أحمد حلمى من صلالة: أعود للسينما بفيلمين

المسرح مقياس النجومية الحقيقى
الدراما ليست مجرد تواجد موسمى ولن أخوضها إلا بـ «نص جيد»
فى زمن أصبحت فيه الكوميديا سلعة سريعة الاستهلاك، وأصبحت البطولة مجرد رقم على شباك التذاكر، يبقى هناك استثناء واحد اسمه أحمد حلمي، ليس لأنه الأكثر جماهيرية فحسب، وليس لأنه صاحب المدرسة الخاصة فى الضحك الذى يوجع، بل لأنه الفنان الوحيد الذى استطاع أن يجعل من الضحكة سؤالاً وجودياً، من «الناظر» و«عبود على الحدود» مروراً بـ «سهر الليالي» و«آسف على الإزعاج» وصولاً إلى «إكس لارج» و«واحد تاني»، لم يقدم حلمى نكتة عابرة، بل قدم مرآة، مرآة نرى فيها ضعفنا، خوفنا، أحلامنا المؤجلة، وحنيننا لإنسانية تاهت وسط الزحام، لهذا، حين وقف أحمد حلمى قبل أيام قليلة على خشبة مسرح مهرجان ظفار الدولى للمسرح فى دورته الثانية بمدينة صلالة العمانية، لم يكن التكريم مجرد شهادة تقدير، كان اعترافاً عربياً بأن الكوميديا يمكن أن تكون ثقافة، وأن الممثل الكوميدى يمكن أن يكون مفكراً.
المهرجان الذى اختتمت فعالياته مؤخراً فى الفترة من 14 إلى 22 سبتمبر، كرم 9 قامات فنية ومسرحية عربية، كان فى مقدمتها النجوم أحمد حلمى وشريف منير وياسر جلال، إلى جانب الفنان السورى أسعد فضة وجمال سليمان والعمانى صالح زعل والبحرينى عبدالله ملك والفنان الإماراتى أحمد بورحيمة والفنان عماد الشنفري، تكريم جاء احتفاءً بمسيرتهم وإسهاماتهم فى إثراء الحركة المسرحية العربية، ولأن حلمى تحديداً بدأ من المسرح الجامعى ومن برنامج «لعب عيال»، فإن تكريمه فى مهرجان دولى بهذا الحجم، كانت لحظة دائرية مكتملة، حلمى نفسه علق على التكريم بأن المسرح هو البيت الأول، وأن أى تقدير يأتى من خارج مصر يضاعف المسئولية، لأنه يضع الفنان أمام جمهوره العربى كله.
وأعرب الفنان أحمد حلمى عن بالغ سعادته بتكريمه فى مهرجان ظفار الدولى للمسرح بدورته الثانية، قائلا: «المسرح له مذاق خاص عند الفنان، وهو المقياس كبير لحب الجمهور له، وتواجدى للتكريم فى صلالة، فخر كبير ومسئولية أيضا، ولمست حب الناس الذى اعتبره تاجا على رأسى، فالجمهور هو الرصيد الحقيقى للفنان، من ناحية أخرى البلد بها مناظر طبيعية جميلة، واستمتعت بالجولة السياحية التى قمت بها داخل البلد، حيث قمت بزيارة وادى دربات وبعض من الأسواق وغيرها».
ومنذ اللحظة الأولى لصعودنا إلى الطائرة فى رحلة طويلة من القاهرة إلى صلالة، كنت أراقب أحمد حلمى عن قرب، رحلة لم تكن سهلة، حيث تأخرت طائرتنا بسبب عطل فنى استمر لساعتين ونصف الساعة، ما تسبب فى ضياع رحلتنا الثانية من الدوحة إلى صلالة، فى ظل عدم وجود طيران مباشر.
لم يكن أمامنا حل سوى الانتظار لنحو تسع ساعات داخل فندق المطار، ترقباً للحاق بالرحلة المباشرة إلى صلالة فى الخامسة فجراً، وخلال تلك الساعات الطويلة من الانتظار والترحال، كنت أنظر إلى أحمد حلمى لا كنجم اعتاد الأضواء وصخبها، بل كإنسان يدرك جيداً قيمة من صنعه ووقف بجانبه، فرغم كل الإرهاق وعدم النوم لساعات كثيرة، إلا أنه كان يقف مع جمهوره بكل حب ويتحدث أحاديث طويلة معهم ويلتقط الصور.
ورأيته أيضا يتعامل مع جمهوره خلال فعاليات المهرجان بمحبة صادقة لا تعرف التصنع، بابتسامة حقيقية لا تفارق وجهه، لا يرد طلباً مهما كان بسيطاً، ولا يرفض صورة مهما كان مجهداً، سواء كان الطلب من طفل صغير يمد هاتفه الصغير بارتباك وخجل، أو من رجل كبير يريد أن يلتقط معه ذكرى يتباهى بها أمام أحفاده، أو من شاب يريد أن يوثق لحظة لن تتكرر.
كان تواضعه حاضراً فى كل خطوة، فى نظراته، وفى طريقة استماعه، وكأن نجوميته التى امتدت لأكثر من 25 عاماً لم تزده إلا قرباً من الناس وتقديراً لهم. لم أره يوماً يتعامل بمنطق النجم والجمهور، بل بمنطق الابن والعائلة، وتلك هى الصفة النادرة التى لا تُشترى بمال ولا تدرس فى مدارس الفن، بل هى سر بقاء النجم الحقيقى وخلوده فى قلوب جمهوره، وهى وحدها من تصنع الفارق بين نجم عابر ونجم يبقى.
هذا التقدير العربى تزامن مع حالة نشاط فنى يعيشها حلمى بعد غياب استمر منذ فيلم «واحد تاني» عام 2022، الفنان الذى تعود أن يختار بتأنٍ شديد، قرر أن يعود بضربة مزدوجة، بفيلمين دفعة واحدة، مختلفين فى الفكرة والتناول، متشابهين فى الرهان على الجمهور.
الفيلم الأول يحمل عنوان «حدوتة» الذى انتهى حلمى من تصويره بالكامل، وأصبح الآن فى مرحلة المونتاج النهائى استعداداً لطرحه فى دور العرض قريبا، ويشارك فى بطولة الفيلم كل من أمينة خليل، ماجد المصري، رحمة أحمد، محمد عبد العظيم، خالد الصاوي، العمل من تأليف أحمد عبد الرحمن، وإخراج مازن أشرف، وتدور أحداثه فى إطار كوميدى اجتماعى بطابع إنسانى مؤثر، حيث يجسد حلمى شخصية رجل فقد والديه فى طفولته وتربى لدى أسرة أخرى، ليمر بعد ذلك بسلسلة من المفارقات والمواقف الطريفة والموجعة فى آن واحد، ويتخلل الفيلم عدد من الأغنيات التى تأتى ضمن السياق الدرامي، فى تجربة يراهن عليها حلمى لتكون عودة للكوميديا الدافئة التى أحبها الجمهور فيه.
والفيلم الثانى هو «أضعف خلقه» الذى أعلن حلمى انتهاء تصويره رسمياً ونشر فيديو الفركش الشهير على المزمار البلدى قائلاً: «فركش فيلم أضعف خلقه ويارب الفيلم يعجب الجمهور»، الفيلم يمثل أول لقاء سينمائى يجمعه بالنجمة التونسية هند صبري، ومن إخراج عمر هلال، وإنتاج محمد حفظي.
وتدور أحداث «أضعف خلقه» فى عام 2007 داخل حديقة حيوان الجيزة فى فترة تدهورها وفقدان بريقها، حيث يجسد حلمى شخصية عالم حيوانات نزيه ومخلص، يكافح للحفاظ على مبادئه وسط أقفاص متهالكة وموارد متراجعة، بينما فى بيته يواجه أزمة مالية خانقة مع حمل زوجته غير المتوقع، لتبدأ المأساة الإنسانية حين يعرض عليه رجل ثرى تبنى بعض الحيوانات الزائدة عن الحاجة، فيجد نفسه منجرفاً إلى عالم تهريب الحيوانات ومأزق أخلاقى يختبر حدود النزاهة والحب والبقاء.
العمل يمزج بذكاء بين الكوميديا السوداء والدراما والتشويق، ويقدم حكاية رمزية جريئة عن الضعف والقوة، وتلعب فيه هند صبرى دور أم تواجه الإيمان والخوف.
وعلى صعيد الدراما التلفزيونية، لا يزال حلمى على موقفه المتحفظ، فبعد مشاركته الإذاعية فى رمضان الماضى بمسلسل «سنة أولى جواز»، يؤكد أنه ينتظر العمل الجيد الذى يستحق أن يدخل به بيوت الناس لمدة 30 يوماً، فالدراما بالنسبة له ليست تواجداً موسمياً، بل مسئولية، ولن يخوضها إلا بنص يضيف لمسيرته.
حيث قال حلمي: «أقوم بقراءة العديد من السيناريوهات، ولكن هذه الخطوة أتمهل فيها جيدا، لأنها خطوة ليست سهلة، وليس هدفى التواجد فقط، بل هدفى ماذا أستطيع أن اقدم للجمهور من خلال التليفزيون، الاختيار صعب، والإقدام على هذه الخطوة تحتاج دراسة جيدة».
المفاجأة الأكبر التى يعمل عليها حلمى حالياً هى تحضيره لعمل مسرحى جديد، بعد آخر عمل قدمه بعنوان «بنى آدم» من إخراج هشام عطوة، المشروع فى حالة التجهيز له، لكنه سيكون عملاً اجتماعياً كوميدياً بروح إنسانية، قريباً من المناطق التى يحبها حلمي، حيث الضحك الذى يخفى وراءه سؤالاً كبيراً عن أنفسنا.
وأكد أحمد حلمى أنه قدم خلال مشواره الفنى ثلاث مسرحيات، مشيراً إلى أن ابتعاده عن المسرح لفترة لم يكن بسبب فقدان شغفه به، وإنما جاء نتيجة ظروف واختيارات مرتبطة بمسيرته الفنية، وذلك لأنه يحسب كل خطوة جديدة يدخل لها.
ويقول حلمي: «المسرح بالنسبة لى ليس مجرد خشبة وأضواء، بل هو أول حب وأول حلم، هو المكان الذى أرى فيه عيون الجمهور أمامى مباشرة، أسمع ضحكتهم وتصفيقهم فى نفس اللحظة، وهذا إحساس لا يمكن أن تمنحه أى كاميرا، أنا عاشق للمسرح لأنه يكشف الفنان الحقيقي، لا يوجد مونتاج ولا إعادة، أنت أمام الناس بقلبك وموهبتك فقط، لذلك أحن للمسرح دائماً، فالمسرح يجرى فى دمي»، حيث أن الوقوف على خشبة المسرح يختلف عن العديد من أشكال الأعمال الفنية الأخرى، لأنه يقوم على مجموعة متكاملة من الفنانين والعناصر الفنية التى تعمل معًا من أجل تقديم عرض يصل إلى الجمهور بصورة جيدة، ولذلك أتمنى ما احضر له يسعد الجمهور».
بين تكريم مهرجان ظفار الدولى للمسرح بدورته الثانية، وفيلمين أحدهما عن أخلاقيات البقاء والآخر عن حكاية اليتيم الذى يبحث عن عائلة، يبدو أن أحمد حلمى يكتب فصلاً جديداً فى مسيرته، فصلاً عنوانه: أن تكون خفيفاً على القلب، ثقيلاً فى المعنى.
نانيس أيمن – أخبار اليوم



