمهرجانات والمنصات التي تمنح الشباب فرصاً للتدريب والإنتاج والعرض والوصول إلى الجمهور.

ولعل السينما من أكثر القطاعات التي استفادت من التحولات التقنية، حيث قالت المخرجة نايلة الخاجة: «إن السؤال لم يعد: (هل أستطيع أن أصنع فيلماً؟)، بل أصبح: (أي فيلم أريد أن أصنع؟) فالأدوات أصبحت متاحة بصورة لم تكن موجودة قبل سنوات، وهذا أمر مهم جداً للشباب، لكن امتلاك كاميرا لا يصنع سينمائياً، فالفيلم يبدأ من الفكرة ومن القدرة على رواية حكاية تستحق أن يشاهدها الآخرون».

وأشارت إلى أن التحدي الأكبر يأتي بعد إنجاز العمل، ويتمثل في إيجاد مسارات مستدامة للإنتاج والتوزيع والوصول إلى الجمهور، بما يسمح للشباب بالانتقال من التجارب الفردية والأفلام الأولى إلى صناعة سينمائية مستمرة.

كاتب وقارئ

بالنسبة إلى الكاتب الشاب تغيرت العلاقة مع القارئ بصورة كبيرة، إذ لم تعد الرحلة تبدأ بمخطوط ينتهي على مكتب ناشر، ثم انتظار طويل حتى يصل الكتاب إلى المكتبات، بل أصبح الكاتب قادراً على اختبار أفكاره والتواصل مباشرة مع قرائه، كما أتاحت المنصات الرقمية لأصوات جديدة أن تصبح معروفة قبل صدور كتابها الأول.

وترى الكاتبة والناشرة حمدة البلوشي، أن أهم ما يميز جيلها هو عدم الخوف من التجريب، موضحة أن الكاتب الشاب لا يشعر بأنه مضطر إلى إعادة إنتاج الأشكال الأدبية التي سبقته، وإنما يبحث عن طريقته الخاصة في رؤية العالم.

وقالت: «برأيي بدأت بعد أزمة كورونا تتفتح براعم جديدة من الأقلام الشابة وحتى أيضاً الأطفال، حيث لجأ الناس وقت الحجر إلى القراءة والكتابة الأمر الذي نتج عنه مبدعون حقيقيون أثروا المشهد الثقافي».

وأضافت: «نحن نكتب في زمن سريع جداً، القارئ نفسه تغير، وطريقة حصوله على المعرفة تغيرت، ولذلك لا يستطيع الكاتب أن يتجاهل التحولات التي تحدث حوله، لكن التحدي الحقيقي هو ألّا تتحول السرعة إلى سطحية، وأن نحافظ على قيمة الكتابة في عالم يستهلك آلاف الكلمات والصور كل يوم».

وأشارت إلى أن المبدع الشاب يحتاج إلى ما يتجاوز فرصة نشر عمل أول، إذ يحتاج إلى بيئة تساعده على تطوير تجربته، والنقد الجاد، والاحتكاك بتجارب مختلفة، والاستمرار بعد النجاح الأول.

فنان وصورة

أما في الفنون التشكيلية، فقد أحدث العالم الرقمي تحولاً أكبر، حيث بات بإمكان الفنان اليوم أن يعرض لوحة أو عملاً بصرياً في الإمارات ليشاهده جمهور متنوع، خلال دقائق.

حمد الشامسي فنان تشكيلي شاب يرى أن سهولة الوصول لا تعني بالضرورة النجاح، فوفرة الصور واللوحات جعلت المنافسة على انتباه الجمهور أكثر صعوبة.

وقال: «الفنان اليوم لا ينافس آخرين فقط، بل ملايين الصور التي يراها الإنسان يومياً على هاتفه وعلى وسائل التواصل الاجتماعي، ولذلك يصبح السؤال: كيف تصنع عملاً يجعل المشاهد يتوقف أمامه، لا أن يمر عليه كما يمر على بقية الصور؟ وكيف يمكنه أن يستمر في تطوير نفسه نحو الأفضل في ظل إبداع يتطور بشكل سريع».

وأكد الشامسي أن جيل الفنانين الشباب يمتلك ميزة مهمة تتمثل في انفتاحه على أدوات متعددة، إذ لا حدود بين الرسم والتصوير والتصميم والفيديو والفن الرقمي، وأصبح الفنان قادراً على استخدام أكثر من شكل فني داخل العمل الواحد.

مسرحي و«خشبة»

وعلى الرغم من كل التطورات الرقمية، يظل المسرح فناً يقوم أساساً على اللقاء المباشر بين الممثل والجمهور.

ويرى الكاتب والمخرج المسرحي عبدالله المهيري، أن أحد التحديات الأساسية أمام جيله يتمثل في التمويل الذي لا يزال المسرح بحاجته، فعلى الرغم من النجاحات التي حققها الشباب في هذا المجال، إلا أن إبداعاتهم تظل محدودة في ظل وجود دعم غير كافٍ، وأيضاً معضلة إعادة بناء علاقة الشباب بخشبة المسرح، ليس بوصفهم ممثلين ومخرجين وكُتّاباً فقط، وإنما بوصفهم جمهوراً أيضاً.

وقال: «علينا ألّا نسأل لماذا لا يأتي الشباب إلى المسرح فقط، بل ماذا نقدم لهم حين يأتون؟ الجيل الجديد يعيش بإيقاع مختلف، ويشاهد أعمالاً من أنحاء العالم، ولذلك يريد مسرحاً يتحدث بلغته، ويتناول أسئلته، ويفاجئه بصرياً وفكرياً».

وأكد أن مستقبل المسرح يرتبط بقدرته على فتح المجال أمام التجارب الجديدة، ومنح الشباب فرصة الخطأ والتجريب، لأن صناعة جيل مسرحي لا تتحقق بعرض أو مهرجان واحد، وإنما تحتاج إلى مسار مستمر من التدريب والإنتاج والاحتكاك بالجمهور.

ويكشف النظر إلى تجارب الشباب في القطاعات الإبداعية المختلفة في دولة الإمارات عن تحول آخر في مفهوم علاقتهم بالمؤسسات الثقافية. فالمبدع الجديد لا يبحث فقط عن مبادرة تحتفي بالشباب، وإنما عن فرصة حقيقية للإنتاج، والعمل، والظهور، والتطور.

 

فادية هاني – البيان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي !!