أخبار مسرحية

“أكاديمية أوال 2”.. المسرح البحريني يزرع موهبته في جيل جديد

في تجربة تستعيد للمسرح وظيفته الأولى في صناعة الإنسان واكتشافه، اختتم مسرح أوال في البحرين نشاطه الصيفي “أكاديمية أوال 2″، بعد أسابيع من التدريب والعمل مع مجموعة من الأطفال والناشئة، انتهت بعرض مسرحي بعنوان “يلا نمثل”، شارك فيه 23 متدربًا ومتدربة.

العرض الذي قدمه المشاركون في ختام البرنامج لم يكن منفصلًا عن أيام التدريب التي سبقته. فقد جاء نتيجة عمل قائم على التجريب والتمرين، وعلى منح الأطفال مساحة للتعبير والمحاولة، وصولًا إلى بناء مجموعة من المشاهد والسكتشات التي شكلت النتاج النهائي للأكاديمية.

وحضر حفل الختام مديرة إدارة الثقافة هدى العلوي، ورئيس شؤون الجمعيات الثقافية والمسرح حمد الموسى، ورئيس اتحاد جمعيات المسرحيين البحرينيين محمد الصفار، إلى جانب عدد من الفنانين وأولياء الأمور، حيث جرى تكريم المشاركين وطاقم العمل.

ثلاث سنوات من التجربة

بدأت فكرة “أكاديمية أوال” عام 2023، كمبادرة تستهدف الفئة العمرية من 9 إلى 16 عامًا، وتقوم على اكتشاف المواهب وتعريف الناشئة بالمسرح من خلال التدريب والممارسة.

ومنذ الدورة الأولى، اتجه المشروع إلى بناء علاقة مختلفة بين الطفل والمسرح؛ علاقة لا تقوم على المشاهدة وحدها، وإنما على المشاركة، وعلى اختبار الخشبة والعمل مع المجموعة، والتعرف إلى عناصر العملية المسرحية بصورة عملية.

ويقول ياسين قازاني، مدرب الأكاديمية ونائب رئيس مجلس إدارة مسرح أوال ورئيس لجنة العلاقات العامة والإعلام، إن الفكرة جاءت لتوفير مساحة حقيقية للأطفال والناشئة لاكتشاف قدراتهم الفنية، والتعرف إلى المسرح من خلال التجربة والممارسة.

ويشير إلى أن النسخة الثانية شهدت اهتمامًا أكبر بجوانب التمثيل والحركة والصوت والعمل الجماعي، مع الحرص على منح المشاركين مساحة أوسع للتعبير عن أنفسهم.

ويضيف قازاني أن ما يلفت في التجربة هو التغير الذي يمكن ملاحظته على الأطفال خلال فترة قصيرة؛ فالطفل الذي يبدأ مترددًا أو خجولًا، يصبح أكثر قدرة على الوقوف أمام الجمهور والتعبير عن نفسه والتعامل مع زملائه بثقة وروح جماعية.

ويؤكد أن هدف الأكاديمية لا يقتصر على اكتشاف ممثلين، فالمسرح، بالنسبة إليه، مساحة تساعد الطفل على بناء شخصيته وتنمية خياله وقدرته على التواصل.

عرض لم يكن مكتوبًا

في تجربة “يلا نمثل”، اختار المدربان حسن فلامرزي وياسين قازاني أن يذهبا مع الأطفال إلى المختبر المسرحي بدلًا من البدء بنص جاهز.

ويقول الفنان والمخرج البحريني حسن فلامرزي إن العرض لم يكن مخططًا له منذ البداية، ولم يكن هناك نص مكتوب، وإنما جاءت فكرته من خلال العمل اليومي مع الأطفال، وتجريب الأفكار وتطبيقها معهم.

ويصف فلامرزي التجربة بأنها كانت قريبة من فكرة المختبر المسرحي التي كان يريد الوصول إليها، حيث ظلت الأفكار في حالة بحث وتجريب إلى أن تشكل منها العرض الذي قدمه المشاركون في ختام الأكاديمية.

ويعود فلامرزي إلى البدايات الأولى للمشروع، موضحًا أن فكرة الأكاديمية انطلقت قبل ثلاث سنوات كمشروع شبابي من اللجنة الشبابية، وحظيت بدعم مجلس إدارة مسرح أوال.

وكان الهدف، كما يقول، نشر ثقافة المسرح في المجتمع، والتعريف به، واكتشاف مواهب جديدة يمكن العمل على تطويرها ودمجها مستقبلًا في الأعمال التي يقدمها المسرح.

ويؤكد أن المشروع بالنسبة إلى مسرح أوال مشروع مستدام، لأنه يمثل وسيلة لضخ دماء جديدة في المسرح البحريني وتمكين الشباب والناشئة.

ورغم أن النسخة الثانية أقيمت خلال شهر واحد فقط، نتيجة ظروف حالت دون تنفيذ البرنامج وفق المدة التي كان مخططًا لها، يرى فلامرزي أن النتائج كانت إيجابية، وأن ردود الفعل من الفنانين وهيئة البحرين للثقافة والآثار وأولياء الأمور كانت مشجعة.

ومن التفاصيل اللافتة التي يشير إليها أن عددًا من العاملين في الأكاديمية الحالية، في مجالات التنظيم والإعلام والإضاءة والصوت والتسجيلات، هم من المشاركين في النسخة الأولى.

ويقول إن هذه النتيجة تمنح المشروع معنى إضافيًا؛ فبعض من دخلوا الأكاديمية متدربين في بدايتها عادوا إليها اليوم وهم يساهمون في تنظيمها وصناعة تفاصيلها.

“الأحلام في أوال لا تموت”

يحمل مشروع الأكاديمية، بالنسبة إلى فلامرزي، طموحًا أكبر من حدود البرنامج الصيفي.

ويقول إن الجيل السابق في مسرح أوال كان يحلم بأن يكون للمسرح مقر، وقد تحقق ذلك الحلم وأصبح المقر واقعًا، بينما يحمل الجيل الحالي حلمًا جديدًا يتمثل في وجود أكاديمية مسرحية متخصصة في المستقبل.

ويختصر ذلك بالقول: “الأحلام في أوال لا تموت”.

ويشير إلى أن النسخة المقبلة من الأكاديمية في عام 2027 يفترض أن تكون أوسع من حيث مكان التدريب ومدة البرنامج، مع مشاركة عدد أكبر من المختصين، بما يتيح للمشاركين فرصة أوسع للتعلم والتجربة.

زهراء المنصور: القيمة الحقيقية في بناء العلاقة مع المسرح

وتضع الناقدة المسرحية البحرينية د. زهراء المنصور التجربة في إطار أوسع، وترى أن قيمة الأكاديمية لا ينبغي أن تقاس بالعرض الذي تقدمه في نهاية الصيف.

بالنسبة إليها، تكمن أهمية المشروع في بناء علاقة مبكرة بين الطفل والمسرح، وإتاحة فرصة للتعرف إليه من الداخل، بوصفه تدريبًا وممارسة وانضباطًا ومتعة واكتشافًا للذات.

وتقول المنصور إن تجربة كهذه لا تستهدف صناعة ممثلين فقط، وإنما تمنح المشاركين مجموعة من المهارات التي يمكن أن ترافقهم في حياتهم، من بينها التعبير والثقة بالنفس والإنصات والعمل الجماعي واحترام الوقت وتحمل المسؤولية والقدرة على التواصل مع الآخرين.

وتشير إلى أنها شجعت أطفالًا وشبيبة من العائلة على المشاركة في الأكاديمية منذ بدايتها، لأنها ترى أن التجربة تستحق أن تعاش، سواء اختار هؤلاء الأطفال المسرح مستقبلًا أم اتجهوا إلى مجالات أخرى.

وتلفت إلى أن الطفل الذي يتعلم المسرح اليوم قد يصبح ممثلًا أو مخرجًا أو كاتبًا، وقد لا يعمل في المسرح أصلًا، لكنه سيخرج من التجربة بعلاقة مختلفة مع الفن، وربما يصبح متفرجًا أكثر وعيًا بما يراه على الخشبة.

وتشدد المنصور على أهمية وجود مدربين يمتلكون المعرفة والخبرة في التعامل مع الأطفال والناشئة، مشيرة إلى حسن فلامرزي وياسين قازاني والفنان أنور أحمد، وترى أن تدريب الأطفال يحتاج إلى الجمع بين متعة الاكتشاف وقواعد العمل المسرحي والانضباط.

وترى أن “يلا نمثل” يمثل نتيجة لرحلة التدريب، فيما تبقى التجربة نفسها، وما أحدثته في المشاركين، أكثر أهمية من العرض الذي ينتهي بانتهاء الأمسية.

الأهل يرون أثر التجربة

وصل أثر الأكاديمية إلى البيت أيضًا، وهو ما تعكسه شهادات عدد من أولياء الأمور.

نوال فضل، والدة المشارك إلياس، تقول إن التجربة انعكست على شخصية ابنها وموهبته، ولاحظت زيادة في ثقته بنفسه وجرأته في الوقوف أمام الجمهور وقدرته على التعبير عن أفكاره ومشاعره.

وترى أن مشاركته في “يلا نمثل” منحته خبرة في المسؤولية والعمل الجماعي، إلى جانب ما اكتسبه من مهارات أخرى، معربة عن شكرها للقائمين على الأكاديمية، وخصوصًا الأستاذين أنور أحمد وحسن فلامرزي.

أما رشا السماهيجي، رائدة الأعمال ووالدة عبدالله وسعود، فتشير إلى فرق واضح في أداء ابنيها مقارنة بالموسم الماضي، خصوصًا من حيث وضوح الصوت والثقة والجرأة في الحديث أمام الجمهور.

وتخص بالشكر حسن فلامرزي وياسين قازاني على جهودهما في تطوير الأطفال وبناء شخصياتهم، متمنية استمرار التجربة وتطورها في المواسم المقبلة.

وتؤكد فاطمة ناصر، والدة الموهوبة فاطمة حسن، أن مشاركة ابنتها في النسخة الثانية كان لها أثر واضح في نمو شخصيتها وثقتها بنفسها، كما عززت حبها للتمثيل وصقلت موهبتها.

وتتمنى ناصر أن تتوسع الأكاديمية مستقبلًا لتقام على مدار العام، وليس في العطلة الصيفية وحدها.

الصفار: الاستدامة أهم من العرض

ويرى محمد الصفار، رئيس اتحاد جمعيات المسرحيين البحرينيين، أن الحركة المسرحية تحتاج إلى ما هو أبعد من إنتاج العروض.

ويقول إن استدامة العمل المسرحي وفق معايير واضحة وانضباط معرفي هي ما يصنع التراكم، معتبرًا أن الورش المستدامة توفر المناخ المناسب لتعريف الناشئة بالمسرح بطريقة صحية ومتزنة.

ويشير الصفار إلى أن الاتحاد طرح فكرة أكاديمية أوال في لقاءاته مع بعض المسؤولين، أملاً في تبني المشروع وجعله عملًا مستمرًا، بما يمكن أن يسهم في رفد الساحة المسرحية البحرينية والخليجية بكوادر مؤهلة ونشطة.

مسرح أوال.. أكثر من خمسة عقود على الخشبة

تأتي الأكاديمية ضمن مسيرة طويلة لمسرح أوال، الذي تأسس في 14 سبتمبر 1970، وحمل اسم “أوال”، أحد الأسماء التاريخية للبحرين.

وعلى امتداد أكثر من خمسة عقود، قدم المسرح أكثر من 90 عملًا مسرحيًا، واحتل موقعًا بارزًا في الحركة المسرحية البحرينية والخليجية، من خلال عروض تناولت قضايا المجتمع وتحولاته، وانفتحت على النصوص والتجارب العربية والعالمية.

ومن هذه المسيرة الطويلة خرجت فكرة أخرى: أن استمرارية المسرح تحتاج إلى أجيال تتعاقب، وأن الخشبة لا تستطيع أن تحافظ على حضورها من دون أن تجدّد أبناءها.

لذلك تبدو “أكاديمية أوال 2” خطوة في اتجاه أبعد من موسم صيفي. فالمشاركون الذين وقفوا على خشبة “يلا نمثل” قد لا يكون جميعهم فنانين في المستقبل، لكنهم دخلوا المسرح من بابه العملي، واختبروا معنى أن يكونوا جزءًا من مجموعة، وأن يصغوا، ويتدربوا، ويلتزموا، ثم يقفوا أمام الجمهور.

وهذه، في جوهرها، إحدى وظائف المسرح التي كثيرًا ما تغيب خلف بريق العرض: أن يمنح الإنسان فرصة لاكتشاف نفسه.

ومع التطلع إلى “أكاديمية أوال 3” وتوسيع البرنامج في عام 2027، تبدو التجربة أمام مرحلة جديدة، عنوانها الانتقال من المبادرة الصيفية إلى مشروع تدريبي أكثر اتساعًا واستمرارية.

في مسرح أوال، الذي تجاوز نصف قرن من عمره، تبدو الخشبة وهي تفتح مكانًا لجيل جديد. وما يُزرع اليوم في قاعات التدريب قد لا يظهر كله غدًا، لكنه سيكون حاضرًا حين يحتاج المسرح البحريني إلى وجوه وأصوات وأفكار جديدة.

زهراء غريباليمامة الجديدة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي !!