أخبار مسرحية

ندوة «الجيو-مسرحي» تبحث السرد والأداء وفن الحضور في التجربة المسرحية

عبد الباري سعد: القيود الإنتاجية يمكن أن تصبح محركا للتجريب وإعادة تعريف المتفرج

جورج هولندا: المسرح الحقيقي يعيدنا إلى الحاضر وفن الوجود

جون ناماي: الأرض ليست خلفية للعرض بل شريك في صناعة السرد

ضمن فعاليات الدورة الثالثة والثلاثين من مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي، انطلقت ندوة «الجيو-مسرحي: المتفرج، السرد، المؤدي»، وأدارتها أ.د. دينا أمين، وبمشاركة المخرج والباحث الأكاديمي عبد الباري سعد من مصر، والباحث جورج هولندا من البرازيل، والباحث جون ناماي من كينيا. وناقشت الندوة العلاقة المتجددة بين الفضاء المسرحي والمتفرج وفنون السرد والأداء، وكيف يمكن للمكان والجسد والبيئة أن تتحول إلى عناصر فاعلة في صناعة التجربة المسرحية.

واستهلت أ.د. دينا أمين الجلسة بالترحيب بالحضور، مؤكدة أن الجلسة تمثل أولى ندوات وأوراق البحث الدولية المقدمة باللغة الإنجليزية ضمن فعاليات المهرجان، مشيرة إلى أهمية الأبحاث المشاركة لما تطرحه من رؤى تتصل بمحاور الندوات وقضايا المسرح المعاصر. وأوضحت أن كل باحث سيقدم ورقته في الوقت المحدد، يعقب ذلك فتح باب النقاش والأسئلة أمام الحضور.

عبد الباري سعد: القيود الإنتاجية يمكن أن تصبح محركًا للتجريب وإعادة تعريف المتفرج

أكد المخرج والباحث الأكاديمي عبد الباري سعد عبد الهادي، المحاضر بجامعة الشارقة للعلوم والفنون بالإمارات، أن التحديات والقيود الإنتاجية لا ينبغي النظر إليها باعتبارها عائقًا أمام الإبداع، بل يمكن أن تتحول إلى قوة دافعة للتجريب «الجيو-مسرحي» وإعادة النظر في موقع المتفرج داخل العرض.

واستعرض سعد تجربته التطبيقية في إخراج المسرحية الموسيقية الغنائية «Merrily We Roll Along» لستيفن سوندهايم وجورج فورث، والتي جاءت في إطار دراسة إثنوغرافية ذاتية. وواجه العرض تحديًا تمثل في وجود 26 شخصية إلى جانب ضيوف الحفلات والجمهور، مقابل تسعة ممثلين فقط من طلاب الجامعة، ينتمون إلى أكثر من عشرين جنسية وثقافة مختلفة.

وأوضح أنه، بدلًا من محاولة تقليص الحشد أو خلق وهم بوجود أعداد كبيرة، اتجه إلى التفكير في الوظيفة الدراماتورجية للجمهور، ودعا المتفرجين إلى أن يصبحوا جزءًا حيًا من حفلة «فرانك شيبارد»، بحيث يمثل حضورهم وأجسادهم نوعًا من الرقابة الاجتماعية التي تحتفي بالنجاح الظاهري وتتجاهل العلاقات الإنسانية التي أفسدها الطموح.

وأشار إلى أن انتقال العرض من قاعة صغيرة إلى المسرح الرئيسي الذي يتسع لأكثر من 400 متفرج لم يكن مجرد تغيير مكاني، بل كشف عن الفضاء بوصفه قوة دراماتورجية تؤثر في حركة الممثلين وطاقة الأداء والتواصل البصري والتفاعل الحي.

واختتم بالتأكيد على أن التجريب الجيو-مسرحي يسمح للنص العالمي بالاحتفاظ بلغته الأصلية، بينما تتغير تجربته المسرحية وجمالياته بفعل البيئة الثقافية والسياق المؤسسي وأجساد الممثلين والجمهور.

جورج هولندا: المسرح الحقيقي يعيدنا إلى الحاضر وفن الوجود

تحدث الباحث البرازيلي جورج هولندا عن تأثير مشاهداته للعروض والندوات خلال المهرجان في إعادة التفكير في مفهوم المسرح المعاصر، معتبرًا أن التجريب الحقيقي لا يقدم إجابات جاهزة، بل يترك المتلقي محملًا بالأسئلة والتأمل.

وربط هولندا بين الواقع المعاصر وحالة الإرهاق الناتجة عن فيضان المعلومات والعقلانية المفرطة، مؤكدًا أن الإنسان يعيش اليوم منشغلًا بالمستقبل، بينما يصبح الحضور الحقيقي في اللحظة الراهنة أمرًا نادرًا وصعب التحقيق.

وأشار إلى عدد من العروض التي شاهدها خلال المهرجان، ومنها «تشارلز» و«Lucky Children»، معتبرًا أن قيمتها لا تكمن في تقديم المعرفة أو المعنى المباشر فقط، وإنما في قدرتها على إثارة الأسئلة وترك أثر يستمر مع المتلقي بعد انتهاء العرض.

وقال إن المسرح التجريبي الحقيقي هو الذي يجعل المشاهد يعود إلى منزله بينما يواصل عقله التفكير فيما شاهده، مضيفًا أن التجربة المسرحية لا ينبغي أن تقتصر على الفهم العقلاني، بل يجب أن ترتبط بالجسد والحضور والانفتاح على ما هو غامض وغير مؤكد.

وربط هذه الأفكار ببحث الدكتوراه الخاص به حول ما يسميه «المسرح غير العاقل»، موضحًا أن المسرح لا يقتصر على البنية الدرامية التقليدية، بل يمثل مساحة للتحدي وطرح الأفكار ومواجهة الأسئلة.

واختتم بالتأكيد على أن المسرح هو «فن اللحظة والحضور»، وأن قوة التجربة المسرحية تكمن في قدرتها على جمع الفنان والمتفرج داخل لحظة مشتركة من الانفتاح والتأمل.

جون ناماي: الأرض ليست خلفية للعرض بل شريك في صناعة السرد

من جانبه، قدم الباحث الكيني جون ناماي بحثًا قائمًا على الممارسة حول توظيف تقنيات الأداء الشفهي الأفريقي التقليدي خارج المعمار المسرحي التقليدي، بهدف بناء علاقة مباشرة بين المؤدي والجمهور والأرض والمياه والتاريخ الثقافي للمجتمع.

وأوضح أن بحثه ينطلق من أسلوب «سيغانا» (Sigana)، المستوحى من ممارسات شعب اللوا في كينيا، والذي جرى تطويره في نيروبي منذ أواخر تسعينيات القرن الماضي. ويعتمد الأسلوب على الحركة الجسدية والإيماءات والإيقاع الصوتي والنداء والاستجابة، بما يدمج الجمهور في عملية السرد ويكسر الحدود التقليدية بين المؤدي والمتلقي.

وأكد أن نقل «سيغانا» إلى المساحات المفتوحة يؤسس لما وصفه بـ«الأرض المشتركة»، حيث يجتمع الراوي والجمهور والطبيعة تحت الظروف نفسها، وتصبح الشمس والرياح والمياه والتضاريس عناصر فاعلة في تشكيل العرض.

كما استعرض مشروعه «Two Lands, One Voice»، الذي يوثق تجارب سردية تربط بين كينيا وأيرلندا الشمالية، وتبحث العلاقة بين الذاكرة البيئية والتاريخ الثقافي والأرض والماء.

وشدد ناماي على أن الطبيعة ليست مجرد خلفية ثابتة للأداء، بل شريك في صناعة الحدث وحافظة للذاكرة والمعرفة، مؤكدًا أن هذا النوع من المسرح يفتح المجال أمام مشاركة المجتمع وكسر القيود المؤسسية، ليصبح الجمهور جزءًا أصيلًا من التجربة المسرحية.

واختتمت الندوة بفتح باب النقاش أمام الحضور، حول التحولات التي يشهدها المسرح المعاصر، وإمكانات إعادة تعريف العلاقة بين المتفرج والسرد والمؤدي والفضاء، في ظل تجارب تسعى إلى جعل الحضور والجسد والمكان عناصر أساسية في إنتاج المعنى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي !!