الدراما العمودية تختبر حدود الفن
بتكاليف أقل وإنجاز أسرع مسلسلات مولدة بالذكاء الاصطناعي تغزو المنصات الرقمية

يتسع حضور الدراما العمودية القصيرة المولّدة بالذكاء الاصطناعي على المنصات الرقمية، في تحول يعيد رسم ملامح صناعة المحتوى المرئي، ويطال أساليب الإنتاج وتكاليفه وسرعته، فضلاً عن فرص العمل المتاحة للممثلين والعاملين في المجال السمعي البصري. وبينما تتيح الأدوات التوليدية إنتاج أعمال في وقت أقصر وبتكاليف أقل، فإنها تفتح في المقابل أسئلة بشأن قدرة التقنية على تقديم حكايات متماسكة وشخصيات مقنعة، لا الاكتفاء بصور لافتة ومشاهد تستثير فضول المشاهد.
وأظهر تقرير لمؤسسة الأبحاث الأمريكية «أول آند كو»، نشرته مجلة «هوليوود ريبورتر» خلال أكتوبر الجاري، أن الأعمال المولّدة بالذكاء الاصطناعي شكّلت نحو 66 بالمئة من عناوين الدراما العمودية الجديدة التي رصدها خارج الصين خلال الربع الثالث من عام 2026، مقابل 3 بالمئة في الربع الأول و28 بالمئة في الربع الثاني. وتتعلق هذه النسب بعينة المنصات التي شملها الرصد، ولا تمثل إجمالي الإنتاج الدرامي العالمي، لكنها تكشف عن تسارع لافت في اعتماد التقنية ضمن هذا القطاع.
وتنتمي الدراما العمودية إلى شكل سردي وفني من المسلسلات القصيرة جداً، صُمم خصيصاً للمشاهدة عبر الهواتف الذكية في الوضع الرأسي، خلافاً للتنسيق الأفقي المألوف في السينما والتلفزيون. وتعتمد هذه الأعمال على حلقات سريعة الإيقاع، ونهايات تثير التشويق، وتحولات متلاحقة في الأحداث، بما يتناسب مع أنماط المشاهدة عبر المنصات الرقمية، حيث يتنافس المحتوى على جذب انتباه المستخدم خلال فترات زمنية وجيزة.
سوق تتسع وإنتاج يتسارع
تعكس المؤشرات الاقتصادية حجم التحولات التي يشهدها هذا القطاع. فقدّرت شركة الأبحاث البريطانية «أومديا» إيرادات سوق الدراما القصيرة عالمياً بنحو 11 مليار دولار عام 2025، وتوقعت ارتفاعها إلى 14 مليار دولار بنهاية عام 2026، وهي أرقام تشمل الأعمال المنتجة بمختلف الأساليب، سواء بالوسائل التقليدية أو باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي.
ووفقاً لمؤسسة «أول آند كو»، حققت هذه الأعمال نحو 63 مليار مشاهدة خلال الربع الثالث من العام الجاري. أما في الصين، فقد أشارت تقارير إلى أن أكثر من 95 بالمئة من نحو 128 ألف عنوان درامي قصير صدر في البلاد خلال الربع الأول من عام 2026 كان مولّداً بالذكاء الاصطناعي، في مؤشر على اتساع استخدام هذه الأدوات في أحد أكثر أسواق الدراما القصيرة نشاطاً.
ولا يرتبط انتشار هذه الأعمال بالتطور التقني وحده، بل يستفيد أيضاً من اعتماد قوالب درامية مألوفة أثبتت قدرتها على استقطاب الجمهور، مثل قصص الحب والخيانة والانتقام، وصراعات الثروة والنفوذ، وكشف الهويات الحقيقية للشخصيات. وتتيح هذه القوالب بناء حكايات سريعة التحولات، يمكن توزيعها على حلقات متتابعة، مع تأجيل الإجابات الحاسمة لإبقاء المشاهد متشوقاً إلى متابعة الأحداث.
وفي هذا السياق، يمنح الذكاء الاصطناعي المنتجين إمكانات أوسع لتجريب الأفكار وتوليد المشاهد والشخصيات والخلفيات البصرية، من دون المرور بجميع المراحل التي يتطلبها التصوير التقليدي. غير أن سهولة إنتاج المحتوى تطرح تحدياً موازياً يتعلق بمدى قدرة الأعمال على التميز في سوق تتزايد فيها العناوين وتتقارب فيها الموضوعات والصيغ السردية.
حكايات مكثفة وهويات مخفية
تستند مجموعة من الأعمال المولّدة بالذكاء الاصطناعي إلى الخيال والمفارقات الدرامية، مستفيدة من شخصيات غير مألوفة وحبكات تقوم على الأسرار والتحولات المفاجئة. ومن بينها مسلسل «زوجي السابق التافه هو جني المصباح»، الذي تدور أحداثه حول جني يستعيد حريته مقابل الزواج من حفيدة رجل ثري لمدة خمس سنوات، قبل أن يساعدها على تحقيق النجاح المهني، ثم يقرر الانفصال عنها بعدما تقابل مساعدته بالجحود.
ويقدم مسلسل «استُبدلت بشحاذ لكنه أبوللو» مثالاً آخر على المزج بين الهوية المخفية والخيال الأسطوري. وتتمحور حكايته حول إيرين، التي تُخدع وتُجبر على الزواج من شاعر جوّال فقير، قبل أن تكتشف أن زوجها هو أبوللو نفسه، متخفياً في هيئة بشرية.
الأعمال المولّدة بالذكاء الاصطناعي تستند إلى الخيال والمفارقات الدرامية، مستفيدة من شخصيات غير مألوفة وحبكات تقوم على الأسرار والتحولات المفاجئة
ويعتمد العملان على عناصر سردية مألوفة، من قبيل انكشاف الحقيقة وانقلاب موازين القوة وانتصار الشخصية المظلومة، وهي عناصر تتلاءم مع طبيعة الحلقات القصيرة التي تحتاج إلى تطورات متسارعة ونقاط تحول متكررة. كما تسمح الأدوات التوليدية بتجسيد عوالم خيالية وشخصيات يصعب إنتاجها أحياناً بالوسائل التقليدية ضمن الميزانيات المحدودة التي تميز هذا النوع من الدراما.
لكن بناء الحكاية لا يتوقف عند ابتكار الفكرة أو إنتاج المشاهد، إذ يتطلب الحفاظ على منطق الأحداث وتطور الشخصيات، وربط الحلقات في مسار درامي متماسك. وهنا تبرز المسافة بين القدرة التقنية على توليد الصور والمقاطع، والقدرة الفنية على تحويلها إلى تجربة سردية تستحق المتابعة.
تكلفة أقل وتغيير في الإنتاج
تمثل التكلفة أحد أبرز العوامل التي تدفع المنتجين إلى الاستعانة بالأدوات التوليدية، خصوصاً في سوق الدراما القصيرة التي تقوم على سرعة الإنجاز وتعدد الأعمال. وفي الصين، يبرز مسلسل «تشانشيانتاي» مثالاً على هذا التحول، إذ تجاوزت مشاهداته 100 مليون مشاهدة خلال ستة أيام من إطلاقه، وفق المعلومات الواردة عن العمل، الذي أُنجز بفريق مكوّن من 12 شخصاً، وبتكلفة حوسبة بلغت نحو 100 ألف يوان، واستغرق إنتاجه شهراً.
ونقلت مجلة «بكين ريفيو» عن شيونغ بينغهوي، الرئيس التنفيذي للشركة المطورة للعمل، أن إنتاج الدراما القصيرة باستخدام الذكاء الاصطناعي قد يخفض التكاليف بنسبة تتراوح بين 70 و80 بالمئة مقارنة بالتصوير التقليدي، مشيراً إلى أن تكلفة الحلقة قد تبلغ بضعة آلاف من اليوانات، مع إمكانية إنجاز سلاسل كاملة خلال أقل من أسبوعين.
وتأتي هذه الوفورات من تقليص الحاجة إلى أجور الممثلين ومواقع التصوير والديكورات، إلى جانب الاستعانة بالأدوات التوليدية في تصميم المشاهد والمعالجة البصرية وبعض المؤثرات. كما تسمح هذه التقنيات بتعديل العناصر البصرية وتجريب بدائل متعددة بسرعة أكبر، وهو ما يمنح فرق الإنتاج مرونة إضافية في التعامل مع متطلبات العمل.
ومع ذلك، لا يعني خفض النفقات بالضرورة تحقيق جودة فنية أعلى، ولا يمكن اختزال تكلفة الإنتاج في الحوسبة وحدها، إذ تظل هناك مراحل تتعلق بكتابة السيناريو والإخراج والمونتاج ومراجعة النتائج وضبط اتساق الشخصيات والمشاهد. فالصورة المبهرة لا تكفي وحدها لصنع حكاية مؤثرة، كما أن تسريع الإنجاز لا يعوض بالضرورة عن الرؤية الفنية التي تمنح العمل هويته وخصوصيته.
فرص العمل والأداء البشري
في مقابل المكاسب الإنتاجية، تثير سرعة انتشار الدراما المولّدة بالذكاء الاصطناعي مخاوف متزايدة بشأن مستقبل فرص العمل في قطاعات التمثيل والتصوير والإنتاج، ولا سيما عندما تتحول مشاريع كانت مخصصة لفرق بشرية إلى أعمال تعتمد على شخصيات وأداء مولّدين رقمياً.
ونقلت صحيفة «بيزنس إنسايدر» عن الممثلة الأميركية هانا لوري أنها حصلت على دور في مسلسل عن عالم التزلج، قبل أن يتحول المشروع إلى إنتاج يعتمد على ممثلين مولّدين بالذكاء الاصطناعي، ما أدى إلى الاستغناء عن الطاقم البشري. كما تحدث الممثل بليك مانينغ عن خسارته دوراً كان قد أُسند إليه، بعد تغيير طريقة إنتاج المشروع. وتعكس هذه الشهادات حالات تأثر فيها ممثلون بقرارات إنتاجية اتجهت إلى الاستعانة بالتقنيات الجديدة، وإن كانت لا تكفي وحدها لتحديد حجم التأثير في سوق العمل ككل.

ولا تقتصر المسألة على الممثلين، إذ يمكن أن تمتد آثار التحول إلى عدد من المهن المرتبطة بالإنتاج، بحسب طبيعة الأدوات المستخدمة ومدى اعتماد الشركات عليها. وفي المقابل، قد تنشأ أدوار جديدة تتصل بإدارة الأنظمة التوليدية ومراجعة مخرجاتها ودمجها في مراحل الإنتاج، ما يجعل أثر التقنية في سوق العمل مرتبطاً أيضاً بكيفية توظيفها وتوزيع المهام بين الإنسان والآلة.
أما على المستوى الفني، فيبقى الأداء البشري أحد أبرز الاختبارات التي تواجه هذا النوع من الإنتاج. فقد تبدو الشخصيات المولّدة مقنعة من الناحية البصرية، لكنها قد تواجه صعوبات في نقل التحولات العاطفية الدقيقة، أو الحفاظ على الاتساق بين تعبيرات الوجه ونبرة الصوت وحركة الجسد وطبيعة الموقف الدرامي. وهي تفاصيل قد لا تبدو حاسمة في مشهد سريع، لكنها تصبح أكثر أهمية عندما تتطلب الحكاية بناء علاقة عاطفية مستمرة بين الشخصية والمشاهد.
بين خوارزميات الجذب وولاء الجمهور
لا يتحدد مستقبل الدراما العمودية بالذكاء الاصطناعي بقدرتها على خفض التكلفة وتسريع الإنتاج فحسب، بل كذلك بمدى نجاحها في جذب الجمهور والمحافظة على اهتمامه. فوفرة المحتوى قد تمنح المنصات خيارات أكبر، لكنها تضع المنتجين أيضاً أمام منافسة متزايدة، يصبح فيها التميز السردي وجودة التنفيذ عاملين حاسمين في استمرار العمل بعد موجة الاهتمام الأولى.
وفي تحليل نشرته جامعة أوكلاند النيوزيلندية خلال أكتوبر الجاري، تناول الأكاديمي جوني تشان العلاقة بين المشاهدين وخوارزميات التوصية وصنّاع المحتوى، مشيراً إلى أن الذكاء الاصطناعي يعزز قدرة المنصات على تقديم تنويعات سريعة على القصص التي تجذب الجمهور. ويعكس ذلك تحولاً في العلاقة بين الإنتاج والتوزيع، إذ باتت البيانات وأنماط المشاهدة تساعد في تحديد الموضوعات والصيغ القابلة للانتشار، بينما تتيح الأدوات التوليدية إنتاج نسخ وتنوعات جديدة بسرعة.
في المقابل، أشار تقرير «أول آند كو» إلى أن الأعمال التي يؤديها ممثلون حقيقيون على منصة «ريل شورت» كانت أكثر احتمالاً للبقاء ضمن أعلى 10 بالمئة من الأعمال مشاهدة بعد مرور 30 يوماً على إطلاقها، مقارنة بالأعمال الاصطناعية، وفق العينة التي درسها التقرير. وتلفت هذه النتيجة إلى أن القدرة على إنتاج عدد أكبر من الأعمال لا تعني بالضرورة نجاحها في الاحتفاظ باهتمام الجمهور، كما أن نتائج عينة محددة لا تسمح بتعميم الحكم على جميع المنصات أو أنواع الدراما القصيرة.
وبين وفورات الإنتاج ومخاوف العاملين وأسئلة الجودة الفنية، تبدو الدراما العمودية المولّدة بالذكاء الاصطناعي أمام مرحلة اختبار تتجاوز الإمكانات التقنية إلى طبيعة الحكايات التي تستطيع تقديمها. فالتحدي لا يكمن في إنتاج المشاهد بأسرع وقت وأقل تكلفة فحسب، بل في بناء شخصيات قادرة على الإقناع، وحبكات تحافظ على تماسكها، وأعمال تترك أثراً لدى المشاهد بعد انتهاء الحلقة. وفي صناعة تتسارع فيها الأدوات وتتضاعف فيها المنافسة، ستظل القدرة على رواية قصة تستحق أن تُروى أحد المعايير الأساسية لقياس النجاح.
صحيفة العرب



