مهرجان المسرح للجمهور فى ظفار

أجمل ما تكشفه الدورة الثانية من مهرجان ظفار الدولى للمسرح فى سلطنة عمان، ليس فقط ما تقدمه خشباته من عروض عربية ودولية، ولا حجم الأسماء المشاركة والفعاليات والورش والتكريمات، وإنما تلك العلاقة الإنسانية اللافتة بين المهرجان وجمهوره؛ مسرح مفتوح على الناس، ومسئولون يتابعون عروضه بينهم، وجمهور يشعر بأن الحدث جزء من حياته، وليس فعالية بعيدة عنه.
منذ انطلاق المهرجان، بدا واضحًا أن الرهان فى ظفار يتجاوز إقامة دورة ناجحة إلى تأسيس حالة ثقافية يكون الجمهور أحد أبطالها، وقد حرص السيد مروان بن تركى آل سعيد، محافظ ظفار، على رعاية حفل الافتتاح وافتتاح فعالياته بنفسه، وتكريم عدد من نجوم المسرح العربي، فى مشهد يعكس حضور الثقافة والفنون فى المشهد العام للمحافظة.
لكن الصورة الأكثر دلالة تتشكل داخل المسارح نفسها، ففى مسارح مركز السلطان قابوس، وأوبار، والمروج، يتكرر يوميًا مشهد القاعات الممتلئة بجمهور جاء لمشاهدة العروض، لا باعتباره ضيفًا على فعالية نخبوية، وإنما شريكًا أصيلًا فى صناعة المشهد المسرحي. وأن يجلس المسئول فى مقعده الرسمى أمر معتاد، لكن أن يترك مساحة البروتوكول جانبًا ويجلس بين الجمهور لمتابعة عرض مسرحي، فهذه صورة تحمل دلالة أكبر من مجرد الحضور، د.أحمد بن محسن الغساني، رئيس بلدية ظفار ورئيس اللجنة التنفيذية للمهرجان، لم يتعامل مع الدورة باعتبارها مناسبة بروتوكولية تنتهى بانتهاء الافتتاح، وإنما ظلَّ حاضرًا فى تفاصيلها، متابعًا عروضها وفعالياتها وقريبًا من جمهورها وضيوفها، وبصحبته عمار بن عوبد سالم غواص، رئيس المهرجان، الذى يتحرك بين مواقع الفعاليات لمتابعة التفاصيل والإشراف على سيرها وتذليل العقبات، تتشكل صورة لإدارة تتابع المهرجان من أرض الواقع، لا من المكاتب فقط، هذه المسافة القصيرة بين المسئول والجمهور تصنع حالة من الألفة والتواصل؛ فالجمهور يرى مسئوليه بالقرب منه، والمسئولون يرون بأعينهم تفاعل الناس مع العروض، وما يمنحهم المتعة وما يحتاج إلى تطوير، وهنا يتحول المهرجان إلى مساحة للتواصل المجتمعي، لا مجرد منصة لعرض الأعمال.
ربما تكون العبارة الأدق لوصف ما يحدث فى ظفار «مهرجان بلا حواجز»؛ لا حواجز تفصل المسئول عن الجمهور، ولا الفنان عن المدينة، ولا المسرح عن الحياة اليومية.
قد تنتهى العروض وتُطوى لافتات المهرجان، لكن ما يبقى هو الأهم، جمهور جديد للمسرح، وذاكرة جديدة للمدينة، وعلاقة أكثر رسوخًا بين الثقافة والمجتمع، وهنا لا يقيم مهرجان ظفار مجرد احتفالية فنية، بل يصنع جسرًا متعدد الاتجاهات بين المسرح والناس والمكان.
محمد قناوي – بوابة أخبار اليوم



