ثقافة

زهراء غريب.. أول كاتبة بحرينية تعمل في صحيفة فلسطينية تصدر من غزة

من أريحا إلى غزة، سيرة قلم اختار فلسطين

في تجربة زهراء غريب ما يستحق القراءة أبعد من التعريف بكاتبة بحرينية اختارت العمل في صحيفة عربية فلسطينية تصدر من غزة، أعني اليمامة الجديدة. نحن أمام سيرة تشكّلت عبر الكتابة، وعبر علاقات إنسانية وثقافية تركت أثرها في وعيها وموقفها من العالم، حتى صارت فلسطين حاضرة في نصوصها وأسئلتها وخياراتها المهنية. وُلدت زهراء في المنامة عام 1995، ودرست الصحافة والإعلام في جامعة البحرين، وبدأت الكتابة الصحفية عام 2014، وهي ما تزال طالبة جامعية، ثم تخرّجت عام 2018 لتواصل طريقاً أخذت تتضح ملامحه مع التجربة.

من البدايات  إلى تشكّل الصوت

كان للشاعر والصحفي علي الستراوي دور مهم في بداياتها، بعد تخرّجها، عملت معه سنوات في الملحق الثقافي لصحيفة “أخبار الخليج”، وهناك وجدت في اهتمامه بالأصوات الجديدة مساحة للتعلّم واكتشاف إمكاناتها. نشر لها نص “وجع اللقاء” في زاوية “أصوات واعدة”، ثم توالت كتاباتها. ومع مرور الوقت، تجاوزت العلاقة حدود العمل الصحفي إلى صلة أبوية وإنسانية، ظل أثرها حاضراً في مسيرتها، وامتد إلى كتابها الأول “أريحا”، الذي كتب الستراوي مقدمته وشارك في حفل إطلاقه.

يحمل نص “وجع اللقاء” ملامح مبكرة من انشغال زهراء بالإنسان وما تصنعه الكراهية من شروخ في روحه. يستدعي النص آدم، وهو يشهد مظاهر العنف الديني والانقسام بين أبناء الأرض، ليضع القارئ أمام مأساة الإنسان حين تتحول المعتقدات إلى ذرائع للفرقة. كانت هذه الكتابة إشارة مبكرة إلى حس إنساني سيجد امتداده لاحقاً في علاقتها بفلسطين، وفي اهتمامها بما يتركه الصراع من جراح في حياة البشر.

بدأ حضورها في النشر الجماعي عام 2016، من خلال كتاب “خطاطيف”، الذي ضم لها قصتين قصيرتين جداً، وصدر عن دار فراديس ضمن مبادرة “وجود للثقافة والإبداع”. ثم أصدرت مجموعتها القصصية الأولى “أريحا” عام 2023 عن دار أبجد، وضمت اثنتين وخمسين قصة قصيرة وقصيرة جداً. وفي عام 2025 شاركت في كتاب “قصص من دلمون” بقصة “أريحا”، وصدر الكتاب إلكترونياً عن دار بسمة في المغرب، وورقياً عن دار ديوان العرب في مصر.

رأى علي الستراوي في كتابتها صوتاً واعداً يمتلك بنية سردية طبيعية ولغة دقيقة، وتوقف عند قصة “أريحا” لما فيها من قدرة على بناء الحكاية وتكثيف دلالاتها. ووجد الروائي والناقد السينمائي البحريني أمين صالح في المجموعة صوتاً أدبياً واثقاً، يمتلك لغة سليمة وقدرة على إحكام البناء السردي، وأشاد بتضافر الشكل والمحتوى في قصة “أريحا”، داعياً إياها إلى مواصلة الكتابة وترك التجربة تصقل أدواتها. مثل هذه القراءات تضع تجربتها في سياقها الأدبي، وتفتح المجال للنظر في ما تقوله نصوصها، وفي الطريق الذي تشقه لنفسها.

“أريحا”.. الأم التي تتسع حتى تصبح وطناً

تمنح زهراء مجموعتها الأولى مفتاحاً شخصياً لقراءتها، إذ تهديها إلى أمها ليلى، بالعبارة: “إلى من رحيلها نحو الملكوت صير قلبي محني النبض: أمي (ليلى).” تحضر الأم في قصص “أفياء النبض” و”مطر” و”أريحا” و”رحلة”، وتغدو الغربة عن الأم مدخلاً إلى أسئلة أوسع عن الفقد والانتماء والذاكرة. في عالمها القصصي، تخرج التجربة العائلية من حدودها الخاصة، وتلامس معنى الوطن حين يصبح الغياب جرحاً يسكن الإنسان أينما ذهب.

في قصة “مطر” تكتب: “أنا أجيد زرع بذور المجازات في الحديقة الخلفية للحقيقة المرة، لا بد أن يهطل المطر لتتورد فيّ. لا بد أن تعود أمي، ولا بد أن تعود أرضنا؛ ليس من المنصف أن أفقد وطنين! المطر يعي ذلك وسيكون منصفاً”. تجمع هذه العبارة بين فقدين يتجاوران في الوجدان: الأم والأرض. ومن هذا التجاور تتشكل دلالة فلسطين في كتابتها؛ فالوطن أمّ تحفظ الذاكرة، والأم وطن أول تتكوّن فيه ملامح الهوية. وحين تتعرض الأرض للاقتلاع، يصبح الحنين إليها امتداداً للحنين إلى الأم، ويغدو المطر وعداً باستعادة الحياة.

اختيار اسم “أريحا” لمجموعتها، واستدعاء فلسطين في الكتابة، يضعان التجربة الشخصية داخل أفق عربي أوسع. فالاسم الفلسطيني هنا يحمل ذاكرة مكان تتعرض أرضه وأهله للتهديد، ويحضر في مجموعة صدرت عام 2023، في وقت كانت فيه فلسطين تعيش واحدة من أكثر مراحلها دموية. دُشن الكتاب في 17 أكتوبر من ذلك العام، في الأيام الأولى للحرب على غزة. وفي أمسية التدشين، عبّرت زهراء عن إيمانها بأن الكلمة هي ما تملكه بوصفها كاتبة للتعبير عن تضامنها مع الفلسطينيين ومساندتهم.

كانت فلسطين حاضرة في وعيها منذ الطفولة، حين كتبت قصيدتها المبكرة “صرخة الأنين” عن عودة الأرض المحتلة. ثم كتبت عام 2024 نص “على سياج الضمير” تضامناً مع غزة. وبين النصين سنوات من التكوين والقراءة والعمل الثقافي، بقيت خلالها فلسطين جزءاً من أسئلتها الأخلاقية. وحين صارت الحرب واقعاً يومياً يهدد الإنسان الفلسطيني في بيته وذاكرته ومستقبله، اتخذ هذا الانحياز صورة أكثر وضوحاً في عملها الصحفي والثقافي.

عبدالله السعداوي.. أبوة صنعت معنى الحرية

في أي قراءة جادة  لتجربة زهراء غريب، يصعب تجاوز عبدالله السعداوي، ليس فقط لأنه أحد أبرز الأسماء في المسرح البحريني، وإنما لأن حضوره في حياتها تجاوز حدود العلاقة المهنية إلى مساحة أعمق في تكوينها الإنساني والفكري. عرفته زهراء صحفياً، واقتربت من تجربته المسرحية والفكرية، وكتبت عنه في حياته، ثم واصلت الكتابة عنه بعد رحيله. وهنا تتحول العلاقة من التوثيق الصحفي إلى الذاكرة الشخصية، ومن الحديث عن فنان إلى استعادة أثر إنسان ترك في تلميذته شيئاً من رؤيته وقيمه.

في نصها “بين الذاكرة والنسيان”، المنشور في صحيفة “أخبار الخليج” في 21 ديسمبر 2024، تسأل زهراء: “ماذا نصنع بالقنديل الذي أشعلته رغماً عنا؟”، ثم تودعه بقولها: “أيها الملاك (عبدالله السعداوي) الصاعد نحو الضوء.. ارقد بسلام”. تكشف هذه الكتابة عن علاقة تجاوزت الحزن على الفقد إلى محاولة صون الأثر؛ فالأبوة هنا ذاكرة تُلزم صاحبها بمواصلة الطريق، والقنديل استعارة لما يتركه الإنسان في الآخرين من معرفة وشجاعة وحرية.

وفي نص “لأنك أبي”، تكتب عن مجد صنعته بالألم، وعن وصايا تعلمت منها ألا تساوم على قيمها وألا تنحني للقيود، ثم تصل إلى فلسطين بوصفها موضعاً وجدت فيه امتداداً لهذه القيم: “لم أسمح لأحد بكسر قلمي؛ ففلسطينك التي تحبها احتضنتني وهذا… يكفيني”. تحمل العبارة صلة واضحة بين إرث السعداوي الإنساني وخيارها الفلسطيني؛ فقد صار الانحياز إلى فلسطين جزءاً من وفائها لما تعلمته منه عن الكرامة والحرية، وعن مسؤولية الكلمة حين تواجه القهر.

وربما هنا يمكن فهم جانب من علاقتها بالمسرح؛ فهي لم تقترب منه باعتباره مادة صحفية فقط، وإنما بوصفه فضاءً للأسئلة والحريات والتجريب، وهي المعاني التي ارتبطت بتجربة السعداوي نفسه، الذي كان أحد أبرز رواد المسرح التجريبي في البحرين، وحصل عام 1994 على جائزة أفضل إخراج في مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي.

وقد ظل أثره حاضراً في كتاباتها الصحفية والثقافية، سواء في تناول تجربته، أو في الكتابة عن العروض مثل “قهوة ساخنة” والفعاليات التي تستعيد إرثه المسرحي كفعالية”قلب السعداوي المشترك”، وصولاً إلى الأمسية الشعرية “أغصان تنهض بضياء”، حيث وجهت إليه تحية خاصة، وقدمته بوصفه معلماً ومسرحياً ومفكراً ومناصراً لفلسطين، مؤكدة أنه شد أزر حرفها وأوصاها بألا تترك أحداً يكسر إرادة قلمها. هذه العلاقة تكشف أن المعلم الحقيقي لا يترك خلفه تلميذاً يكرر عباراته، وإنما يترك إنساناً أكثر قدرة على بناء صوته الخاص. ولعل زهراء، في تجربتها المتشعبة، تمثل هذا المعنى؛ فهي لا تستعير صوت السعداوي، وإنما تحمل بعضاً من القيم التي تعلمتها منه، ثم تذهب بها إلى الصحافة والأدب والمسرح وفلسطين بطريقتها الخاصة.

لقد ترك السعداوي في تجربتها معنى يتجاوز التأثر بشخصية ثقافية بارزة، ويمتد إلى موقف من الكتابة والحياة، وإلى إصرار على حماية القيم التي تمنح الفن ضرورته الإنسانية.

من “البوصلة” إلى غزة.. الثقافة بوصفها مسؤولية

عام 2025، أسست زهراء فريق “البوصلة”، ليكون مساحة للعمل الإعلامي والثقافي، وجسراً يصل المبدعين بالمؤسسات الثقافية والمسرحية، ويوجه الجهد نحو القضايا التي تستحق الحضور. وتجلّى هذا التوجه في عملها رئيسةً لتحرير منشورات مهرجان غزة الدولي لسينما المرأة ومهرجان غزة لسينما الأطفال في دورتيهما الأولى عام 2025، مع إشرافها المباشر على مساهمات فريق “البوصلة”. هنا تكتسب العلاقة بغزة بعداً عملياً؛ إذ تدخل الكتابة في صلب تنظيم العمل الثقافي وتوثيقه، وتصبح جزءاً من محاولة إبقاء المجال الإبداعي الفلسطيني حاضراً في ظروف قاسية.

أظن أن أفضل ما يمكن أن تُقرأ به تجربة زهراء غريب هو النظر إليها بوصفها تجربة تراكم، لا مجموعة من المحطات المنفصلة. فالصحافة عندها لم تكن باباً بعيداً عن الأدب، والأدب لم يكن قطيعة مع العمل الثقافي، والمسرح لم يكن مجرد مجال للتغطية الصحفية؛ وإنما أخذت هذه الحقول تتداخل تدريجياً حتى أصبحت كل واحدة منها تفسر الأخرى.

منذ بداياتها الصحفية اهتمت زهراء بتجارب الشباب البحرينيين في الأدب والمسرح والموسيقى والثقافة، وأسهمت في إبراز كثير من المواهب التي تحتاج إلى من يلتفت إليها قبل أن تجد طريقها إلى الضوء، كما شاركت في اللجان الإعلامية لعدد من المهرجانات البحرينية، من بينها مهرجان الصواري المسرحي الدولي للشباب(الدورة الثانية عشر)، ومهرجان البحرين المسرحي(الدورة الأولى)، ومهرجان تاء الشباب(النسخة الحادية عشر)، إلى جانب مشاركتها في لجنة الإعلام والمطبوعات في الفعاليات الاحتفائية باليوبيل الفضي لمسرح الصواري.

ولزهراء خبرة ممتدة في العمل الإعلامي والثقافي في البحرين، من مشاركتها في لجان مهرجانات مسرحية وشبابية إلى عملها في إعداد المنشورات والتغطيات، فضلاً عن نشر نصوصها في منابر عربية، بينها “القدس العربي” ومجلة “البيان” الكويتية. كما تلقت تدريبات في الصحافة الرقمية والتحقيقات الصحفية والتحقق من المعلومات والسرد الرقمي. وتكشف هذه الخبرات عن مسار مهني يجمع بين الكتابة والإدارة الثقافية والعمل الإعلامي، وهو ما منحها أدوات يمكن توظيفها في مشروعها المتصل بفلسطين.

وتحمل زهراء غريب اليوم موقعاً خاصاً في تجربتها المهنية، بوصفها أول كاتبة بحرينية تعمل في صحيفة فلسطينية تصدر من قطاع غزة، وتشغل منصب رئيس التحرير المساعد في صحيفة “اليمامة الجديدة”، وتتولى شؤون الخليج والعلاقات العامة، لهذا الاختيار دلالته في واقع عربي تتباعد فيه المسافات، وتزداد الحاجة إلى جسور ثقافية تحفظ التواصل بين الشعوب. فوجود كاتبة بحرينية في مؤسسة صحفية فلسطينية تصدر من غزة يفتح مجالاً لتبادل الخبرات والرؤى، ويمنح العلاقة بين البحرين وفلسطين وجهاً يومياً ملموساً.

في أمسيتها الشعرية “أغصان تنهض بضياء”، وفي كتاباتها عن غزة، وفي عملها داخل فريق “البوصلة”، تتجاور اهتمامات زهراء الأدبية والصحفية والثقافية حول معنى واحد: أن تظل الكلمة قادرة على صون الإنسان من التآكل، وأن يبقى العمل الثقافي متصلاً بأسئلة الناس وحقهم في الحياة والحرية والكرامة.

تُقرأ تجربة زهراء غريب اليوم من خلال هذا التداخل بين السيرة والكتابة والموقف. الأم التي تسكن قصصها، والأب الروحي الذي ترك في ذاكرتها وصايا الحرية، وفلسطين التي رافقتها منذ طفولتها، كلها عناصر ساهمت في تشكيل صوتها وخياراتها. ومن أريحا التي حملت اسم مجموعتها الأولى إلى غزة التي اختارت أن تعمل من أجلها، تتقدم حكاية كاتبة بحرينية وجدت في الثقافة مجالاً للوفاء والالتزام، وفي فلسطين قضية إنسانية وأخلاقية تستحق أن تبقى حاضرة في الكلمة والعمل.

“معكم قلبي وجهدي في محله، يا أجمل انتصارات الحياة”. تختصر هذه العبارة جانباً من علاقتها بفلسطين وبالأشخاص الذين منحوا تجربتها معنى. وفي مسارها، تظل البوصلة مرتبطة بالإنسان، وبالقدرة على حماية الكلمة من الصمت حين تصبح الكتابة مسؤولية.

 

بقلم : جواد العقاد| رئيس تحرير اليمامة الجديدة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي !!