أخبار مسرحية

الجسد أرشيف الحرب في مسرحية “حدقة”

الفنان السوري ماهر عبدالمعطي يوجه عنف الذاكرة بالرقص الحركي التعبيري

ملخص

لا يفصل الفنان الكوريغرافي السوري ماهر عبد المعطي، في عرضه الجديد “حدقة” (دار الأوبرا السورية)، الرقص عن فعل الذاكرة، بل يعد الذاكرة المنطقة الأكثر خصوبة لبناء العبارات الحركية.

يركز الكريوغراف ماهر عبدالمعطي المقيم في ألمانيا منذ سنوات على الجسد، بوصفه هوية ومنطقة غير مكتشفة في العالم العربي. ولهذا، عمل مع 12 راقصاً وراقصة على توليد جمل وأنماط إيقاعية غير مألوفة، اقتربت، في أحيان كثيرة، من مناطق عميقة في النفس الإنسانية، وأسست تجربة لافتة في صياغة مسرح جسدي يتمرد على السائد والمتداول في ريبرتوار البلاد.

لم ينطلق ماهر عبدالمعطي في “حدقة” من الحركة بوصفها شكلاً جمالياً فحسب، بل تعامل مع الجسد باعتباره حاملاً للذاكرة والهوية والتجربة الإنسانية برمتها. واعتمد، بصورة أساسية، على لغة الرقص المعاصر والارتجال، إذ كان مهماً بالنسبة إليه أن يرى الجمهور أثر الخوف والضغط والفقد في الجسد نفسه: كيف ينكمش؟ كيف يفقد توازنه؟ كيف يقاوم؟ وكيف يحاول، في النهاية، استعادة حضوره وهويته؟

تشكل هذا المختبر الحركي في مساحة عارية إلا من شجرة معدنية احتلت عمق الخشبة، وكأنها الشجرة الجرداء ذاتها التي يتواعد عندها إستراغون وفلاديمير، بطلا مسرحية “في انتظار غودو” لصموئيل بيكيت.

اللافت في اشتغال ماهر عبدالمعطي قدرته على استلهام الموسيقى، التي ألفها الفنان الفلسطيني المقيم في فرنسا “أسلوب” (Osloob)، لرسم حركة الراقص وإنشاء مجاز جسدي بعيد من المتعارف عليه في المسارح التقليدية. ويمكن ملاحظة ذلك في بناء الحركة وهدمها، من خلال الصراع بين مجموعة الراقصين وراقص يظهر منفرداً في مواجهتها.

شكل التوازن أيضاً لعبة أخرى قدمها “حدقة” بعيداً من الاستعراض، وانطلاقاً من فهم العلاقة بين الراقص وشريكه أو شريكته على الخشبة، ولا سيما في تلك الثنائيات التي تمكن فيها عبدالمعطي من توزيع مواضع القوة والتوازن بين الكتلة العضلية لجسد الرجل والحضور الأنثوي لجسد المرأة. وقد وضع هذا الفهم التشريحي الدقيق لكليهما المتفرج أمام لحظات تحبس الأنفاس، إذ استعار الراقص هنا تماسك البهلوان وحذره، من دون أن ينجرف إلى أسلوب أكروبات السيرك وألعاب الخفة، مستنبطاً مجازاً حركياً قد يشير إلى صعوبة بقاء الكائن متوازناً فوق أرض تهتز بفعل الحروب والاضطرابات اليومية.

حركة الذاكرة

استخدم عبدالمعطي أيضاً تقنية التكرار الحركي أداة للتعبير عن الذاكرة، فبعض الحركات تتكرر وكأن الجسد عالق داخل تجربة أو ذكرى لا يستطيع الفكاك منها. وفي المقابل، اتكأ مصمم العرض والراقص، خريج المعهد العالي للفنون المسرحية، على التحولات الجسدية الديناميكية بين السكون والانفجار، والبطء والسرعة، والفرد والمجموعة.

جاءت هذه الثنائيات كلها لخلق تصاعد درامي واضح داخل بنية العرض، وكان للعمل الجماعي دور أساسي أيضاً، إذ تتحول مجموعة الراقصين أحياناً إلى كتلة تضغط على الفرد أو تحد من حركته، وأحياناً أخرى تصبح مساحة للدعم أو المقاومة. ومن خلال الدفع والسحب والاتكاء وحمل الجسد والاحتكاك بين المؤدين، حاول مخرج “حدقة” تحويل العلاقة بين الأجساد إلى صورة لعلاقات القوة والخوف والانتماء والفقد في آن واحد.

لم يفصل عبدالمعطي الكريوغرافيا عن الفضاء وتصميم السينوغرافيا (محمد الزهيري)، بل تعامل مع عناصر الفضاء باعتبارها جزءاً من اللغة الأدائية، لا مجرد ديكور، فدخل الجسد هنا في علاقة مع المكان والمسافة والفراغ.

يمكن القول إن التقنية الأساسية التي اعتمدها مخرج “حدقة” تتمثل في فكرة الجسد بوصفه أرشيفاً، ففي كل حركة يحمل الجسد ما مر به الإنسان من أهوال وخيبات. وحتى عندما لا يتكلم هذا الجسد، تبقى الذكريات، ويبقى الخوف والشعور بالفقد والاقتلاع، فكلها مشاعر تترك أثرها فيه.

جاءت الكريوغرافيا هنا محاولة لجعل هذه الآثار مرئية أمام جمهور القاعة الرئيسة في دار الأوبرا، ولهذا لم يكن هدف ماهر عبدالمعطي أن يرى المتلقي سلسلة من الحركات الجميلة، بل كان همه أن يشعر المتفرج بأن لكل حركة سبباً، وأن كل توتر أو سقوط أو توقف أو انفجار حركي يصدر عن تجربة داخلية. فالجسد لا يروي حكاية فحسب، بل يصبح هو نفسه الحكاية.

لم يسع القائمون على العرض إلى تقديم مفردات جاهزة، بل حالات وأفكار ومواقف، إذ كان الاشتغال على الجسد أقرب إلى رسم لوحة تجريدية منه إلى تصوير واقعي لمنظر أو مشهد يومي. وعلى العكس من ذلك، تمكن المؤدون من إبراز أن الهوية ليست مفهوماً ثابتاً، بل تتشكل باستمرار لدى الكائن البشري.

وكان تداخل الذاكرة الفردية مع الذاكرة الجماعية واضحاً كذلك في ذلك التنويع بين جسد معزول ومنفي، وكتلة من الأجساد تظن أن في تحشدها معاً نوعاً من الحماية. وقد أوجد هذا التضاد والتقابل توتراً مستمراً، عززته حيادية الأزياء، من تصميم أحمد منصور، إذ ظهر الراقصون باللونين الرمادي والأسود.

تمازجت الأزياء الفضفاضة والخفيفة بقوة مع تقلبات الإضاءة، من تصميم جبران حجل وحسن حسام الدين، وقدرتها على خلق تنويعات بصرية واكبت بمهارة معظم لحظات العرض، ولا سيما عبر مستويين: علوي تمثل في منصة متحركة، وآخر على أرضية المسرح. وشكل هذا التمايز في العمق والارتفاع علاقة استثنائية بين الفراغ والجسد، مما أسهم في تعزيز التواصل مع المتلقي، ولا سيما أن هذه النوعية من الأعمال تتبع أسلوبية مختلفة عن المسرح الدرامي.

إنها لذة جمالية خالصة أدارها عبدالمعطي من دون التخلي عن إبراز العالم الداخلي للراقص، الذي تجلى في تعابير وجوه المؤدين وانغماسهم التام في فرضية العرض.

هكذا قدم حازم الجبة، وآية إسماعيل، وجنى الزيلع، ودانا أبو حسون ما يشبه مقطوعات متتابعة من هذه السيمفونية الجسدية. وعزف هؤلاء كل حركة، تارة بجذوعهم، وتارة بأيديهم وأرجلهم. كما صاغت روز ماري الخطيب، وسلاف عامر، وسوزان جمول، وشهد عباس أنماطاً من الحركات الأرضية والشقلبات الجريئة على امتداد ساعة، هي زمن العرض.

وتوافق ذلك مع الجهد الواضح لكل من غريس كرياكي، وهبة درويش، ويارا عيسى، وآية اللحام، في تقديم حركات لولبية وانسيابية عملت على لملمة الكتل الراقصة، ثم تشتيتها في مسار مائل نحو عمق الخشبة.

 

سامر محمد إسماعيل – إندبندنت عربية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي !!