دراما رمضان تتغير: الـ15 حلقة تتحدى الـ30
سطوة الثلاثين حلقة تتراجع مع تغيّر عادات المشاهدة وصعود الأعمال القصيرة التي تراهن على الإيقاع السريع وتكثيف الحكاية

لم يعد السؤال في الدراما العربية خلال رمضان يتعلق فقط بالنجوم والأعمال الأكثر مشاهدة، بل بات مرتبطاً بشكل المسلسل نفسه: هل ما زالت الثلاثون حلقة هي الصيغة المناسبة للمشاهد العربي؟
لسنوات طويلة، ارتبط رمضان بالمسلسل ذي الثلاثين حلقة. تبدأ الحكاية مع أول أيام الشهر وتنتهي مع ليلة العيد، في تقليد جعل الدراما جزءاً من الطقوس اليومية للملايين. لكن هذه المعادلة بدأت تتغير، مع الحضور المتزايد للأعمال المكونة من 15 حلقة، والتي انتقلت من كونها صيغة مرتبطة بالمنصات الرقمية إلى منافس حقيقي في السباق الرمضاني.
ويبدو أن الدراما العربية تدخل مرحلة جديدة، عنوانها: رمضان لم يعد يتسع لمسلسل واحد طوال الشهر، بل لأكثر من تجربة درامية.
أحد أهم أسباب هذا التحول هو تغير عادات المشاهدة. فالجمهور لم يعد ينتظر بالضرورة موعد العرض التلفزيوني، ولم تعد الشاشة التقليدية المصدر الوحيد للترفيه.
المنصات الرقمية، ومواقع التواصل الاجتماعي، والمحتوى القصير، فرضت إيقاعاً جديداً على المشاهد، يقوم على السرعة والتنوع وحرية الاختيار.
مع تغير عادات الجمهور وتصاعد نفوذ المنصات، يبدو أن دراما الـ15 حلقة تملك فرصة كبيرة لتصبح الصيغة الأكثر حضوراً في السنوات المقبلة
في هذا العالم المزدحم بالمحتوى، أصبحت متابعة مسلسل من ثلاثين حلقة التزاماً طويلاً بالنسبة إلى جزء من الجمهور، بينما تبدو الـ15 حلقة تجربة أكثر تركيزاً وسهولة.
فالمشاهد يستطيع متابعة عمل في النصف الأول من رمضان، ثم الانتقال إلى مسلسل آخر في النصف الثاني، بدلاً من البقاء مرتبطاً بحكاية واحدة طوال الشهر.
وهكذا يتحول رمضان، عملياً، إلى أكثر من موسم درامي داخل شهر واحد.
ساهمت الأعمال القصيرة أيضاً في إعادة فتح نقاش قديم حول ما يعرف بـ«المط الدرامي».
فكثير من المسلسلات تعرضت في السنوات الماضية لانتقادات بسبب تمديد قصص محدودة على ثلاثين حلقة، عبر تكرار الأحداث أو إضافة خطوط جانبية لا تبدو ضرورية دائماً.
أما المسلسل القصير، فيفرض إيقاعاً مختلفاً.
على الكاتب أن يدخل إلى القصة بسرعة، وأن يحافظ على تطور الأحداث، وأن يجعل كل حلقة ذات قيمة درامية. فالعمل الذي لا ينجح في جذب المشاهد مبكراً قد يخسره بسهولة في ظل وجود عشرات البدائل.
لكن اختصار عدد الحلقات لا يعني بالضرورة صناعة مسلسل أفضل. فالمشكلة ليست دائماً في طول العمل، بل في قدرة القصة على تبرير هذا الطول.
هناك حكايات يمكن روايتها في عشر حلقات، وأخرى تحتاج إلى ثلاثين، وربما أكثر.
لا يمكن فصل صعود دراما الـ15 حلقة عن تأثير المنصات الرقمية.
فهذه المنصات لم تقدم فقط طريقة جديدة للمشاهدة، بل غيرت أيضاً شكل المحتوى. فقد اعتاد جمهورها على المواسم القصيرة والقصص المكثفة، وعلى مشاهدة أكثر من حلقة في وقت واحد.
وبمرور الوقت، بدأت هذه الثقافة تنتقل إلى الدراما الرمضانية.
أصبح المنتجون أكثر استعداداً للمراهنة على الأعمال القصيرة، وأصبح الجمهور أقل ارتباطاً بفكرة أن قيمة المسلسل تقاس بعدد حلقاته.
وهنا تبدو الـ15 حلقة أكثر من مجرد نصف مسلسل تقليدي؛ إنها صيغة جديدة في الكتابة والإنتاج والمشاهدة.
التحول نحو الأعمال القصيرة لا يتعلق بالفن وحده، بل بالاقتصاد أيضاً.
فارتفاع تكاليف الإنتاج يجعل المسلسلات القصيرة خياراً أقل مخاطرة في بعض الحالات، إذ يمكن التركيز على جودة السيناريو والصورة والإنتاج بدلاً من توزيع الميزانية على عدد كبير من الحلقات.
المنصات الرقمية، ومواقع التواصل الاجتماعي، والمحتوى القصير، فرضت إيقاعاً جديداً على المشاهد، يقوم على السرعة والتنوع وحرية الاختيار
كما تمنح هذه الصيغة شركات الإنتاج فرصة لتقديم عدد أكبر من الأعمال والقصص، بدلاً من استثمار جزء كبير من مواردها في مسلسل واحد طويل.
وقد يفتح ذلك الباب أيضاً أمام تغيير أكبر في صناعة الدراما العربية: الخروج تدريجياً من احتكار رمضان.
فإذا نجحت الأعمال القصيرة في جذب الجمهور، يمكن إنتاجها وعرضها على مدار العام، ما يساعد على تحويل الدراما من صناعة موسمية إلى نشاط مستمر.
هل انتهى زمن الثلاثين حلقة؟
رغم كل هذه التحولات، من المبكر الحديث عن نهاية دراما الـ30 حلقة.
فالأعمال التاريخية والاجتماعية الكبرى، والمسلسلات التي تضم عدداً كبيراً من الشخصيات والخطوط الدرامية، قد تحتاج إلى مساحة زمنية أطول.
لذلك، فإن المعركة ليست بين 15 و30 حلقة، بل بين العمل الذي يحترم وقت المشاهد والعمل الذي يطيل الحكاية بلا ضرورة.
ربما يكون هذا هو التحول الحقيقي الذي تشهده الدراما العربية.
فلم يعد السؤال: كيف نملأ ثلاثين يوماً من رمضان؟ بل أصبح: كم حلقة تحتاجها القصة فعلاً؟
ومع تغير عادات الجمهور وتصاعد نفوذ المنصات، يبدو أن دراما الـ15 حلقة تملك فرصة كبيرة لتصبح الصيغة الأكثر حضوراً في السنوات المقبلة، ليس لأنها أقصر فقط، بل لأنها تتناسب مع عصر يريد المشاهد فيه حكايات أكثر كثافة وأقل إطالة.
رمضان قد يبقى شهراً للدراما الطويلة، لكن زمن اعتبار الثلاثين حلقة قاعدة لا يمكن تجاوزها يبدو أنه يقترب من نهايته.
صحيفة العرب



