أخبار مسرحية

ندوة «إقليم التجريب ومنعطفات وتحولات المشاهدة» تناقش جغرافيا المتفرج وتحولات علاقته بالعرض المسرحي

محمد الروبي يتساءل: هل يمكن أن يصبح المتفرج إحدى جغرافيات التجريب؟.. كمال خلادي يرصد تجربة المشاهدة بوصفها لحظة زمنية كثيفة.. ونورس عادل يبحث في «مؤسسة المتفرج» والسرديات الصامتة

تواصلت فعاليات المحور الفكري للدورة الثالثة والثلاثين من مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي، من خلال ندوة «إقليم التجريب ومنعطفات وتحولات المشاهدة»، التي أدارها أ. هزاع البراري من الأردن، وشهدت نقاشًا موسعًا حول موقع المتفرج في التجربة المسرحية، وتحولات فعل المشاهدة، وعلاقة الجمهور بالجغرافيا الثقافية والاجتماعية والجمالية التي يأتي منها، إلى جانب بحث أثر الفضاء والجسد والزمن والسلطة في إعادة تشكيل علاقة العرض بجمهوره.

وجاءت الندوة في سياق متصل بالجلسة الفكرية السابقة، مع انتقال النقاش من سؤال بناء المتفرج إلى البحث في الإقليم الذي تتحرك داخله التجربة التجريبية، وما إذا كان هذا الإقليم يمكن فهمه فقط من خلال المكان الذي يقدم فيه العرض، أم أنه يتسع ليشمل جغرافيا المتفرج نفسه، بما يحمله من رأس مال اجتماعي، وقيم وثقافات وعادات ومعتقدات وتجارب سابقة تشكل وعيه وتؤثر في طريقة استقباله للعرض.

وفي افتتاح الجلسة، أشار أ. هزاع البراري إلى أن الحديث عن «الإقليم» يرتبط عادة باللغة الجيوسياسية، إلا أن المقصود في هذه الندوة هو الإقليم داخل المسرح، مشيرًا إلى أن الاهتمام النقدي ينصرف غالبًا إلى المنصة أو الخشبة، بينما يقل النظر إلى الجهة المقابلة، أي الصالة والمتفرج. وطرح تساؤلات حول مدى حضور المتفرج عربيًا داخل الدراسات المتعلقة بالتجريب، وحول تأثير جغرافيته الثقافية والاجتماعية في تلقي العرض، وكذلك حول اللحظة التي يستطيع فيها المتفرج نفسه أن يحكم بأن ما يراه ينتمي إلى التجريب أو لا ينتمي إليه.

وأكد البراري أن الناقد يمكن أن يكون حاضرًا في تحديد طبيعة التجربة، إلا أن الكلمة الفصل تظل للمتلقي، باعتباره الطرف الذي يختبر العرض بالفعل ويمنحه، من خلال عملية المشاهدة، أحد وجوه وجوده ومعناه.

محمد الروبي: المتفرج إحدى جغرافيات التجريب المسرحي

استهل الناقد المسرحي محمد الروبي، من مصر، مداخلته بالتأكيد على أن مفهوم الجغرافيا في سياق المسرح لا ينبغي أن يتوقف عند حدود المكان أو الخريطة، موضحًا أن الذهن ينصرف عادة عند سماع كلمة الجغرافيا إلى المدينة التي نشأ فيها العرض، أو البلد الذي ينتمي إليه، أو المسرح الذي احتضنه، أو المسافة التي قطعها حين انتقل من ثقافة إلى أخرى.

وأوضح أن علاقة المسرح بالجغرافيا أوسع من ذلك بكثير، لأن المكان المسرحي نفسه يشارك في تشكيل الحدث، واختلافه يؤدي إلى تغيير مواقع الأجساد والمسافات بينها وزوايا النظر وحركة الممثل وموقع المتفرج، وقد يقود في النهاية إلى تغيير طبيعة العرض وطريقة تلقيه.

ومن هنا طرح الروبي سؤاله المركزي: هل يمكن أن يصبح المتفرج إحدى جغرافيات التجريب المسرحي؟ موضحًا أنه إذا كان العرض ينتقل من ثقافة إلى أخرى، فإن السؤال يصبح أكثر تعقيدًا عندما يصل إلى متفرج تشكلت علاقته بالمسرح داخل جغرافيا ثقافية مختلفة عن تلك التي نشأ فيها العرض.

وأشار إلى أن المسرح يمكن النظر إليه باعتباره عملية مستمرة لإعادة ترتيب المكان والعلاقات داخله؛ ففي الفضاء المسرحي التقليدي تتحدد المواقع منذ البداية، فيكون الممثلون في جهة والمتفرجون في جهة أخرى، وظل هذا الترتيب طويلًا جزءًا من العادة المسرحية، إلى أن جاءت تجارب أخذت في تحريك هذه الحدود، فخرج الممثل من الخشبة، وغادر العرض المبنى المسرحي، واقترب المؤدي من المتفرج، وأصبح المتفرج في بعض التجارب جزءًا من فضاء الأداء.

ورأى الروبي أن الجغرافيا المسرحية يمكن تصورها من خلال ثلاث دوائر متداخلة: جغرافيا المكان، أي أين يحدث العرض؛ وجغرافيا العلاقة، أي كيف تتوزع الأجساد والمسافات داخل هذا المكان؛ وجغرافيا التلقي، أي كيف يعيد المتفرج بناء ما يراه من موقعه الثقافي والنفسي والجمالي. وأكد أن الدائرة الثالثة، جغرافيا التلقي، هي التي تشغله بصورة أساسية.

وأوضح أن المتفرج لا يدخل المسرح فارغًا، وإنما يدخل محملًا بذاكرته وثقافته وخبراته السابقة وتوقعاته وصوره عن المسرح والممثل وعن دوره هو في عملية المشاهدة. كما يدخل وهو يحمل معرفة، بدرجات مختلفة، بالقواعد غير المكتوبة التي تحدد متى يصفق، ومتى يصمت، ومتى يضحك، ومتى ينبغي ألا يتدخل، فضلًا عن صورة معينة عن الحدود التي تفصل المتفرج عن المؤدي وعن الطريقة التي ينبغي أن تجري بها الفرجة.

وشدد على أن ذلك لا يعني افتراض وجود متفرج مصري نموذجي أو أوروبي نموذجي أو ياباني نموذجي، لأن كل جمهور يحتوي داخله على اختلافات واسعة، وإنما المقصود أن كل متفرج يصل إلى العرض محملًا بخبرات تكونت قبل لحظة رفع الستار، وأن العرض عندما يسافر من بلد إلى آخر يجد أمامه هذه الخبرات، وكأنه يصل إلى جغرافيا بشرية جديدة.

وتوقف الروبي عند تجربة بيتر بروك ومفهوم «المساحة الخالية»، معتبرًا أن المسرح يستطيع أن يبدأ من مساحة يعبرها شخص بينما يشاهده شخص آخر، وهي فكرة تبدو بسيطة لكنها تضع العلاقة بين الفاعل والمشاهد في قلب الحدث المسرحي. فحتى إذا تغير المبنى أو اختفى الديكور أو أصبحت المساحة شديدة البساطة، يظل هناك اللقاء الجوهري بين من يفعل ومن يشاهد، وهو لقاء قابل للتجريب مع كل تغيير في المسافة أو موقع الجسد أو زاوية النظر.

كما تناول تجربة جروتوفسكي، مشيرًا إلى أعمال مثل «الأكروكوليس»، التي أعادت تنظيم الفضاء وقلصت الحدود المألوفة بين المؤدين والمتفرجين. لكنه رأى أن هذه التجربة تكشف مسألة أخرى مهمة، هي أن قرب المتفرج من الممثل لا يعني بالضرورة زوال المسافة بينهما، إذ قد تكون المسافة الجمالية أكبر بكثير من المسافة المادية، والعكس صحيح.

وانتقل إلى تجربة ريتشارد شيكنر، خاصة المسرح البيئي و«ديونيسوس في 69»، حيث يصبح المكان بيئة مشتركة يتحرك داخلها المؤدون والمتفرجون، وتتداخل مساحات الأداء والمشاهدة، وتصبح الحدود أكثر مرونة. إلا أن الروبي أكد أن وجود المتفرج داخل فضاء الفعل لا يكفي وحده، إذ قد يتحرك الجمهور ويشارك جسديًا ويغير مكانه، بينما تظل مشاركته مجرد حركة لا تترك أثرًا في جوهر الحدث.

ومن هنا، شدد على أهمية السؤال عن أثر الحضور وليس الحضور فقط: ماذا يغير وجود المتفرج؟ وماذا يحدث للعرض بسبب وجوده؟

واستعرض الروبي كذلك تجربة أوجستو بوال ومفهوم «المتفرج الممثل» في «مسرح المنتدى»، حيث يستطيع المتفرج إيقاف المشهد واقتراح احتمال آخر والدخول إلى فضاء الأداء والحلول محل إحدى الشخصيات. وهنا تتحول المشاهدة إلى مساحة للفعل والاختيار، لكن التجربة، بحسب الروبي، تذكر أيضًا بأن الحرية المسرحية لها شروطها، لأن المتفرج يدخل لعبة لها قواعد، ومن ثم فإن تغيير موقع الجسد وحده لا يكفي لتغيير طبيعة العلاقة.

وأكد أن المعنى يتكون أثناء اللقاء، وأن استجابة الجمهور تؤثر في المؤدي، كما يؤثر المؤدي في الجمهور، ومن هذه الدائرة المتبادلة يتشكل الحدث الأدائي. ولذلك لا يتكرر العرض الحي بصورة مطابقة لنفسه، لأن الجمهور يتغير، والزمن يتغير، ومدارك الانتباه تتغير، والطاقة داخل المكان تتغير، وحتى الصمت يمكن أن يحمل في ليلة معنى مختلفًا عن ليلة أخرى.

وتساءل الروبي عما يحدث عندما يسافر التجريب من بلد إلى بلد، موضحًا أن العرض يحمل معه طريقة معينة في التفكير في الفضاء والجسد والعلاقة مع الجمهور، لكنه عندما يصل إلى جغرافيا جديدة يجد جمهورًا لم يشارك في تكوين هذه اللغة الجمالية، ويحمل ذاكرة أخرى وخبرات أخرى وعادات مشاهدة أخرى، فتحدث عملية أشبه بالتفاوض بين العرض والمتلقي.

وفي هذا السياق، استعاد تجربته في مشاهدة عرض «الملك لير» الذي قدمته ديبورا وورنر مع فرقة «كيك ثياتر» عام 1985، والذي قام بجولة دولية ووصل إلى مصر. وأشار إلى أن ما بقي في ذاكرته من العرض هو الاقتصاد الشديد في عناصره، حيث لم يكن هناك قصر ملكي بالمعنى المألوف، ولا عرش أو تاج أو سيوف، وإنما سلاسل حديدية ودمى من الألومنيوم وأجساد الممثلين والضوء والفراغ.

وأوضح أن قلة العلامات في العرض كانت تترك مساحة واسعة لخيال المتفرج، وأن أجزاء من العالم المسرحي ظلت ناقصة ليقوم الجمهور باستكمالها. واستعاد بشكل خاص مشهد العاصفة، حيث كان لير يحمل دلو ماء ويرش الماء على رأسه وجسده، بينما ترسم الإضاءة على أرضية المسرح ظلال أوراق وأغصان، فتتكون العاصفة من إشارات قليلة، بينما يكمل المتفرج بقية الصورة في مخيلته.

ورأى أن هذه اللحظة تكشف إحدى أكثر لحظات التجريب نقاءً، لأن العاصفة لا تقع على الخشبة وحدها، وإنما تقع داخل المتفرج، وهنا تنتقل الجغرافيا من مكان العرض إلى جغرافيا التلقي.

وأشار إلى أن المتفرج المصري الذي شاهد العرض لم يكن صفحة بيضاء، وإنما دخل إليه محملًا بتاريخ طويل من الفرجة، يعرف قدرة الممثل على إنتاج المكان بالإشارة، ويعرف أن قطعة قماش يمكن أن تصبح شيئًا باذخًا، وأن العصا قد تتحول إلى حصان، وأن فرع الخشب يمكن أن يمتلئ بالخيال.

واختتم الروبي مداخلته بالتساؤل: هل يوجد متفرج تجريبي؟ ورأى أن المتفرج التجريبي ربما لا يكون نوعًا من الجمهور يمكن التعرف عليه مسبقًا، وإنما حالة تنتجها العلاقة بين العرض والتلقي. وقد يظل جالسًا طوال العرض، ولا يصعد إلى الخشبة قط، ومع ذلك يمكن أن يكون متفرجًا تجريبيًا إذا أتاحت التجربة إعادة ترتيب طريقته في النظر.

واقترح في هذا السياق مفهوم «المتفرج المنتج»، أي المتفرج الذي يشارك في إنتاج المعنى من خلال ذاكرته وإدراكه ومخيلته ووعيه، مؤكدًا أن المقصود ليس أن يضيف معاني اعتباطية إلى العرض، وإنما أن المعنى المسرحي لا يكتمل إلا بفعل التلقي، فيما يقدم العرض إمكانات هذا المعنى.

كمال خلادي: المشاهدة ليست الحلقة الأخيرة في عملية الإنتاج

من جانبه، تناول أ.د. كمال خلادي، من المغرب، لحظة لقاء المسرح بجمهوره باعتبارها لحظة تحتاج إلى التفكير في طبيعتها وتعقيدها، داعيًا في البداية إلى التخلي عن كثير مما نعرفه أو نظن أننا نعرفه عن فعل المشاهدة، والنظر إلى هذه اللحظة باعتبارها تجربة تستحق إعادة الفحص.

وأوضح أن العرض المسرحي، بوصفه حدثًا، يمثل لحظة كبرى تتشظى إلى مجموعة من اللحظات التي تعد بتجربة غير متوقعة، مستعيدًا تصورًا لدى المسرحي البولندي الذي رأى أن الفكرة العميقة للمسرح قد لا تحضر إلا في بعض العروض وخلال لحظات معينة، عندما تمر لحظة خاطفة تشبه مرور ملاك فوق الخشبة.

كما استحضر هايدغر في حديثه عن «اللحظة» بوصفها فجوة يمكن أن تقود الإنسان إلى الحقيقة، وتجعله يرى الأشياء من حوله بصورة مختلفة ويوجد على نحو آخر.

وأشار خلادي إلى أننا كثيرًا ما ننظر إلى العروض المسرحية باعتبارها لحظات نهرب فيها من الملل أو الضيق أو الوحدة، لكن المهم ليس فقط ما نهرب منه، وإنما أيضًا ما نهرب إليه، وما نلتقطه من تجربة أخرى، وربما من قلق وملل آخرين، في أثناء انجذابنا إلى تجربة مشاهدة مختلفة.

وتساءل: ما الذي نسميه عرضًا مسرحيًا؟ موضحًا أن العرض بالنسبة إلى المبدعين هو التزام بالصدق والإصرار في صنع شيء من أجل ما سيخلقه من تجربة مختلفة، بينما هو بالنسبة إلى الجمهور سلسلة واسعة من التوقعات والوعود التي يصنعها الأفراد لأنفسهم قبل المشاهدة.

وأكد أن تجربة المشاهدة لا تقتصر على النظر، وإنما يمكن أن تشمل المراقبة والرؤية والسمع والإحساس والمشاركة والانفعال، وقد تصل إلى الألم والبكاء والضحك والتعليق والتصفيق والغضب ومغادرة القاعة.

ورأى أن تجربة المشاهدة لا تقبل أن تكون معزولة، وهو ما يفسر سؤال الجمهور بعضه بعضًا عن رأيه في العرض بعد انتهائه، لأن التجربة تستلزم التقاسم، مشددًا على أن اعتبار المشاهدة مجرد الحلقة الأخيرة في سلسلة الإنتاج يمثل خطأً، لأنها ليست فقط جوهر التجربة المسرحية، وإنما عنصر أساسي يدفع المسرح إلى تغيير جلده باستمرار.

واستعرض خلادي عرضين مسرحيين أجنبيين باعتبارهما مثالين على تحولات موقف الجمهور، وليس باعتبارهما نموذجين ينبغي الاحتذاء بهما. العرض الأول هو «المآسي الرومانية» الذي قدمه مسرح أمستردام الرئيسي، وتناول المآسي الرومانية الثلاث لشكسبير، لكنه قدمها في مسرح تقليدي جرى تحويله إلى فضاء مفتوح للحركة؛ إذ وجدت على الخشبة أريكة وأكشاك ومقهى ومشرب وطاولة عليها جرائد، إلى جانب شاشات عملاقة موزعة في أنحاء المسرح، حتى في دورات المياه، تنقل مجريات العرض وتقدم معلومات مرتبطة به وأخبارًا يومية وأخبار كرة القدم ونتائج المباريات.

وأوضح أن الجمهور كان حرًا في التحرك كما يريد وفي الوقت الذي يريد، بينما تستمر الأحداث في الوقت نفسه، بما يجعل العلاقة بين العرض والمتفرج جزءًا من البناء الدراماتورجي.

أما العرض الثاني فهو «فندق ميديا»، الذي تعامل مع أسطورة ميديا، حيث انتقل الجمهور من ضفة نهر التايمز إلى الضفة الأخرى، ثم إلى مستودع يتعلم فيه المشاركون الرقص والغناء وأشياء مرتبطة بأسطورة ميديا. ويدخل جيسون في سيارة حقيقية، وينقسم الجمهور إلى رجال ونساء، ويشارك في حفلات تجهيز العروسين والزفاف، قبل أن يتابع تطورات مرتبطة بطموحات جيسون الانتخابية.

وأشار خلادي إلى أن العرض كان يستمر طوال الليل، مع توفير أماكن للنوم للجمهور، وفي الفجر يقع المشهد الرئيسي المتعلق بخيانة جيسون وانتقام ميديا، ثم ينتقل الجمهور عبر ممرات مظلمة إلى مشاهد أخرى، وتستمر التجربة من خلال الهاتف والرسائل وغيرها من الوسائط.

ورأى أن العرضين، رغم تعاملهما مع نصوص من الريبرتوار المسرحي، لم يراهنا فقط على ترتيب إخراجي جديد للنصوص، وإنما على دراماتورجيا مختلفة تقوم على إقامة وتمتين الروابط بين الفعل والأداء والجمهور والمكان والزمان، بما يخرج بالعرض من الحيز الضيق لتمثيل المعنى إلى المجال الأوسع لما يمكن أن يتولد من هذه العلاقات.

وأكد أن من الصعب الحديث عن العرضين من دون الحديث عن تجربة المشاهدة التي يخلقانها، لأن فعل المشاهدة مدمج بصورة أساسية في نسيج هذه الدراماتورجيات الجديدة.

وأوضح أن «المآسي الرومانية»، رغم إقامتها في مسرح تقليدي، دفعت ترتيبات المشاهدة التقليدية إلى أقصى حدودها، من خلال الاحتفاظ للمشاهد بموقع المشاهدة دون ادعاء زائف بالمشاركة والتفاعل، بينما قام «فندق ميديا» بإدخال بعض الاحتياجات الأساسية للجمهور، ومنها الحاجة إلى النوم، في البناء الدراماتورجي نفسه، محاولًا تحقيق توازن بين مقتضيات الحبكة وحرية الجمهور.

واختتم خلادي هذا الجزء من مداخلته بطرح سؤال حول طبيعة التجربة المشتركة: هل تجربة المشاهدة تجربة مشتركة فعلًا؟ مستندًا إلى سؤال طرحه الباحث برنار دور، تفاعلًا مع مقولة بيتر بروك في «المساحة الفارغة» حول رجل يمشي في مكان خالٍ وآخر يراقبه.

وأشار إلى أن وجود أكثر من متفرج في المكان نفسه لا يعني بالضرورة أنهم يعيشون التجربة نفسها، لأن لكل فرد تجاربه وخبراته وعاداته، ومن ثم يطور كل واحد منهم احتمالات مختلفة في علاقته بما يجري أمامه.

وأكد أن مجرد كسر الحدود الشكلية بين الخشبة والصالة أو خلط وظائف الممثل والمتفرج لا يكفي وحده لصناعة تجربة مشتركة، وأن المشاركة الحقيقية أكثر تركيبًا، لأنها ترتبط بقدرة كل فرد من الجمهور على فهم واستيعاب ما يراه ويسمعه ويحسه بطريقته الخاصة.

نورس عادل: «مؤسسة المتفرج» والسرديات الصامتة في تاريخ المسرح

وتناول أ.د. نورس عادل، من العراق، في مداخلته التي حملت عنوان «جينالوجيا السرديات الصامتة في مؤسسة المتفرج»، عددًا من الأسئلة المتعلقة بتاريخ الجمهور داخل الممارسة المسرحية، ومحاولات التجريب إعادة استنطاق السرديات التي ظلت مهمشة أو صامتة داخل التاريخ والتنظير المسرحي.

وأوضح أن تاريخ الممارسة المسرحية والتنظير المسرحي يضم عددًا من السرديات، بينها سرديات صامتة يقصد بها، على نحو خاص، سرديات الجمهور الذي وقع طويلًا تحت سلطة التصورات الأرسطية المتعلقة بالكاثارسيس والتطهير، بما وضع المتفرج في منطقة صامتة وخارج مركز الاهتمام.

ورأى أن التجريب، بوصفه أفقًا مفتوحًا للممارسة المسرحية، حاول مرارًا استنطاق هذه السرديات الصامتة التي أغفلتها بعض مراحل التاريخ المسرحي وبعض التنظيرات، مشيرًا إلى أن قواعد التجريب نفسها تطورت في اتجاه إضفاء نوع من المأسسة على هذه السرديات، وتكوين ما يمكن تسميته «مؤسسة الجمهور»، وليس المؤسسة المنتجة للأعمال.

وفي هذا السياق، أكد نورس عادل أن هناك بالفعل جمهورًا للتجريب، وأن التجريب أسهم في تطوير مهارات جمهور نوعي لا تحكمه الأشكال النمطية وحدها، وإنما أصبح قادرًا على التعامل مع تجارب مسرحية مختلفة.

وانطلق في بحثه من أسئلة حول كيفية تمكن حركة التجريب من إقامة معادل فكري لأفق جديد في الحياة المسرحية إلى جانب الأفق التاريخي الممتد، وكيف استطاعت المشكلات الفكرية أن تنتج سيرورة جديدة في التاريخ المسرحي دون أن تتوقف عند الأسئلة التاريخية المعتادة.

وأوضح أن التجريب، في نظره، ممارسة تخليقية، لا تنتج العمل المسرحي فقط، وإنما تنتج كذلك جمهورًا جديدًا. ومن ثم فإن السؤال عن موقع المتفرج ليس سؤالًا جماليًا محضًا، بل هو سؤال يتعلق بوجود الممارسة المسرحية ومستقبلها، خاصة في ظل دخول مدخلات جديدة تنافس المسرح وتؤثر في جمهوره.

وقسم عادل دراسته إلى ثلاثة مرتكزات رئيسية: البحث في «مؤسسة المتفرج» بوصفها موضوعًا للحفر الجينالوجي، ومراجعة مركزيات الفرجة في الأفق التجريبي؛ ومساءلة معامل التجريب المسرحي والكشف عن الأنماط الفرجوية التي تأسست داخله؛ ثم محاولة الكشف عن مغذيات السلطة التي منحت التجريب هذا النطاق.

وتوقف عند مفهوم الجينالوجيا، باعتباره مفهومًا يرفض فكرة الأصل النقي، ويبحث عن أصول متعددة وأسباب انبثاقها، ويرى التاريخ من خلال الانقطاعات والتداخلات والتشكلات المختلفة، مستندًا في ذلك إلى التصورات التي طورها فوكو حول النسب والانتبثاق والتكوين.

وأشار إلى أن هذا المنظور الجينالوجي أسهم في إعادة مساءلة تاريخ الممارسة المسرحية، وفتح سؤالًا جذريًا حول حق الأفق التجريبي في إنشاء ناحية مختلفة للمسرح، وإعادة توزيع فعل المشاهدة وشروطها وتحويلها إلى مجال من الاحتمال والمصادفة.

وتناول عادل كذلك ما وصفه بالاستعارة من العلوم والفنون والحقول المعرفية المجاورة، موضحًا أن التجريب استفاد من مفاهيم فلسفية متعددة في إعادة التفكير في موقع المتفرج والمكان والجسد، وتوقف عند ديكارت ولايبنتز وكانط وباشلار، وما قدمته هذه التصورات من أسئلة حول المكان والجسد والحركة وشعرية الفضاء.

كما تناول تجربتي أنطونان أرتو وبريخت باعتبارهما من التجارب التي أحدثت تحولًا كبيرًا في تاريخ المسرح والتجريب؛ فأرتو اتجه إلى الجسد الفيزيقي وإعادة توزيع المحسوس داخل فضاء العرض، بينما ارتبط بريخت بمسألة المسافة الجمالية والانفصال.

ورأى أن التجربتين، رغم اختلافهما، تلتقيان في نقطة أساسية هي الانقلاب على التصور الأرسطي والكاثارسيس والنظام التقليدي للمتفرج، وإعادة إنتاج متفرج جديد.

وأشار إلى أن تجربة بيتر بروك استفادت من مسارات متعددة، فلم تغادر تمامًا أرتو أو بريخت، وإنما بحثت عن علاقة جديدة في المسرح بين الفعل والمتفرج والمكان.

وانتقل عادل إلى المسرح التفاعلي بوصفه إحدى النتائج التي ارتبطت بإعادة توزيع المحسوس، متوقفًا عند تجربة «عزيزة» للمخرج د. قاسم الطيب، التي قدمت في بغداد في منتدى المسرح التجريبي عام 2015، موضحًا أن «العزيزة» في الفلكلور العراقي هي تميمة للشؤم، وأن العرض قدم داخل منزل بغدادي يتكون من باحة ومجموعة غرف، وشارك فيه أحد عشر لاعبًا من الشباب، في تجربة أعادت التفكير في العلاقة بين الفضاء والمتفرج والأداء.

يوسف أمفزع: التجريب العربي وصناعة المتفرج من ديمقراطية الفرجة إلى نخبوية التمويل

من جانبه، قدم د. يوسف أمفزع، من المغرب، مداخلة بعنوان «المسرح التجريبي العربي وصناعة المتفرج: من ديمقراطية الفرجة إلى نخبوية التمويل»، تناول فيها نماذج من الملاحظات النقدية التي كتبت حول العروض المسرحية التجريبية منذ نهاية الثمانينيات ومطلع التسعينيات وصولًا إلى الألفية الثالثة.

وانطلق أمفزع من مجموعة من المرجعيات الفكرية والنقدية، مستشهدًا برولان بارت وألان باديو وريجيس دوبريه، ثم انتقل إلى قراءة تحولات التجريب المسرحي العربي وعلاقته بصناعة المتفرج، مستندًا إلى النقد المسرحي بوصفه رؤية فاحصة للمسرح باعتباره بناءً شكليًا ونظرة مسؤولة إلى العالم.

وأوضح أن استقراء عدد كبير من الكتابات التي حاولت فهم جمالية العرض المسرحي منذ نهاية الثمانينيات يكشف عن تصاعد في التحولات الجمالية، وعن انتقاء لبعض المرجعيات المتحكمة في بناء النص واختيار الموضوع وطبيعة المتفرج، إلى جانب ما نتج عن تكرار التجريب من تحويل بعض الجماليات إلى أشبه بالموضة المسرحية.

وأشار إلى أن المسرح العربي واجه، منذ بدايات علاقته بالمسرح الحديث، عددًا من الإشكالات المرتبطة بطبيعة الثقافة العربية وبالمرجعيات التعبيرية السائدة فيها، متوقفًا عند الشعر الغنائي وما سماه ابن رشد «الأقاويل الخطابية».

وتناول قراءة بيتر زوندي لأزمة العرض المسرحي، وربطها بالتطور التاريخي للمسرح العربي الحديث، مستعيدًا تجربة مارون النقاش وعرض «البخيل» عام 1848، وما ارتبط ببدايات المسرح العربي من حضور برجوازي ونخبوي، قبل أن تتسع لاحقًا علاقة المسرح بالجمهور.

وأوضح أن المسرح العربي خرج في سبعينيات القرن الماضي من أجل منافسة الإعلام الحديث، ودخل في مواجهة مع السينما والتلفزيون والشاشات المتعددة والأجهزة اللوحية، وهو ما أسهم، من وجهة نظره، في خلق متاهة جمالية للمتفرج، الذي أصبح يبحث عن دلالة مستقرة لا يجدها دائمًا.

وفي المقابل، أشار إلى اتجاه آخر يرى أن المسرح إذا لم يكن زيارة للكنز الثقافي، فعليه أن يجد لنفسه مكانًا في الصناعات الترفيهية، وهو الاتجاه الذي ارتبط غالبًا بتقديم ما يطلبه الجمهور الشعبي.

وتوقف أمفزع عند رؤية محمد الكغاط للتجريب المسرحي باعتباره شبيهًا بالسؤال الفلسفي الذي يولد منه سؤال آخر، وباعتباره مختبرًا تبحث فيه التجربة عن صيغ أكثر إشراقًا، من خلال مقترحات تهدف إلى خلخلة السائد وفتح آفاق جديدة وإثارة أسئلة جديدة.

وأوضح أن الكغاط يرفض النظر إلى الكتابة التجريبية باعتبارها بعيدة عن القارئ والمتفرج، مشيرًا إلى أن المسرح العربي قبل التجريب كان متأثرًا بالفكر الغنائي، بمعنى «الليريسم» وليس الغناء، وبالمكانة التي احتلها الشعر في الوعي النقدي العربي.

ورأى أن التحولات البراديغمية التي تسارعت منذ سبعينيات القرن الماضي، وما صاحبها من رغبة في تكسير الحدود بين الفنون، أدت في بعض الحالات إلى أزمة في هوية المسرح نفسه، مستشهدًا بباتريس بافيس الذي يرى أن المسرح المعاصر كان من أكثر الفنون تأثرًا بأزمة الحداثة.

وأشار إلى أن المسرح العربي حتى منتصف التسعينيات ظل، في جانب كبير منه، متأثرًا بالمسرح الغربي، مهما تعددت الدعوات إلى الانفلات من عباءته أو «قتل الأب النموذج». كما تناول بعض الملاحظات النقدية التي رأت أن الجسد المسرحي في عدد من العروض المصرية أصبح مترهلًا وغير قادر على الحركة والتعبير، في مقابل اتجاه يرى أن المسرح المصري يقوم أساسًا على الكلمة.

وتوقف أمفزع عند نقد فكري النقاش للتجريب بمعناه المعملي أو المختبري، وما رآه من تأثير ذلك في موقف المتفرج من العروض التي تنهل من معايير أيديولوجية، موضحًا أن هذه النظرة، رغم إمكانية الاختلاف معها، تفتح نقاشًا حول طبيعة أثر الفن، الذي يحدث غالبًا ببطء لكنه يمكن أن يحدث بعمق.

وأشار إلى أن مفهوم التجريب انحصر في بعض مسارات مهرجان القاهرة للمسرح التجريبي في إعادة تدوير التراث والموروث الفرجي دون موقف فني منه، ومحاولات إقحام التكنولوجيا في فضاء التجاوز الفني، إلى جانب إعادة تدوير النصوص الكلاسيكية من خلال ترجمات ضعيفة والسقوط في فخ الأيديولوجيا.

وأضاف أن عددًا من النقاد رأوا أن إخراج المسرح العربي لم يحقق في نهاية التسعينيات ذلك الانسجام الإيقاعي أو «التوحد التعبيري» الذي يسمح بتكامل عناصر العرض.

وأكد أن نظرية المسرح ظلت مرتبطة بأزمات الواقع السياسي والتحولات الفكرية والتفاعل مع المتلقي الاجتماعي الذي يأتي ليكمل الصيرورة، مستعيدًا مقولة أمبرتو إيكو عن النص بوصفه «آلة كسولة» تحتاج إلى تعاون القارئ، قبل أن يطرح السؤال: عن أي قارئ نتحدث؟

وتناول أمفزع كذلك رؤية الناقد محمد عزام حول أزمة المسرح العربي، الذي رأى أنه يموت في قاعات مغلقة يُفرض فيها على المتفرج أن يظل ثابتًا، مستعيدًا المعنى اللغوي لكلمة «مسرح» وما يرتبط بفكرة الفضاء المفتوح.

كما أشار إلى تجربة مهرجان أفيغنون، وإلى قراءة ريجيس دوبريه للتحولات التي طرأت على جمهوره، معتبرًا أن اتساع عدد الجمهور لا يعني بالضرورة اتساع التفاعل مع الخشبة أو تقبل التجارب الجديدة التي تفتقر إلى عنصر الحكاية.

وأكد أن الجمهور لا يمكن فصله عن العمل الفني، مستشهدًا بلوحة «غيرنيكا» لبيكاسو، وبعدد من التجارب المسرحية التي ولدت من واقع سياسي واجتماعي معين، لافتًا إلى أن الجمهور يبحث عادة عن مسرح يستطيع من خلاله فهم حالة الشتات واللايقين التي يعيشها.

وفي ختام مداخلته، طرح أمفزع خيارين أمام المسرح العربي: إما الاتجاه إلى متفرج شعبي عام مع احتمال التنازل عن جانب من جودة الفرجة، أو تبني نموذج النخبوية الموجهة للجميع، مستشهدًا بما اختاره المسرح الفرنسي بعد الحرب العالمية الثانية مع أنطوان فيتيز، حين طرح الحاجة إلى «مسرح نخبوي، لكن للجميع».

هشام زين الدين: من جغرافيا المتفرج إلى سؤال الهوية والسلطة

وعقب أ.د. هشام زين الدين، من لبنان، على المداخلات، مشيرًا في البداية إلى أن طرح محمد الروبي حول جغرافيا المكان وتحولاتها، ثم انتقاله إلى جغرافيا المتفرج، يفتح في الحقيقة سؤالًا آخر يتعلق بهوية المتفرج: من هو هذا المتفرج؟ ورأى أن هذا السؤال يستحق أن يكون حاضرًا إلى جانب سؤال الجغرافيا.

وفي تعليقه على مداخلة كمال خلادي، توقف زين الدين عند الأمثلة التي تناولت تغيير الأمكنة وموقع المشاهد داخل العرض وتحولات المشاهدة بحسب زمنها وتوقعات الجمهور، متسائلًا عما إذا كانت بعض هذه التجارب تعيد إنتاج أفكار عرفها المسرح منذ قرون، مستحضرًا المسرح المتحرك والمسرح الدائري في القرون الوسطى، حيث كان المشاهد ثابتًا وتتغير المشاهد أو يتحول موقع المشاهدة.

أما فيما يتعلق بمداخلة نورس عادل، فأشار إلى أن الحديث عن الجمهور الذي وقع تحت سيطرة الفكر الأرسطي والتجريب والعلاقة مع المتلقي كان واضحًا، لكنه رأى أن علاقة ذلك بالإقليم الجغرافي لم تظهر بصورة كافية، متسائلًا عن أسباب استبعاد الجغرافيا بمعناها المكاني، وهي جزء أساسي من عنوان الندوة.

كما أشار إلى أن مداخلة يوسف أمفزع قدمت قراءة مهمة للتجريب العربي وظروفه الاجتماعية والسياسية والثقافية، إلا أنه رأى أن علاقة هذه التحولات بالإقليم العربي المتنوع والمتشظي تحتاج إلى مزيد من المعالجة.

وأكد زين الدين أن إحدى النقاط التي اتفقت عليها المداخلات جميعًا هي أن الجمهور ليس كتلة واحدة، وإنما يتشكل ويتجلى بصورة مختلفة في كل عرض ومكان وزمن.

وفي تعقيبه المكتوب، رأى زين الدين أن عنوان المؤتمر العام «الجغرافيا المسرحية» يفترض أن المسرح إقليم له حدود وتضاريس وسياسات، بينما يضع محور «إقليم التجريب وتحولات المشاهدة» يده على أخطر نقطة في هذا الإقليم، وهي المتفرج.

وأوضح أن التجريب لم يعد مجرد مسألة شكل أو لغة، وإنما أصبح مسألة تتعلق بالخريطة نفسها: من يملكها؟ ومن يتحرك داخلها؟ ومن يُستبعد منها؟

وقرأ المداخلات الأربع بوصفها طبقات مختلفة لخريطة واحدة؛ فرأى أن محمد الروبي قدم «البنية» وحدود الإقليم وتضاريسه، بينما وصف كمال خلادي «الحركة» وكيف أصبح المتفرج يتحرك داخل الإقليم، وكشف نورس عادل عن «القانون» الذي يحكم قواعد الدخول والخروج.

وفي قراءته لمداخلة الروبي، رأى زين الدين أنه قدم تصورًا منهجيًا يقوم على الجغرافيا الخارجية، والجغرافيا الداخلية، والجغرافيا الذهنية، لكنه تساءل عن موقع لغة المتفرج والسياسة الكامنة في توزيع مواقع النظر، وعن علاقة القوة بالسلطة داخل الخريطة المسرحية.

أما كمال خلادي، فرأى أن مداخلته نقلت النقاش من المكان إلى الزمن، وجعلت جوهر المسرح لحظة اللقاء، ورصدت انتقال خرائط التجريب من جغرافيا الكرسي الثابت إلى جغرافيا الحركة والترحال، لكنه طرح سؤالًا حول ما سماه «وهم المتحرك»: هل كل كسر للكرسي يمثل تحررًا حقيقيًا؟ وهل يمكن أن تكون حرية اختيار المسار مجرد حرية داخل متاهة رسمها المخرج مسبقًا؟

وفي قراءته لمداخلة نورس عادل، رأى زين الدين أنها كسرت وهم الحياد، وانتقلت من سؤال المكان إلى سؤال الجسد والسلطة، معتبرًا أن كل خريطة تجريبية يمكن أن تكون إعادة توزيع للقوة، بما يطرح أسئلة حول من يملك حق الحركة ومن يراقب ومن يُقصى.

وفي الوقت نفسه، طرح زين الدين سؤالًا نقديًا حول ما إذا كان كل فضاء تجريبي بالضرورة فضاء سلطة، محذرًا من اختزال التجربة الجمالية في القراءة السياسية وحدها، بما قد يؤدي إلى فقدان أبعاد جمالية أخرى في التجريب.

أما مداخلة يوسف أمفزع، فرأى أنها وضعت اليد على جانب أساسي من أزمة التجريب العربي، وربطت الجغرافيا بالطبقة والتعليم والثقافة، وطرحت سؤالًا جوهريًا: لمن نرسم هذه الخرائط الجديدة؟

واختتم زين الدين بطرح سؤالين حول علاقة الجمهور بتعقيد العرض، وما إذا كان هروب المتفرج سببه تعقيد المسرح وحده أم أنه جزء من تحول عالمي في أنماط المتعة السائدة، وكذلك حول مفهوم النخبة، متسائلًا عما إذا كانت كل نخبوية تعني الإقصاء، أم أن النخبوية يمكن أن تكون مشروعًا جماليًا وأخلاقيًا إذا ارتبطت بمشروع ثقافي متكامل.

وأكد أن النقاش الذي شهدته الندوة يفتح المجال لإعادة التفكير في المتفرج باعتباره عنصرًا أساسيًا في جغرافيا التجريب، لا بوصفه وجودًا ماديًا داخل الصالة فقط، وإنما باعتباره حاملًا لذاكرة وثقافة وهوية وتجربة، يشارك من خلالها في إعادة تشكيل معنى العرض وعلاقته بالمكان والزمان والجسد والسلطة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي !!