“لاموضى Show Off”.. عرض تونسي يضع عالم الموضة والتسويق الرقمي تحت المجهر
من عروض المسابقة الرسمية بـ"القاهرة التجريبي"

المخرج الطاهر عيسى بن العربي: نبحث عن لغة تذوب فيها الفنون.. والمسرح بالنسبة لنا موقف أخلاقي وفعل مقاومة
بن العربي: التجريبي فرصة لاختبار تجربتنا إلى جوار تجارب تقود مشهد المسرح المعاصر
تشاهد لجنة التحكيم اليوم ثلاثة عروض مسرحية، تبدأ من مسرح الهناجر في السادسة مساء بالعرض المسرحي التونسي «لاموضى Show Off»، من إنتاج فرقة أناييس للإنتاج، ضمن فعاليات الدورة الثالثة والثلاثين من مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي، في تجربة مسرحية تنفتح على عالم الموضة والتسويق الرقمي، وتفكك علاقتهما بمنظومة الربح والاستهلاك والسيطرة، من خلال لغة تجمع بين المسرح والأداء الحركي والموسيقى والسينوغرافيا والصورة.
العرض من تأليف وإخراج وسينوغرافيا الطاهر عيسى بن العربي، ويشارك في بطولته أمير الدريدي، مريم ريزا، عبير صميدي، أمان الله توكابري، منار طنڨور، سارة ركباني، غادة بلقاسم، فارس قايدة، ومحمد عثموني، فيما صمم الإضاءة عادل الشعباني، والصوت عزيز بلحاج، والملابس دلندة الطرخاني، والألحان الموسيقية علي الجزيري، والكوريغرافيا غادة بلقاسم، وتتولى إدارة الإنتاج مريم ريزا وأمير الدريدي.
وتأتي مشاركة «لاموضى Show Off» في مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي بعد حصول العرض على ثلاث جوائز في الدورة العشرين من مهرجان ليالي المسرح الحر بالمملكة الأردنية، هي الجائزة الذهبية للمسرح الحر لأفضل عرض مسرحي متكامل، والجائزة الذهبية للمسرح الحر لأفضل سينوغرافيا، إلى جانب الجائزة الذهبية للفنان سمير خوالدة، وذلك في تأكيد لما يحمله العرض من خصوصية على مستوى الرؤية البصرية وبناء التجربة المسرحية.
“لاموضى”.. خلف بريق الموضة وجه آخر للسيطرة
يأخذ “لاموضى Show Off” المتلقي إلى كواليس عالم يبدو في ظاهره قائما على الجمال والأناقة والاستعراض، لكنه يكشف تدريجيا عن منظومة أكثر تعقيدا، تتحول فيها الموضة والتسويق الرقمي إلى أدوات للهيمنة الربحية، وإعادة تشكيل الرغبات، والتأثير في وعي الإنسان وسلوكه.
وتنطلق المسرحية من أجواء سريالية تجمع بين السخرية والقلق، حيث تفتتح الخشبة بجملة «الآن يبدأ عرض الصحفي الفذ!»، قبل أن تتكشف أمام الجمهور عوالم بعيدة عن الصورة التقليدية لعروض الأزياء، وتظهر الشخصيات وكأنها قطع شطرنج تحركها قوة خفية لا تمنحها كامل القدرة على اختيار مصائرها.
ومن بين هذه الشخصيات تظهر الخياطة «فريدة»، التي تدخل الخشبة وهي هاربة من خوف يلاحقها، قبل أن تتقاطع طريقها مع مصمم أزياء معصوب العينين وملطخ بالدم، في صورة تجمع بين الجمال والعنف والانهيار الداخلي.
ويتحول اللقاء بين الشخصيتين إلى مواجهة فكرية وعقائدية بين صرامة «فريدة» وتحرر المصمم، بينما يظل الاثنان تحت سلطة صوت خفي يدفعهما إلى التعاون داخل ما يسمى بـ«استوديو تصوير واقعي»، ويقدم نفسه باعتباره صاحب السلطة على المشهد.
وتكشف هذه السلطة تدريجيا عن منطقها؛ فالموضة لم تعد مجرد اختيار جمالي، وإنما أصبحت، وفق رؤية العرض، جزءا من منظومة اقتصادية تدفع الإنسان إلى استعراض ذاته باستمرار أمام الآخرين، وتحول صورته وحضوره وحتى اختياراته الشخصية إلى سلعة قابلة للاستهلاك والتسويق.
الطاهر عيسى بن العربي: المشاركة في التجريبي محطة استثنائية

وقال المخرج الطاهر عيسى بن العربي إن مشاركة «لاموضى Show Off» في مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي تمثل محطة استثنائية له ولفريق العمل، ليس فقط لأن المهرجان يعد أحد أهم الملتقيات الفنية في المنطقة والعالم، وإنما لأنه يفتح أمام الفنانين مساحة حقيقية للتواصل والتشبيك وخلق فرص جديدة للتعاون.
وأوضح أن وجود العرض ضمن المسابقة يمثل فرصة لاختبار تجربته الفنية إلى جوار تجارب مسرحية أخرى تقود مشهد التجريب المعاصر، مشيرًا إلى أن المنافسة بالنسبة له لا تختزل في فكرة الفوز أو الحصول على الجوائز.
وأضاف أن المشاركة في المسابقة العالمية تتجاوز بالنسبة له فكرة التتويج، لتصبح اختبارا حقيقيا للتجربة، من خلال وضعها في مواجهة تجارب أخرى تنتمي إلى مشهد التجريب المسرحي المعاصر.
وقال: “ونحن إذ نخوض هذه التجربة، فنحن نضع أنفسنا في خدمة الفن في تونس، متوجين جهودا متواصلة يسيرها الشغف، ومستغلين هذا المحفل القاهري للغوص عميقا في البحث عن مناطق جمالية غير مطروقة، وطرح التساؤل الجوهري الذي أشتغل عليه منذ سنوات: كيف يمكن للفنون أن تتداخل وتذوب في بعضها البعض لتشكل لغة تعبيرية واحدة؟”
المخرج التونسي: التجريبي لا يكتفي بالاستعراض الشكلي
ويرى الطاهر عيسى بن العربي أن برمجة مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي في دورته الحالية تكتسب أهمية خاصة، لأنها تفتح مساحة للبحث في جوهر التجريب، ولا تتعامل معه باعتباره مجرد اختلاف في الشكل أو محاولة للاستعراض البصري، بل تتيح للفنانين الاحتكاك بتجارب تتجاوز الأشكال التقليدية، وتبحث في إمكانات جديدة للمسرح، خصوصا من خلال الجسد والسينوغرافيا والتكنولوجيا والموسيقى.
وقال: “إنها برمجة تسعى لاستفزاز المخيلة، واحتضان الرؤى التي تتجاوز العروض التقليدية نحو أشكال مسرحية جديدة، تعيد الاعتبار للجسد، والسينوغرافيا، والتكنولوجيا، والموسيقى كعناصر متكاملة تتلاشى حدودها الفاصلة”
وتابع: “هذا التنوع يمنحنا إمكانية الاحتكاك بأساليب إخراجية وفكرية تثري تجربتنا الذاتية، وتؤكد أن المسرح التجريبي لا يزال القلعة الأخيرة للحرية والتعبير الجريء”
من الموضة إلى سؤال الإنسان

ولا يتوقف العرض عند تفكيك عالم الموضة والتسويق الرقمي، وإنما يوسع أسئلته إلى ما هو أبعد من ذلك، من خلال ربط هذه المنظومة بالسياق العالمي الذي يعيش فيه الإنسان المعاصر.
ويرى بن العربي أن المسرح لا يمكن أن ينفصل عن الواقع الذي ينتج فيه، خصوصا في ظل عالم يواجه الحروب والأزمات والانقسامات، وتتحكم فيه منظومات اقتصادية تضع الربح في مقدمة أولوياتها.
ويقول: إن الفنان يجد نفسه أمام أسئلة تتجاوز حدود الخشبة، من بينها سؤال جدوى الفن والمسرح في عالم يواجه أزمات متلاحقة، وما إذا كان المسرح يكتفي بعكس الواقع، أم يمكن أن يتحول إلى فعل مقاومة قادر على إرباك المنظومات السائدة.
واضاف: “لكن هذه المشاركة لا تفصلنا عما يجري خارج خشبة المسرح؛ فنحن نعتلي المسرح في عصر يطبع مع التشظي، وتحكمه حروب مسندة من نظام رأسمالي وحشي يقدس المال والربح الفاحش، حتى لو كان الثمن انهيار القيم وتدمير البيئة وإبادة الإنسانية»”
وأضاف أن هذا الواقع يفرض على الفنان أن يعيد التفكير في وظيفة الفن ودوره، وأن يطرح أسئلة حول العلاقة بين الجمال والموقف الإنساني، وحول قدرة المسرح على التأثير في وعي المتلقي.
وتابع: “من هذا الموقع المتأزم، أجدني كفنان مجبرًا على طرح أسئلة حارقة: ما هي جدوى الفن والمسرح في عالم ينهار؟ هل يكتفي المسرح بكونه مرآة تعكس آلام الإنسانية، أم أنه يملك القوة ليكون فعل مقاومة، وأداة لإرباك هذه المنظومة الوحشية؟”
تداخل الفنون بوصفه موقفا فكريا وإنسانيا

ويربط بن العربي بين بحثه في تداخل الفنون وبين الأسئلة الفكرية التي يحملها العرض، معتبرا أن دمج المسرح بالحركة والموسيقى والصورة والكوريغرافيا ليس مجرد اختيار جمالي، وإنما يمكن أن يصبح وسيلة لتكوين تجربة حسية قادرة على مخاطبة المتلقي بصورة مختلفة.
وأوضح أن السؤال الأساسي بالنسبة له يتمثل في كيفية تحول هذا التداخل إلى موقف فكري وإنساني، بحيث لا تظل التجربة المسرحية محصورة في حدود الفرجة، وإنما تدفع المتلقي إلى إعادة النظر في العالم المحيط به.
وقال: “وكيف يخدم تداخل الفنون وذوبانها في بعضها البعض موقفنا الفكري والإنساني، ليصبح المسرح تجربة حسية توقظ الضمير وتستعيد ما تبقى من إنسانيتنا المهدورة؟”
ويعكس «لاموضى Show Off» هذا التصور من خلال تداخل الحوار مع الرقص والحركة والسيرك والموسيقى والسينوغرافيا، حيث يصبح الشكل جزءا من مضمون العرض، وتتحول العناصر الفنية المختلفة إلى أدوات لتقديم أسئلة تتعلق بالحرية والاختيار والسيطرة والاستهلاك.
من منظومة الموضة إلى رموز الشعوب المنكوبة
ويحمل العرض في مراحله الأخيرة أبعادا سياسية وإنسانية تتجاوز عالم الموضة، حيث تتحول الخشبة إلى مساحة تستدعي صورا ورموزا مرتبطة بالنكبات التي تعرضت لها شعوب مختلفة.
ويظهر الثوب الفلسطيني ضمن الرموز البصرية التي يستحضرها العرض، إلى جانب إشارات إلى شعوب منكوبة، من بينها الهنود الحمر، في محاولة للتأكيد على أن الفن لا يستطيع دائما أن يبقى منفصلا عن الأسئلة الإنسانية الكبرى، حتى عندما ينطلق من موضوع يبدو بعيدًا عن السياسة المباشرة.
وفي هذا السياق، يتحول المسرح في «لاموضى» إلى مساحة للاعتراف بالألم، وإعادة طرح فكرة الانحياز للإنسان والحق، من خلال لغة بصرية لا تقدم خطابًا سياسيًا مباشرًا بقدر ما تضع المتلقي أمام مجموعة من الرموز والأسئلة.
كسر الجدار الرابع.. حين يصل العرض إلى الجمهور
وفي ختام «لاموضى Show Off»، يكسر العرض الجدار الرابع، وينتقل المؤدون من الخشبة إلى مساحة الجمهور، حيث يقدمون أغصان الزيتون للمتلقين، في لحظة تتغير فيها طبيعة العلاقة بين المؤدي والمتفرج.
ولا يتوقف المشهد عند مغادرة المؤدين للخشبة، وإنما يشارك بعض العاملين والجنود في صعود الخشبة لتقديم التحية الجماعية، بما يمنح النهاية طابعا احتفاليا وإنسانيا، ويعيد ترتيب العلاقة بين من يقدم العرض ومن يتلقاه.
وتنتهي التجربة بسؤال يتركه العرض أمام الجمهور حول طبيعة الاختيار في عالم تهيمن عليه الصورة والاستهلاك: هل ما نرتديه وما نلاحقه وننفق من أجله هو اختيار حر فعلًا، أم أنه قيد أكثر تعقيدًا، صاغته منظومة عالمية قادرة على التأثير في رغبات الإنسان وسلوكه؟
عرض تونسي في فضاء التجريب المصري

وتأتي مشاركة «لاموضى Show Off» في الدورة الثالثة والثلاثين من مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي ضمن توجه المهرجان إلى تقديم تجارب مسرحية تنتمي إلى مدارس واتجاهات جمالية وفكرية مختلفة، وإتاحة المجال أمام المسرحيين العرب للتفاعل مع التجارب الدولية والمصرية.
وتقام الدورة الثالثة والثلاثون من مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي برئاسة الدكتور سامح مهران، خلال الفترة من 1 إلى 8 سبتمبر 2026، وتتضمن إلى جانب عروض المسابقة الرسمية والعروض الموازية، برنامجًا فكريًا وورشًا تدريبية وفعاليات متنوعة، بمشاركة تجارب مسرحية من مصر والعالم العربي ودول مختلفة، في إطار توجه المهرجان إلى دعم التجريب والانفتاح على التحولات التي يشهدها المسرح المعاصر.



