
منذ تأسيسه عام 1988، احتل مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي مكانة خاصة على خريطة المهرجانات المسرحية العربية والدولية، فعلى مدار 33 دورة، استطاع «القاهرة التجريبي» أن يحتفظ بمكانته كأحد أهم المهرجانات المسرحية المتخصصة في المنطقة، وأن يجعل من القاهرة مساحة تلتقي فيها تجارب واتجاهات مسرحية متعددة، عربية ودولية، وأن يفتح أمام المسرح المصري نافذة على ما يحدث في العالم، وهذه قيمة لا ينبغي التعامل معها باعتبارها أمرا عابرا أو مضمونا إلى الأبد.
ومن هذه المكانة، تكتسب كل دورة من دورات المهرجان أهمية تتجاوز حدود برنامجها وفعالياتها، إذ يصبح تقييمها مرتبطا بمدى قدرتها على الحفاظ على الدور الذي تأسس من أجله المهرجان، وتطويره بما يتناسب مع التحولات التي يشهدها المسرح عالميا، وبما يعزز حضوره بوصفه مشروعا ثقافيا وفنيا مصريا ذا امتداد دولي، وفي هذا السياق، تأتي الدورة الثالثة والثلاثون محملة بعدد من الأسئلة حول ما حققته، وما كشفته من تحديات، وما يحتاجه المهرجان خلال المرحلة المقبلة حتى يظل قادرا على التجدد ومواصلة تأثيره.
فـ«التجريبي» ليس مجرد مهرجان تستضيف القاهرة خلاله عروضا من دول مختلفة، وإنما هو مشروع ثقافي أسهم، على مدار سنوات طويلة، في تعريف أجيال من المسرحيين والمتلقين بأشكال جديدة في التفكير وصناعة العرض، وأكد أن الخشبة يمكن أن تكون مساحة للبحث والمغامرة، وأن المسرح ليس بالضرورة حكاية تقليدية تروى بالطريقة نفسها كل مرة، ولعل هذه القيمة التاريخية هي تحديدا ما تجعل استمرار المهرجان مهما، حتى عندما نختلف مع بعض اختياراته أو نرى أن بعض أدواته تحتاج إلى مراجعة.
الدورة الثالثة والثلاثون، التي اختتمت فعالياتها مؤخرا، من نقاط القوة الواضحة فيها أنها لم تختزل فكرة المهرجان في العروض المسرحية وحدها، إلى جانب المسابقة الرسمية والعروض والفعاليات الموازية، ضمت الدورة برنامجا فكريا واسعا، وورشا تدريبية، وإصدارات جديدة، بما جعل المهرجان أقرب إلى ملتقى للعرض والنقاش والتعلم وإنتاج المعرفة، وليس مجرد أسبوع لمشاهدة عروض مسرحية، فالورشة لا تنتهي بالضرورة بانتهاء أيام المهرجان، والكتاب يبقى بعد مغادرة الضيف، والنقاش الفكري يمكن أن يتحول إلى بحث أو تجربة أو مشروع جديد، ومن هذه الزاوية، تبدو فكرة ألا يظل المهرجان محصورا في أيام انعقاده فقط، وإنما تمتد فعالياته على مدار العام، من الأفكار التي تستحق البناء عليها بقوة في الدورات المقبلة، كما أن برنامج «الاحتفاء بالمخرج المصري» كان من الأفكار المهمة؛ لأنه لا ينظر إلى المسرح المصري باعتباره متلقيا للتجارب العالمية فقط، وإنما يلفت الانتباه أيضا إلى مخرجين مصريين استطاعوا العمل خارج الحدود والانخراط في تجارب إنتاجية وفنية مختلفة، وربما كان المحور الفكري للدورة الـ 33 من أكثر عناصرها أهمية، لأنه لم يتعامل مع التجريب باعتباره مجرد بحث عن شكل جديد للعرض، وإنما فتح النقاش حول علاقته بالمتفرج والمجتمع والتحولات التي يشهدها العالم، إلى جانب التكنولوجيا والرقمنة وتغير طبيعة العلاقة بين المسرح وجمهوره، وهذا أمر مهم؛ لأن التجريب الذي يتحول إلى مجرد ألعاب شكلية يفقد جوهره سريعا.
لكن هذا التنوع، على أهميته، يطرح عددا من الأسئلة حول طبيعة التجريب الذي يسعى المهرجان إلى تقديمه، ومدى قدرته على مواكبة التحولات التي يشهدها المسرح في العالم، سواء على مستوى اللغة المسرحية أو التقنيات أو علاقة العرض بالجمهور أو القضايا التي يطرحها، فالتجريب المسرحي، لا ينبغي أن يفهم باعتباره مجرد بحث عن شكل جديد للعرض، أو استخدام تقنيات مغايرة، وإنما هو في جوهره موقف فني وفكري من الأسئلة التي يطرحها الواقع، ومن ثم، فإن قيمة أي مهرجان تجريبي لا تقاس فقط بعدد العروض المشاركة أو تنوع جنسياتها، وإنما بقدرته على خلق حالة من النقاش حول هذه التجارب، وفتح المجال أمام مقاربات مختلفة، وربط الإبداع المسرحي بالتحولات الاجتماعية والسياسية والجمالية المحيطة به.
ومع ختام المهرجان، وكما يحدث في كل مهرجان فني، لم تمر نتائج لجنة التحكيم من دون نقاش، وربما كانت الجوائز تحديدا واحدة من أكثر نقاط الدورة إثارة للاختلاف والجدل بين المسرحيين والمتابعين، فبعض الاختيارات بدت مرضية ومقنعة، ووجدت تقديرا، بينما لم تحظ اختيارات أخرى بالقدر نفسه من القبول لدى عدد من المسرحيين والنقاد والجمهور، الذين رأوا أن بعض العروض التي تركت أثرا فنيا واضحا خلال الدورة كانت تستحق حضورا أكبر في خريطة الجوائز، فالنتائج لا تقرأ بمعزل عن العروض التي شاهدها المسرحيين والجمهور، ولا عن الانطباعات النقدية التي تشكلت على مدار أيام المهرجان، ولذلك كان طبيعيا أن تفتح بعض النتائج بابًا للنقاش حول عروض رأى البعض أنها لم تحصل على ما يوازي قيمتها الفنية، في مقابل جوائز أخرى لاقت قبولا وبدت منطقية بالنسبة إلى قطاعات من المتابعين، وهذا الاختلاف لا ينتقص بالضرورة من قيمة لجنة التحكيم، بل يؤكد أن تقييم الفن ليس معادلة حسابية يمكن أن يتفق عليها الجميع.
أما توصية لجنة التحكيم بزيادة عدد الجوائز، فتستحق بدورها بعض التأمل، فالمهرجان ربما لا يحتاج بالضرورة إلى جوائز أكثر بقدر ما يحتاج إلى معايير أوضح ومساحات أكبر لتفسير الاختيارات؛ لأن كثرة الجوائز ليست بالضرورة دليلا على جودة المنافسة، وقد تفقد الجائزة جزءا من قيمتها إذا أصبح التكريم موزعا على نحو واسع، ولا يمكن لنتائج لجنة التحكيم أن تكون الكلمة الأخيرة في تقييم دورة كاملة، بعض العروض تفوز وتبقى جائزتها، وبعضها لا يفوز وتبقى تجربتها في ذاكرة من شاهدها، وبين الاثنين تظل ذاكرة الجمهور والنقاد والمسرحيين هي الاختبار الأصعب والأطول عمرا.
وفي النهاية، يحسب للدورة الـ33 قدرتها على الخروج مع مواجهة تحد من أكبر التحديات التحديات التي يواجهها المهرجان وهي ضعف الميزانية، والتي تحتاج إلى دعم كبير مستقبلا، تحديدا من الدولة، فمحاولة تعامل المهرجان مع ضعف ميزانية ثابتة منذ 4 سنوات في ظل تضخم شديد، وتعامله مع ارتفاع الأسعار، وهذا يكشف عن حجم التحديات التي تواجه تنظيم مهرجان دولي في الوقت الحالي، فاستضافة عروض وفرق وضيوف من دول متعددة لم تعد مهمة سهلة، في ظل الارتفاع المستمر في تكاليف السفر والإقامة والنقل والخدمات، وهو ما يضع إدارة المهرجان أمام تحد متزايد ويفرض عليها معادلة صعبة بين الحفاظ على المستوى الدولي للفعالية، والالتزام بالإمكانات المتاحة التي لم تواكب الارتفاع الكبير في الأسعار، ومن هذه الزاوية، فإن استمرار المهرجان بهذا الحجم، وحرصه على الحفاظ على حضوره الدولي وتنوع برنامجه، يستحق أن يقرأ باعتباره جهدا تنظيميا وماديا لا يمكن تجاهله، فالسؤال لا ينبغي أن ينحصر دائما في ما الذي كان يمكن أن يقدمه المهرجان ولم يقدمه، وإنما يجب أن يمتد إلى سؤال آخر أكثر عدلا: ما الإمكانات التي يحتاجها حتى يقدم ما يليق بمكانته وتاريخه؟
فمهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي، ليس فعالية موسمية عابرة، وإنما أحد أهم المهرجانات الدولية التابعة للدولة المصرية ووزارة الثقافة، ويمثل نافذة أساسية لحضور مصر في خريطة المسرح العالمي، ومن ثم، فإن النظر إلى ميزانيته باعتبارها استثمارا ثقافيا طويل الأمد، وليس مجرد نفقات مرتبطة بأيام انعقاده، يصبح أمرا ضروريا، خصوصا إذا كانت الدولة تريد للمهرجان أن يحافظ على مكانته وأن يطور أدواته وبرامجه وقدرته على المنافسة إقليميا ودوليا، فالمهرجان لا يحتاج فقط إلى تقييم ما يقدمه، وإنما إلى توفير الظروف التي تمكنه من تقديم الأفضل؛ لأن الطموح الدولي لا يمكن أن يظل محكوما بميزانية ثابتة في واقع تتغير فيه التكاليف كل عام.
المهرجان يستحق دعما أكبر، ليس فقط لأنه يحمل اسم القاهرة، أو لأنه ينتمي إلى وزارة الثقافة، وإنما لأنه يمثل مشروعا ثقافيا وفنيا قادرا على تقديم صورة مختلفة عن مصر، وعلى فتح نوافذ للحوار مع العالم، ولذلك، فإن تطوير ميزانيته، ودعم بنيته التنظيمية، وتوفير الإمكانات التي تسمح له باستضافة تجارب أكثر تنوعا، يجب أن تكون جزءا من رؤية ثقافية أوسع، لا مجرد استجابة مؤقتة لاحتياجات كل دورة.
دعاء فودة – بوابة أخبار اليوم



