‘الحلم’ للجعايبي وجليلة بكار.. حين تتداعى الجدران ويبقى الحلم واقفا

ليس صدفة أن تفتتح الدورة السابعة من تظاهرة ”الخروج إلى المسرح” بمسرحية ”(الـ)حُلم… كوميديا سوداء” للفاضل الجعايبي وجليلة بكار. فحين تختار تظاهرة ترفع شعار ”الخروج إلى الحياة” عملا مسرحيا ينشغل بالحلم المؤجل، والواقع المتصدع، والإنسان المحاصر داخل يومياته، فإنها تضع منذ اللحظة الأولى سؤالا كبيرا أمام جمهورها: أيّ حياة نخرج إليها حين.
يصبح الحلم نفسه مهددا بالسقوط؟
احتضن مسرح الجهات بمدينة الثقافة، مساء الجمعة 25 سبتمبر 2026، افتتاح الدورة السابعة لتظاهرة ”الخروج إلى المسرح”، التي ينظمها مسرح أوبرا تونس تحت إشراف وزارة الشؤون الثقافية، وكان الموعد مع ”(الـ)حُلم… كوميديا سوداء”، العمل الذي يجمع مجددا اسمين بارزين في المسرح التونسي: جليلة بكار والفاضل الجعايبي.
المسرحية، من نص جليلة بكار، وسيناريو ودراماتورجيا جليلة بكار والفاضل الجعايبي، وإخراج وسينوغرافيا وإضاءة الفاضل الجعايبي، تعود إلى الركح محمّلة بأسئلة لم تفقد أهميتها، بل ربما ازدادت إلحاحا: ماذا بقي من الأحلام؟ وماذا يحدث عندما يصبح الواقع نفسه ورشة ترميم لا تنتهي؟
عمارة تتداعى وذاكرة وطن معلّقة بين الترميم والسقوط
ومنذ اللحظات الأولى، يضع الجعايبي المتفرج داخل فضاء ليس مجرد ديكور، بل شخصية قائمة بذاتها: عمارة قديمة قيد الترميم، سقالات، أغطية بلاستيكية، وأشياء تبدو وكأنها تنتظر دورها في الإصلاح. لكن شيئا فشيئا، يتحول هذا المكان من عمارة إلى استعارة. إنه فضاء يشبه وطنا يحاول أن يصلح نفسه، فيما تتسع الشقوق في الجدران والعلاقات والنفوس.
يبدأ كل شيء تقريبا من حالة من النظام الهش، قبل أن تنفلت التفاصيل تدريجيا: الفوضى تتسع، الأشياء تتناثر، التوتر يتصاعد، والمكان الذي يفترض أن يحمي سكانه يصبح مرآة لاضطرابهم.
هنا، لا يعود الترميم مجرد عملية مادية. إنه سؤال أوسع: هل يمكن ترميم ما تصدّع في الإنسان والمجتمع والوطن بمجرد تغطية الشقوق؟ فالسقالات التي تملأ الفضاء لا تخفي الخراب بقدر ما تفضحه. والأغطية البلاستيكية لا تمنح المكان جمالا مصطنعا، بل تؤكد أنه يعيش حالة مؤقتة، حالة لم تكتمل بعد. وكأن الجميع يعيشون داخل بلد مازال يحمل لافتة ”أشغال جارية”.

حتى العنوان يرفض أن يكون بريئا: (الـ)حُلم. قوسان يحيطان بأداة التعريف، ثم نقاط ثلاث تترك الكلمة معلقة. هل هو الحلم فعلا؟ أم مجرد حلم؟ هل مازال الحلم قابلا للتعريف؟ أم أننا فقدنا القدرة على تعريف ما نريده أصلا؟ القوسان يبدوان كأنهما يحاصران الكلمة، بينما تأتي النقاط الثلاث لتتركها مفتوحة على التأويل.
حلم لم يكتمل، حلم مؤجل، حلم تعرّض للاختطاف في منتصف الطريق. وفي قلب هذه المفارقة تأتي العبارة الأكثر مرارة: ”حتى الحلم فسدوه علينا”.الجملة التي تختصر الكثير من روح العمل؛ فالمأساة ليست فقط في أن الواقع لم يحقق الأحلام، وإنما في أن الإنسان يجد نفسه مضطرا إلى الدفاع عن حقه في الحلم أصلا. ومن هنا تأتي صفة ”الكوميديا السوداء”. فالضحك في هذا العرض ليس نقيضا للألم، بل أحد أشكاله. نضحك لأن المشهد مؤلم إلى درجة يصعب معها البكاء، ونبتسم أمام مفارقات تبدو عبثية، قبل أن نكتشف أنها مأخوذة من صميم حياتنا اليومية.
خمس شخصيات وبلد كامل في غرفة واحدة
وتتقدم الشخصيات داخل هذا الفضاء وكأنها قطع فسيفساء اجتماعية: جليلة بكار، جمال المداني، محمد شعبان، منير الخزري وحسناء غنام (التي تشارك أوّل مرّة في العمل بدلا من الممثلة مريم بن حميدة) لا يتحركون فقط داخل أحداث مسرحية، بل يجسدون حالات إنسانية متباينة تتقاطع داخل المكان نفسه. ولكل شخصية رؤيتها، مخاوفها، تناقضاتها وأوهامها، لكن الجميع محكومون بحقيقة واحدة: لا أحد يستطيع مغادرة المكان بسهولة.
وهنا تتسع دلالة العمارة. فهي ليست مجرد منزل، بل نموذج مصغر لمجتمع كامل؛ أشخاص مختلفون يعيشون معا، يتصادمون، يتبادلون الاتهامات، يحاولون حماية مصالحهم، يبحثون عن مخارج، لكنهم في النهاية يواجهون مصيرا مشتركا. والمسرح، في هذه الحالة، لا يقدم شخصيات منفصلة عن الواقع، وإنما يعيد تركيب الواقع نفسه على الخشبة.
ولا تكمن قوة ”(الـ)حُلم” فقط في موضوعها، وإنما أيضا في الطريقة التي يتطور بها إيقاعها. فكل شيء يبدأ بنبرة تكاد توحي بأن الحياة مازالت قابلة للسيطرة. ثم تتراكم التفاصيل الصغيرة، وتتضخم الخلافات، ويتحول الحوار إلى احتقان، قبل أن يبلغ الصراع مرحلة الانفجار. وكما يتداعى المكان، تتداعى معه الحدود بين الشخصيات. فالفوضى الخارجية تصبح امتدادا لفوضى داخلية، وما يحدث فوق الخشبة يبدو في لحظات كثيرة كأنه تشريح بطيء لمجتمع فقد القدرة على الاتفاق حتى حول أبسط الأشياء. إنها لعبة مسرحية تجعل الخاص عاما، واليومي سياسيا، والعائلي اجتماعيا، والشخصي مرآة لجماعة كاملة.
ولا يبتعد العمل عن تونس وأسئلتها الثقيلة: من آثار التحولات السياسية بعد الثورة، إلى الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، ومن الإحباطات الفردية إلى فقدان الرؤية، ترسم المسرحية صورة لواقع لا يقدم نفسه في شكل خطاب مباشر، وإنما يتسلل عبر العلاقات والتوترات والانهيارات الصغيرة. إذ لا توجد شعارات جاهزة ولا أجوبة نهائية. بل هناك فقط شخصيات تحاول أن تعيش، بينما يبدو المستقبل ضبابيا. وهنا تحديدا يصبح ”الحلم” أكثر من رغبة شخصية إنه حق جماعي في مستقبل مختلف. لكن السؤال الذي يظل معلقا: ماذا يحدث عندما يصبح هذا الحق نفسه مهددا؟

ولا يتعامل الفاضل الجعايبي مع المسرح كمساحة للهروب من الواقع، بل كوسيلة للعودة إليه بعيون أكثر قسوة ووضوحا. وجليلة بكار، من خلال الكتابة والأداء، تمنح الشخصيات وجعا إنسانيا يجعلها أبعد من مجرد رموز. لهذا لا يغادر المتفرج العرض وهو يحمل قصة مكتملة بقدر ما يغادر وهو يحمل أسئلة مفتوحة: ماذا رممنا فعلا؟ ماذا تركنا ينهار؟ وأي حلم مازال ممكنا؟ وربما هنا تكمن المفارقة الأجمل في اختيار ”(الـ)حُلم” لافتتاح تظاهرة شعارها ”الخروج إلى الحياة»”
فالخروج إلى الحياة لا يعني بالضرورة الهروب من الخراب، بل ربما يعني مواجهته: أن نرى الجدران المتشققة بدل أن نخفيها. أن نعترف بأن الترميم لم يكتمل. وأن نعيد، رغم كل شيء، طرح السؤال القديم: هل مازال بإمكاننا أن نحلم؟
الواثق بالله شاكير – mosaiquefm



