‘انسوا هاملت’: سفينة تُبحر بنا نحو الخلاص
عرض مسرحي لفرقة تواصل بالبصرة يُفكّك البنية الشكسبيرية وتحولاتها الفكرية والجمالية والتكنولوجية لتجسيد واقع العراق ومعاناته

“هذا البلد سجن” صرخة مدوية أعلنها هاملت الشكسبيري الأصل ضد السلطة الدانماركية هناك.. أما هاملت البابلي الذي صرح في نهاية عرضه في بابل من إخراج محمد حسين حبيب 2008 بقوله: “لقد حررتك الآن يا أبي، أما نحن فلم نتحرر بعد”.. وحين نصل مؤخرًا إلى هاملت البصري الذي انكسر معلنًا استسلامه علنًا بقوله: “آه على بلدي” / بلدنا.. مدركًا بخيبة ثورة شعبه الذي هتف في نهاية العرض بجملة “نحن مستعدون دائمًا للإطاحة بنا”.. متخذًا قراره بالغوص نحو الماء، نحو النقاء، نحو سر الحياة.
قدمت فرقة تواصل المسرحية عرضًا عنوانه “انسوا هاملت” تأليف جواد الأسدي وإخراج كريم عبود وسينوغرافيا علي السوداني، داخل فضاء مسرحي مغاير وسط بناية نقابة الفنانين في البصرة للمدة من 4 – 6 / 9 / 2026 م الساعة 8 مساءً وبمشاركة نخبة مائزة من فناني محافظة البصرة في التمثيل والتقنيات والإدارة المسرحية.
مع بداية العرض، نسمع صوت البحر، بمرافقة الإيقاعات البصرية والصفكة البصرية.. وهكذا تتكرر هذه المؤثرات الصوتية على طول زمن خطاب العرض المسرحي –أقول خطاب لأن ورقتي النقدية هذه لن تفصل أو تقارن بين نص الأسدي وعرض عبود– فوجدت نفسي إزاء سفينة كبيرة تتهادى وسط مياه شط العرب، ربانها هو هاملت البصري، ليستعرض لنا وهو الحامل حقيبته، مأساته وفواجعه وأحلامه وهواجسه، بمرافقة المسافرين الذين يحملون حقائبهم معهم أيضًا، هم ذاتهم الشخصيات الشكسبيرية الأصل ولكن لم يكونوا وسط تقليدية الحكاية الأصل، بل نجدهم وسط هيجان ثوري استفزازي في قلب موازين الدراما الشكسبيرية ومعادلاتها الساكنة، بمواقف وأحداث مضادة وتتناقض تمامًا مع المتوقع والمرئي والمسموع لدينا كذاكرة ومرجعية مسرحية، لنجد أنفسنا أو لأجد نفسي كمتلقٍ أمام ثورة من الانقلابات والموازين وتفكيك ذاكرتي الجمعية وهي تواجه سيلًا من اللامتوقع و اللامرئي و المدسوس و المشفر و المفخخ ضمن عدد هائل من التحولات المشهدية وتراتبية هندستها الإخراجية لونًا وكتلًا وإيقاعًا وأصواتًا وأجسادًا، جمعها المخرج عبود ليفجر من خلالها ثورة جمالية فكرية، بصرية وسمعية، ولم نشعر بزمنها، من شأنها أن تزلزل المشهد المسرحي العراقي المنطلق من البصرة، ليدق جرس الساعة منبهًا.. استيقظوا جميعًا، وإلا، القادم سيكون أكثر خرابًا ودمارًا.
لا سيف هنا يحمله هاملت البصري مع الكتاب كما اعتدنا، هنا الكتاب فقط، قاصدًا حربه بالمعرفة ولا غير المعرفة.. يسلم جميع أدلته كتابه إلى صديقه الأوحد في النهاية، هوراشيو، لأنه الشاهد الباقي على الحقيقة وما ينبغي على هوراشيو كشف هذه الحقيقة لاسترداد حقوق هاملت بعد موته والمتمثلة هنا: لا بالعرش، ولا بالحبيبة الضحية أوفيليا، ولا بجريمة أمه وعمه، ولا بحق أبيه والثأر له، ولا بخديعة من ادعى صداقته.. ولا بجميع الدسائس التي حيكت ضده.. .. بل باسترداد حق بلده، وعدالة الحياة في سفينته التي ينبغي أن تصل إلى شاطئ أمانها واستقرارها، مهما كلف ذلك، ولو بعد حين… ذلك لأن هاملت البصري هنا، لم يكن بحارًا رحالًا بحقائبه وحقائب من معه فوق سفينته، يبحث عن اللؤلؤ والمرجان في أعماق البحر، بل ظهر لنا و الآن هنا قديسًا وراهبًا ذائبًا باليقين ومعصورًا بعدالة السماء، فأبحر باحثًا عن الذات المنغمسة فينا بفطرة الإيمان والسلام القادم.
من أجل هذا الهدف البصري، انقلبت الموازين وتفككت بحداثة شكلها ومضمونها الفكري والجمالي.. فانتج لنا خطاب هذا العرض شفرات عدة بوصفها العلامات الكبرى له: 1- لايرتيس أعمى، وهو فعلاً بحسب الأصل الشكسبيري كان بصيرًا لكنه أعمى البصيرة، لم يسعَ لحقيقة موت أخته أوفيليا، فاتخذ منه كلوديوس وسيلة سهلة لقتل هاملت.. ساخرًا من هاملت في مقولته “أكون أو لا أكون” صارخًا به: “كن ولو مرة واحدة يا جرذ”. 2- الممثلون هم مشاهدون أيضًا في بعض مشاهد العرض، بمواجهتهم الجمهور الأصل، وكان الجميع يواجهون تقلبات ومواجع ناسهم وبلادهم التي ضيعها الآخر المستورد بفتح الراء وتورطهم جميعًا بالمستورد بكسر الراء. 3- استثمار التقنيات الرقمية هنا والآن وتحديدًا في مشهد حفار القبور، لم تكن ترفًا رقميًا زخرفيًا تجميليًا يستعرض الصورة الرقمية الباذخة باللونية والشكلية الزائدة.. بل كان الاستثمار الرقمي هنا منبعثًا من جوف الفعل الدرامي الكاشف عن عورات القذارة في وجوه الشخصيات وأجسادها مثل: الملك كلوديوس والملكة غرترود وبولونيوس وهم قوى الشر النابت داخل حياة هاملت النبيلة، فأظهرها لنا خطاب بتوريمات خلقية معفرة محدودبة تشع حقارة ولعنًا.. بمعنى آخر أنه برغم هذا الاستثمار الرقمي المبهر، لم ننسَ كمتلقين في الهنا والآن أننا إزاء دراما، أعطتها الرقمية رسوخًا جماليًا مسوغًا. 4- هاملت هو بنفسه يعلن زواج أمه من عمه؟ 5- بولونيوس ضد ابنه لايرتيس؟ 6- هوراشيو يرتدي الزي العربي البصري؟ 7- الاحتلال الأبدي للسلطة / للكرسي حتى الموت.. هذا الإسقاط السياسي النابت في فلسفة العرض وما له من آثار دمار مستقبلية على البلاد.
كل هذه العلامات الكبرى وغيرها التي تسايرت مع خطاب العرض وانثالت ببوحها الفكري والجمالي طيلة الساعة زمن العرض والتي مرت علينا وكأنها دقائق معدودة.. كل نقطة منها تحتاج من النقدية توقفات تأويلية وتفكيكية كثيرة لأهمية ما أثارت لدينا هذه الأسئلة وغيرها الكثير.
أما في التمثيل، أجدني منحازًا إلى جميع الممثلين في أنهم تنافسوا وأجهدوا صدقهم الأدائي وذوبانهم في تقمص أدوارهم لأسباب منها: أنهم جميعهم يتدربون لمدة خمسة أشهر وسط هذا الحر اللاهب البصراوي المعروف بوجود الكهرباء أم بدونها.. وأنهم جميعًا أعلنوا لنا صدقهم الذي ينبغي، صدقهم بالأداء وصدقهم في انتمائهم وعشقهم المسرحي.. ولكن، هذا لا يعني أن العين النقدية لا تميز الأداء العالي مقابل الأداء المتوسط.. لأجد نفسي أمام ضفتين أدائيتين متنافستين.. ففي الضفة الأولى: انماز عدد من الشخصيات مثلاً في تركيبته الجسمانية والصوتية وفعلها الداخلي مع الدور المنسوب إليه، فكان الممثل عبد الله عبد علي / بولونيوس وكذا الحال مع: الممثل عبد الزهرة سامي بدور هوراشيو، والممثل زين الكردي بدور لايرتيس، والممثل علي المكصوصي / بدور الملك كلوديوس والممثل سلام الفرطوسي بدور هاملت.. بينما أجد منافسيهم في الضفة الأخرى وهم: أسعد عبد الرضا وخلود جبار ورنا جابر وأحمد الشمالي وانتظار حسن وجعفر علي ومحمد عبد الحي وكرار حيدر وأيا الحسن الشمري ومصطفى رعد… بجميع أداءاتهم التنافسية الواعدة منها والراشدة.. حققوا لنا جميعًا وبمشاركة جمالية بصرية لونية سينوغرافيا علي السوداني بجهود ورشوية خاصة وبموسيقى ومؤثرات حية منها ومسجلة مختارة.. حققوا لنا جميعًا – بقيادة ربان السفينة الجمالية المخرج كريم عبود – حققوا لنا هذه الثورة / الخطاب المسرحي الجمالي التي حفرت لنفسها مكانًا متصدرًا في واجهة المسرح العراقي في المحافظات، وتحديدًا المسرح البصري، الذي صمت سنوات طويلة، فأعلن لنا الآن والهنا وأمطر علينا – بحلمه / هدوئه – غضبه الجمالي… فلنحذره.
د.محمد حسين حبيب – MEO



