دراما وفنون

بوسترات المهرجانات المصرية… الخوارزميات تكسب

الذكاء الاصطناعي يزيف ملامح الفنانة شادية وسلسلة الأزمات تتضمن اتهامات بالتشويه والاعتداء على حقوق الملكية الفكرية

ملخص

لا تزال أصداء أزمة بوستر مهرجان القاهرة السينمائي الدولي 2026 في أوج اشتعالها، حيث ينتظر الجمهور تعديلاً للبوستر الذي حمل صورة الفنانة شادية معدلة بالذكاء الاصطناعي بشكل اعتبرته أسرتها مسيئاً واعتبره المتابعون تشويها. والحقيقة أن هذه ليست المرة الأولى التي تقع فيها بوسترات مهرجانات شهيرة في مرمى الانتقادات والاتهامات، سواء بالسرقة أو بالخيال الإبداعي الكسول، لا سيما بعدما أصبح الذكاء الاصطناعي حاضراً بكل مراحل التحضيرات الفني.

لا تزال أصدقاء أزمة بوستر مهرجان القاهرة السينمائي الدولي 2026 في أوج اشتعالها، إذ ينتظر الجمهور تعديلاً للملصق الذي حمل صورة الفنانة شادية معدلة بالذكاء الإصطناعي بشكل اعتبرته أسرتها مسيئاً، وكذلك المتابعون تشويهاً، وهذه ليست المرة الأولى التي تقع فيها بوسترات مهرجانات شهيرة في مرمى الانتقادات والاتهامات سواء بالسرقة أو بالخيال الفني الكسول، لا سيما بعدما أصبح الذكاء الاصطناعي حاضراً بكل مراحل التحضيرات الفنية.

أقل من شهر يتبقى على انطلاق الدورة الـ47 من مهرجان القاهرة السينمائي الدولي، بينما الملصق الرسمي أو البوستر لم يعتمد حتى الآن في نسخته النهائية، وذلك بعد الجدال الهائل الذي صاحب استعراض رئيسه الفنان حسين فهمي للبوستر، ومدافعته عنه وشرح أبعاده وتفاصيله، قبل أن يقرر الاستجابة أخيراً لموجة الانتقادات اللاذعة التي جاءت من صناع السينما والنقاد، وحتى الجمهور العادي الذي استغرب كيف جرت الموافقة على التصميم الذي يقتبس من الفنانة شادية بعضاً من ملامحها، ويستعير الباقي من تطبيقات الذكاء الاصطناعي، فيعيد تركيب وجه الفنانة العربية الأهم التي جمعت بين التمثيل والغناء، لتنقلب الفكرة من احتفال بإرثها وبترميم أعمالها وأعمال نجوم كثر غيرها، إلى سخط، وهكذا اختصرت دورة المهرجان في تلك اللفتة، مما جعل بريق باقي تفاصيله المهمة وجداول عروضه المنتظرة تأتي في مرتبة متأخرة.

هكذا أفسدت الرؤية البصرية غير الموفقة أو التي لم تراجع بعيون فاحصة كما ينبغي، البهجة بالمهرجان السينمائي الدولي العريق وبدورة منتظرة تعرض 27 فيلماً كلاسيكياً مصرياً، إضافة إلى 145 ضمن مسابقاته وفروعه المتنوعة بينها 17 فيلماً في عرضها العالمي الأول.

يحسب لرئيس المهرجان عدم جموده وتشبثه في رأيه المدافع عن فكرة الملصق الدعائي، واتخاذه قراراً بتعديله قبيل طباعته وتوزيعه، وذلك بعد اقتناعه بالآراء المحبة، حتى إن قيلت بلهجة حادة، لكن الحقيقة أن أزمات بوسترات المهرجانات المصرية ليست شيئاً طارئاً أو يحدث للمرة الأولى، فالأمر يبدو وكأنه نهج، حيث سبق تلك الواقعة عديد من المشكلات، بعضها يتعلق بالاقتباس الذي يصل إلى حد الانتحال، وأخرى تتعلق بالدلالات غير الموفقة وغير المقصودة، وثالثة تتعلق بالفكرة نفسها، فهل الأمر سببه الأساس عدم إعطاء مبدع التصميم وقتاً كافياً يسمح بالأخذ والرد والتعديل والمناقشة، أم عدم منحه شرحاً وافياً للمطلوب، أم التسرع، أم عدم المراجعة من الأساس، أم اعتبار الملصق عنصراً هامشياً ووضعه في ذيل الاهتمامات؟

أين شادية؟

في الأقل بالنسبة إلى الجماهير والمهتمين بالسينما فإن البوستر عنوان مهم لكل دورة من دورات أي مهرجان، وهو أمر ترجم فوراً عقب الغضب من مظهر شادية على البوستر، حيث امتلأت صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، ببوسترات بديلة غير رسمية قدمها هواة كمقترحات لإدارة المهرجان، وكان كثير منها يحمل أفكاراً إبداعية ولمحات تعبر عن جوهر الاحتفاء بالسينما وعراقتها وجاءت على درجة عالية من الجودة في التنفيذ، ربما الأمر هذه المرة نابع أيضاً من الغيرة الفنية على فنانة تلقب منذ عقود بصوت مصر، وحتى صورتها، ولهذا تبارى كثيرون لرفض استبدال ملامح شادية، وبينهم الفنانة التشكيلية ناهد شاكر ابنة شقيق النجمة الراحلة التي استغربت تماماً ملامح عمتها، مشيرة إلى أنها أبداً لم تتعرف على ملامحها بالبوستر الذي عرض في المؤتمر الصحافي للمهرجان، وكتبت عبر حسابها بموقع “فيسبوك” مستنكرة: “إيه المنظر ده؟ بالذمة دي شادية؟ واللي فهمته إن الدورة ديه عن ترميم الأفلام. وده كده (شيء من الخوف) بعد ما ترمم؟”.

إذاً، الجدال ذهب إلى التشكيك في فكرة الترميم نفسها، والقلق من أن تجري الاستعانة بتقنيات مماثلة قد تفسد بعض لقطات ترميم الأفلام، وبينها “شيء من الخوف” الذي تضمن الملصق صورة شخصية شادية به، وهو دور فؤادة المرأة قوية الشخصية التي تقف في وجه الديكتاتور المكروه عتريس.

يعلق الناقد الفني محمد عبدالرحمن على تلك الأزمة التي شغلت الرأي العام بدلاً من الانشغال بجدول وعروض المهرجان بالقول، إن أزمات بوسترات المهرجانات في مصر باتت تتكرر بصورة ملحوظة في السنوات الأخيرة، متابعاً: “البوستر هو واجهة أي مهرجان، وبعض البوسترات تحولت إلى أيقونات من فرط جمال تصميمها ومناسبتها للحدث، لكن أحياناً ما تتعامل إدارات المهرجانات مع البوسترات بأنها مجرد عنصر من العناصر، بالتالي إما يترك بالكامل لشركة مسؤولة عن صناعة المحتوى الإعلامي، أو لفريق داخلي بالمهرجان، وفي الحالتين الأمر يتطلب مجهوداً كبيراً وخيارات عدة قبل الوصول إلى البوستر النهائي، عندما لا يحدث ذلك تكون النتيجة إما بوستر مثيراً للجدال أو بوستر للنسيان، وبخصوص مهرجان القاهرة شهد بوستر العام الماضي أيضاً تعديلاً وجرى سحبه فور توزيعه، فيما بوستر هذا العام رغم أنه يحمل فكرة مميزة تنطلق من كون المهرجان يحتفل بـ 50 عاماً ويحيي تراث السينما المصرية من خلال ترميم الأفلام الشهيرة، لكن تنفيذه لم يعكس تلك الأصالة، وجاء تداخل الـ AI ليجعل الجدال منصباً على تغير ملامح شادية”.

المهرجان الذي تأسس عام 1976 يحتفي بمرور نصف قرن هذه السنة، إذ تعثر لمدة ثلاث دورات لأسباب سياسية، ولهذا فإن دورته المرتقبة تحمل رقم 47، ويكرم هذه السنة أسماء لامعة مثل آسر ياسين وغادة عادل والسيناريست مدحت العدل والمصور سعيد شيمي، ووفقاً لمصدر من إدارة المهرجان فقد جرى إسناد التصميم محل الجدال إلى شركة متخصصة بعدما كان يعتمد في مرات عديدة على إسناد المهمة لمصمم إبداعي بعينه، حيث تواصلنا مع عدد من أفراد فريق المهرجان بأقسام مختلفة، وجاءت تعليقاتهم مقتضبة، حيث أكدوا عدم تحديد الموعد النهائي للخروج بالبوستر المعدل حتى الآن، إضافة إلى أنهم يفضلون عدم الحديث مجدداً عن هذا مما قد يشوش على منجزات الدورة المنتظرة، حيث يعتبرون أن الأمر أخذ أكبر من حجمه ومن الأفضل إعطاء بعض الأهمية لأنشطة الدورة وجداول العروض الثرية.

البحث عن الدلالة بأثر رجعي

رئيس المهرجان الفنان حسين فهمي هو المنوط به الحديث عن هذه النقطة الأكثر إثارة للجدال، لكنه حينما علق على الأمر في تصريحاته على هامش افتتاح مهرجان الجونة 2026، أكد أن كل البوسترات باتت مصنوعة بالفعل باستخدام الذكاء الاصطناعي، لأن هذا هو المستقبل، لافتاً إلى أنه يجري حالياً تعديل البوستر لتكون ملامح شادية أكثر طبيعية، ثم أضاف أن دلالة البوستر تتعلق بشخصية فؤادة التي قامت بفتح “الهويس” لتروي أراضي الفلاحين في دلالة على قوة شخصيتها، مشدداً على أن هذه رسالة سياسية مهمة.

البعض قرأ تصريحات فهمي بأنه يقصد أزمة سد النهضة والتوترات المتصاعدة بسبب حصة مصر من المياه، لكن الأغرب أن النجم البارز لم يُشر إلى تلك الدلالة خلال معرض حديثه عن الملصق في المؤتمر الصحافي للمهرجان، حيث اكتفى بتأكيد أن دلالة البوستر تتعلق باستعادة ذاكرة السينما، إضافة إلى أن التصميم كان سيصبح أكثر وضوحاً إذا جرى اختيار مشهد البطلة، وهي تقوم بتشغيل آلة ضخ المياه بالفعل، وليس مشهداً عابراً بالفيلم الذي أنتج عام 1969 من إخراج حسين كمال وتأليف ثروت أباظة.

فيما يتعلق بالجدل فهناك من اعتبر أن الذكاء الاصطناعي هو المتهم الأول، فهل الأزمة في الأداة نفسها أم غياب الرؤية البصرية، لا سيما أن أدوات التنفيذ في مجالات التصميم والجرافيك يمكن توجيهها والخروج بفكرة لامعة ومبتكرة مبنية على توجه معين، كذلك فإن قرار رئيس المهرجان الحاسم باستبعاد أي أفلام تستخدم تلك التطبيقات جزئياً أو كلياً في أي من أقسام المهرجان، في مقابل تصميم بوستر معتمداً بالكامل عليها، فجاءت النتيجة تحمل كثيراً من الارتباك فحتى طريقة تشكيل اسم المهرجان حملت بعض الهنات، إضافة إلى شكل ظهور الفنانين في خلفية البوستر.

الذكاء الاصطناعي في مرمى الاتهامات

من جهته يشير الناقد محمد عبدالرحمن إلى أن هناك تناقضاً واضحاً في كون المهرجان يستبعد أفلام الذكاء الاصطناعي ويستخدمه في تصميم البوستر، على رغم وجود فنانين متخصصين لهذا الأمر، مضيفاً: “الأهم من ذلك هو عدم وجود أي دراسات مسبقة لتوقع آراء الجمهور، مما يعني أن البوستر نفسه لم يعرض على عدد كبير من الناس لإبداء رأيهم، ولعله جرى عرضه فقط على مجموعة صغيرة لا تملك مهارة الملاحظة والقدرة على الاعتراض، فليس منطقياً الإجماع الذي حدث عبر وسائل التواصل حول البوستر وعدم مناسبته لمكانة شادية من جهة، وباقي تفاصيله من جهة أخرى فيما فريق المهرجان بالكامل لم يتوقع تلك الردود”.

الموقف بكامله ليس جديداً، فإدارة المهرجان العام الماضي أيضاً اضطرت إلى إجراء تعديلات على بوستر الدورة رقم الـ 46 بعدما حصد الملصق الذي عرض في المؤتمر الصحافي تعليقات متسائلة حول دلالة الألوان التي جاءت في الخلفية، حيث كان مقترحاً أن ترمز إلى السلام والأمل والقيم النبيلة التي تدعمها السينما، لكن الجماهير استقبلتها بحساسية، واعتبرتها أنها مربكة وتبدو وكأنها رمز لدعم مجتمع الميم.

كذلك شهدت الدورة الـ37 عام 2017 استياءً من الطريقة التي ظهرت بها الفنانة فاتن حمامة على الملصق الترويجي، حيث بدت واجمة دون أن يحمل التصميم أي إضافة أو دلالة أو فكرة مجددة، وبالفعل جرت الاستجابة والتعديل بإضافة عناصر إبداعية أخرى، كذلك حدثت في الدورة رقم 40 عام 2018 أزمة كبيرة حيث تبرأ المصور والمخرج أحمد المناويشي من البوستر الذي صممه للمهرجان، وكان تظهر فيها فتاة ترتدي لوناً ذهبياً مع رموز سينمائية وكأنها تسبح في عالم خيالي، حيث قال إنه جرى إجراء تعديلات على الملصق دون الرجوع له وانقطع التواصل بينه وبين إدارة المهرجان، بالتالي يرى أنهم قاموا بتشويه عمله الإبداعي.

أزمات متعاقبة

من جهتها بررت إدارة المهرجان حينها برئاسة المنتج محمد حفظي ما جرى بأنهم بالفعل اضطروا إلى إضافة بعض العناصر نظراً إلى ضيق الوقت، هذه العبارة ربما تفسير الكثير، وهي التعامل بمنهج “اللحظة الأخيرة”، إذ إن البوستر على ما يبدو لم يأخذ الاهتمام الأقل بالتالي لا يتم التركيز معه كثيراً على رغم أنه عنوان المهرجان الأول والأكثر ارتباطاً بالذاكرة البصرية للجماهير، حيث ينتشر عادةً في إعلانات الشوارع احتفاءً بالمهرجان السينمائي التاريخي الأهم في البلاد.

ثم يأتي الاعتماد المبالغ فيه على تقنيات الذكاء الاصطناعي ليصعد بأزمات البوسترات إلى آفاق أخرى، فالعام الماضي أثار البوستر الترويجي للدورة الـ41 لمهرجان الإسكندرية السينمائي لدول البحر المتوسط أزمة كبيرة تخطت المتوقع، حيث ظهرت الملكة كليوباترا على الملصق بملامح أفريقية تماماً، ومن هنا جاءت الاتهامات لمصممه المخرج محمد الكومي بأنه ينتصر لرواية الأفروسنتريك الذين يتبنون فكرة نسب الحضارة المصرية القديمة لدول أخرى، حيث كان الذكاء الاصطناعي شريكاً أساساً في التنفيذ الذي لاقى سخطاً أيضاً.

لكن الأمر في مهرجان الإسماعيلية الدولي للأفلام التسجيلية والقصيرة كاد يصل للقضاء لولا أن إدارة المهرجان تداركت الأمر ولم تطبع الملصق الدعائي للدورة الـ24 إلا بعدما جرى تغييره كلياً، حيث تعود الأزمة لعام 2023، حينما فوجئ رواد مواقع التواصل الاجتماعي بإعلان إدارة المهرجان عن بوستر الدورة ليفاجأوا بأنه نسخة طبق الأصل من لوحة فنية تخص فناناً تركياً تحمل عنوان “امرأة عند اكتمال القمر”، حيث جرى سحب الملصق سريعاً والاعتذار، ثم إسناد المهمة إلى فنان آخر قام بعمل تصميم بديل سريعاً وقبيل فترة وجيزة من انطلاق دورة المهرجان لعام 2023، واللافت أن التبرير الذي أعلن حينها أن الفنانة التي قامت بتنفيذ البوستر محل الجدال كانت اشترت التصميم الأصلي عبر الإنترنت قبل فترة بصورة شرعية، لكنها لم تتدارك أنه من غير القانوني أن تستخدمه في تصميم وتنسبه إلى نفسها، لأنها بهذا التصرف تضع المهرجان في مأزق قد يصل إلى القضاء بسبب حقوق الملكية الفكرية.

حميدة أبو هميلة – إندبندنت عربية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي !!